الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أيهما أقسى ؟!!  



    إن فيما أرى الله قوم موسى من الآيات والمعجزات من الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم، تصيب المكذبين بموسى، ولا تصيب المجاورين لهم مع قرب ما بينهم من مسافة، وتتداخل بيوتهم، لدليل على قدرة الله لا يستطيع عاقل إنكاره؛ لأنها أدلة مستندة إلى الحس والمشاهدة، وإذا أضفنا إلى ذلك: فلْق البحر اثني عشر طريقاً بين كل طريقين جبل ماء يرى السائرون على الطرق المختلفة بعضهم بعضاً من خلال النوافذ في جبال الماء، وضرب الميت بقطعة من البقرة التي عرف خبرها القوم نتيجة ما طرحوه من أسئلة على موسى حتى تميزت بصفاة عُرفت بها معرفة حقيقية لا يمكن إنكارها، وحياة الميت وإخبار السائلين بمن قتله، نعلم نتيجة كثرة الآيات، قسوة قلوبهم التي بلغت في قساوتها الحجارة أو هي أشد، فإن في الحجارة صفاة ثلاث لا تتصف بها قلوبهم: تفجر الأنهار، وخروج الينابيع وتصدعها من خشية الله، فخروج الماء وتفجر الأنهار وما يصيب الحجارة من هبوط لخشية الله يدل على أن قلب الإنسان إذا لم تخالطه بشاشة الإيمان أقسى من الحجارة، وأنه بحاجة إلى الله ينور بصيرته، ويُقوِّم ما أعوج من أخلاقه. ولا يتم له ذلك إلا إذا شعر أنه مُراقب تُحصى عليه أعماله: صغيرها وكبيرها، لا يخفى على الله منها شيء، ويعينه الاعتبار بالأَخبار، فالسعيد من وُعظ بغيره.

    ثم يوجه الخطاب إلى المؤمنين فينكر عليهم عدم يأسهم من إيمان اليهود الذين سمع أسلافهم كلام الله ثم حرفوه وغيروا معناه، من بعد ما سمعوه وفهموه.

    إن مراقبة الله في السر والعلن تورث الإنسان شخصية سوية تعرف ما تريد وما يراد بها ولها، أما أولئك فلهم شخصيتان واحدة في الخلوة وشخصية في الجلوة، فهم مؤمنون مع المؤمنين، متمسكون بالباطل ناصرون له بكل قوة، غافلون عن الله: عن علمه المحيط بكل شيء لا يخفى عليه شيء، بلغ الجهل بهم أن لاموا أصحابهم أن حدثوا أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، بنعم الله عليهم ليحاجوهم فيقيموا عليهم الحجة، أنهم قوم جاهدون في محاربة الحق ونصرة الباطل، مع تخفٍّ في السلوك، وغفلة عن علاَّم الغيوب، وفعلهم هذا قبيح من جهتين: الازدواج في الشخصية، والجهل بما يجب لله من صفاة الجلال والجمال؛ لذلك رأيناه يدخل همزة الاستفهام على حرف العطف، ويحذف المعطوف عليه، ويجعل المعطوف جملة فعلية فعلها مضارع، يحذِّر الناس من التخلق بأخلاقهم والسير على نهجهم. وبعض القوم لا يقرأ ولا يكتبون فهم لا يعلمون من الفرائض إلا ما يتلى عليهم، قد اشتغلوا بالظن والأوهام عن الحقائق الثابتة، والأدلة اليقينية. ذكر القسيم واستغنى به عن قسيمه الذي هو أقبح منه، مكتفياً بالدعاء عليهم بالويل والثبور، وفي ذلك من الوعيد ما يجعل الإنسان يحاسب نفسه قبل أن يقدم على عمل أي عمل، وقوله: (يكتبون بأيديهم...) للدلالة على عظيم ما اقترفوا من آثام تمثلت في كتابة كلام أنفسهم ثم نسبوه إلى الله ليروجوه، ثم خالفوه لقاء ثمن بخس فاستحقوا الويل مرتين: مرة بكذبهم على الله، ومرة بما اكتسبوا في إضلال الناس من ذنوب وجرائم.

    ولما أوعدهم ذكر شيئاً من دعاويهم التي طالبهم بالدليل عليها، ادعى اليهود أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة: الأيام الأربعين التي عبَد فيها بعض قوم موسى العجل في غيابه عنهم، فمن أين لهم هذا؟ أأعطاهم الله عهداً أن لا يعذبهم إلا هذه الأيام الأَربعين، أم هو الكذب على الله، والقول عليه بغير علم، ولما رد الكذب ناسب أن يذكر الحق ويذكر به، وصدَّر الجواب بـ بلى، لتقدم الاستفهام، وجواب الاستفهام بـ بلى، وهذه قاعدة مسلمة، ووضع القاعدة وجعلها قضية شرطية تبني النتائج على المقدمات، من كسب سيئة: كذباً أو قتلاً أو كفراً، حاصره خطؤه حتى يوصله إلى النار: يقاسي حرها في إقامة دائمة، جزاءاً وفاقاً بما أصر على تمسكه بالباطل وإصراره على محاربة الحق وأهله.

    وعلى الطرف الآخر: المؤمنون العاملون أعمالاً صالحة تعم بخيرها المجتمع، فجزاؤهم الإقامة الدائمة في جنات النعيم، قاعدة الغُنْمِ بالغُرْمِ، والثواب والعقاب يقوم السلوك ويقيِّم الحياة.

    ويُذكِّر الله رسوله ومن بعدِه كل قاريء لكتاب الله، أن أصل الدين واحد: تلتقي عنده الأديان السماوية في الدعوة إلى مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، وفي مقدمتها وعلى رأسها الإيمان بالله: موجد العالم من العدم ومربيهم بالنعم، فيجب على الخلق أن يتوجهوا إليه بكليتهم، فكأن الله قد أخذ على بني إسرائيل عهداً مؤكداً أن يعبدوا الله ولا يعبدون إلا إياه، ويحولوا هذه العبادة إلى عمل يعم بخيره أقرب الأقربين فمن بعدهم، حتى يعم الخير المجتمع جميع أفراده.

    بدأ العهد بالأمر بإفراد الله بالعبادة، وثنى ببر الوالدين الذيْن لهما النعمة والفضل الظاهر المدرك بالحس، وأصحاب القرابة لقرابتهم من الوالدين، وبعد الأَقربين اليتامى: جمع يتيم وهو من فقد أباه حتى يبلغ، فهو بحاجة إلى من يرعاه لينشأ نشأة صالحة، فلو قسا عليه المجتمع لنشأ معقداً يفسد في الأرض فيهلك الحرث والنسل، ويلي اليتامى المساكين: جمع مسكين وهو من سكنه الفقر فأسكنه عن الحركة، فهو بحاجة إلى من يحنو عليه ويرفق به، ليعيش كريماً محباً محبوباً في كنف مجتمع يعرف كل فرد من أفراده واجبه وحق الآخرين عليه، وهو ما أشار إليه (وقولوا للناس حسناً)، وفيه دعوة إلى وجوب معاملة الناس معاملة حسنة مع المسلمين؛ لأن ذلك حق لهم، ولغير المسلمين تألفاً لهم وترفقاً بهم، فالقدوة أبلغ في التأثير من الكلمة وأدعى للقبول.

    وأهم ما يعين على ذلك عبادتان: قاصرة تصلح النفس، وتقوم السلوك وتنْقل الإيمان من حاشية الشعور إلى مركز الشعور، وتغذي الروح، وعبادة متعدية، تؤمن للدولة موارد مالية تغني المحتاج، وتكف وجهه عن ذل السؤال، فهل التزم بنو إسرائيل الميثاق وأدوا ما كلفوا به؟ لا، بل أعرضوا عنه، وتنكروا له متكبرين عن الخضوع لنهج الله الذي وضعه لإصلاح الفرد والمجتمع ظانين أن المناهج الوضعية تحقق السعادة في الدنيا والآخرة، يحذر بذلك المسلمين من سلوك دربهم، وترسم خطاهم، فيحل بهم ما نزل بهم، يتضح ذلك من خلال الميثاق الثاني الذي أخذه عليهم موجهاً الخطاب إليهم في الظاهر ومن ورائهم إلى كل قاريء للقرآن، متدبر لآياته، إذْ كان في المسلمين اليوم من يسفك دماء أهله ومواطنيه، ويسعى في تهجيرهم من بلادهم، ثم يسعى في فك أسر من أسره العدو منهم، نعم يجب على المسلمين فداء أسراهم ولو استغرق ذلك جميع أموالهم، ويحْرُمُ عليهم الاعتداء على إخوانهم وتهجيرهم، والحظر مقدم على الإباحة إذا تعارضا، من هنا ناسب أن يسألهم أتصدقون بعض الفرائض، وتكذبون بعضها؟.

    إن من يفعل ذلك لا يستحق إلا أن يخزيه الله في الدنيا، فيفضحه ويكشف الازدواج في التعامل، ويوم القيامة يعذبون أشد العذاب، وما صح ولا استقام أن يغفل الله عن أعمال عباده: صغيرها وكبيرها حقيرها وجليلها، ثم أشار إلى الذين نقضوا ميثاق الله وأعرضوا عن أمر الله، وفرقوا بين المتماثل وجمعوا بين المختلف باسم الإشارة الموضوع للبعيد إشارة إلى بعدهم عن الحق؛ لأنهم اشتروا الدنيا بالآخرة، وباعوا الغالي بثمن بخس؛ فإذا كان ذلك كذلك فلا سبيل إلى تخفيف العذاب عنهم؛ لأنهم لم يطلبوا الحق ولا أقبلوا عليه، ولا رغبوا فيه، فهم مخذولون أبداً؛ لأنه لا أحد يقدر أن يرد أمر الله وحكمه.

    إن من يتمرس بالمعاصي يقسو قلبه وتعمى بصيرته فلا يميِّز الخير من الشر، فقد أكرم الله بني إسرائيل فبعث إليهم موسى وأنزل عليه كتاباً فيه هدى ونور، وأرسل بعده رسلاً يؤكدون على ما جاء به، ويدعون إلى طاعة الله ومخالفة الهوى، وكان آخرهم عيسى بن مريم الذي آتاه من المعجزات ما يدل على صدقه، ونصره الله حين خذله قومه وتآمروا عليه يريدون قتله، شأنهم مع كل نبي جاء يُغيِّر ما هم فيه، فما جاءَهم نبي إلا تكبروا عن قبول دعوته فكذبوا بعضاً من الرسل، وقتلوا آخرين بدم بارد وإصرار على الباطل، معتقدين أن قلوبهم ممتلئة علماً لا مكان فيها يتسع لمزيد، والحق أن الله طردهم من رحمته بسبب كفرهم فلا سبيل إلى وصول الإيمان إلى قلوبهم.

    فاللهم نور أبصارنا وبصائرنا فلا نضل ولا نخزى.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة