الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

من علامة النجاح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات 


            إن من لا أول له لا آخر له، من هنا كان من علامة الخسران في النهايات الرجوع إلى النفس في البدايات، فالطالب إذا تكاسل في وقت الطلب ولم يبذل نفسه ووقته وجهده في التحصيل، فاته خير كثير، وتقدمت به السن جاهلاً عاجزاً عن الطلب لأن همته تفتر وقواه تضعف، ونفسه تميل إلى الراحة، فيعيش إنساناً خاملاً لا تأثير له، همته منحصرة في تحصيل الماديات وملء وقته باللهو يعيش على هامش الحياة، أما من رجع إلى الله في البدايات وطلب عونه وعلم أن الدنيا دار عمل فعمل عملاً ينفعه في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى همه كل همه رضى الله وطلب عونه في إقامة العدل ومنع الظلم، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإيمان بالله، وذلك لا يكون إلا بطلب العلم الضروري الذي يصحح العقيدة والعبادة والمعاملة لأن المسلم لا يعيش وحده بل مع الناس فيجب عليه أن يكون داعياً بسلوكه وهديه قبل أن يدعو بلسانه، وهذا يتطلب منه:
    أولاً: أن يتوجه بكليته إلى الله يخلص النية ويصدق في الطلب، يبدأ بحفظ القرآن في سن مبكرة لأن فيه تطهير الجنان وتقويم اللسان والتمكن من أساليب البيان ثم يتعلم أصول العقيدة فيعرف ما يجب في حقه تعالى وما يجوز وما يستحيل، كذا ما يجب في حق رسله وما يجوز وما يستحيل، وشيئاً من السمعيات وأخبار آخر الزمان حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه.
    ثانياً: أن يقبل على ما تميل إليه نفسه من العلوم التي تمس إليها الحاجة في نظره ليكون متوجهاً إليها بحرص ورغبة فيدفعه ذلك إلى التفوق في الطلب والبراعة في نقل المعلومات إلى غيره ناظراً إلى ما عند الله أولاًَ وآخراً فإن كل علم تحتاج إليه الأمة مادام يحقق مصلحة للمجتمع، لأن الإسلام دين مجتمع يقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، الولاء لله الواحد القهار، قال أبو يعقوب إسحاق بن محمد الشهرجوري: من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعاً، ومن كان غناه بالمال لم يزل فقيراً، ومن قصد بحاجته غير الله لم يزل محروماً، ومن استعان على أمره بغير الله لم يزل مخذولاً، لأن الله هو المعطي المانع الضار النافع، بيده الأمر، لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، فإذا ما استقام صلُح حاله وأشرقت بدايته. قال ابن عطاء الله السكندري: من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، أشرقت بدايته بالرجوع إلى الله أشرقت نهايته بالوصول إلى الله، من أشرقت بدايته بأحكام أصولها، أشرقت نهايته بالعثور على محصولها، من أشرقت بدايته بطلب العلم في وقته بجد واجتهاد، أشرقت نهايته بما حصل عليه من مكانة في الدنيا، وسعادة في القبر وفي القيامة، فربما رجح مداد العلماء دماء الشهداء في بعض الآناء، وقديماً قالوا: من جد وجد، ومن زرع حصد، قال الشاعر:
بقدر  الجد  تكتسب  المعالي   ومن  طلب  العلا  سهر  الليالي
    إن من علت همته عن الأكوان، وصل إلى مكونها ومن وقف بهمته على شيء دون الحق فاته الحق لأنه أعز من أن يرضى معه شريك، ولابد من أن يظهر ذلك في سلوكه، قال ابن عطاء الله: ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر، ما استودع في غيب السرائر من معرفة الله ظهر في شهادة الظواهر بالعمل على مقتضى ما هناك، فمن كان غيب سره أتم كان ظاهره أحكم، لأن ظواهر الأمور تدل على حقائق الصدور والأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه أثره يلوح، وما فيك يظهر على فيك وأدب الظاهر عنوان أدب الباطن، ولو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) ، ووصف المنافقين (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) ، أي من خلال حديثهم دون أن يصرحوا، يكشف حالهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
    فاحرص يا أخي على تطهير نفسك من العيوب سواء أكانت في الأفعال أم الأخلاق أم الآداب متعلقاً بالله أو بعبادة، وسواء أكانت تلك العيوب ظاهرة جلية أم باطنة خفية، فكن في الموقع الذي أقامك فيه الله ولا تطلب موقعاً غيره لأن الله أعلم بما يصلحك ويصلح لك، وأخلص له وتوجه إليه، ولا تلجأ إلا إليه، ولا تعتمد إلا عليه، فيكون ظاهرك كباطنك ويظهر ذلك في حركاتك وسكناتك، فإن تفعل تفلح في الدنيا والآخرة، والله يتولاك.

 



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة