الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

حذار من الإعراض عن المنهج !! 
سورة البقرة   الآيات 61 - 73



    شرع الله الشرائع لتأمين ضروريات الناس التي لا تستقيم بدونها حياتهم: حفظ الدين، حفظ النفس، العقل، العرض والنسب، وحفظ المال؛ لذلك كان التشريع وكانت العقوبات لردع الخاطئين، فلا بد من فتح باب التوبة لمن يراجع نفسه ويتراجع عما اكتسب من سيّئات؛ لذلك بعد أن ضرب الذلة والمسكنة على اليهود بما فعلوا من مخالفات فتح لهم ولغيرهم باب التوبة فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الذين آمنوا بالله وبالنبي الذي أرسل إليهم، فشمل جميع المؤمنين ما توالت الليالي والأيام، والذين هادوا أي تابوا إلى الله من قول موسى (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) تبنا وأنبنا، ويجوز أن يكون نسبة إلى من تخلق بأخلاق هؤلاء القوم الذين قابلوا إحسان الله إليهم بالإساءة، ونعمه عليهم بالجحود، وأيّاً ما كان فالذين هادوا تسمية لا مدح فيها ولا ذم، بل هي وصف بما يقبله المقول لهم، والنصارى هم الذين انتسبوا إلى الناصرة التي عاش فيها المسيح بن مريم أو لأنهم أنصاره، والصابئين أهل الدين الذي سبق موسى، أما قوم نوح أو قوم إبراهيم – عليه السلام – ولعلهم سموا بـ الصابئين؛ لأن الجنس البشري كان لا يزال في أول عهده، فما زال بحاجة إلى الوحي لتتكامل به شخصيته وبعد أن ذكر الأربعة أبدل منهم (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) تتنازعه الأربعة: من آمن بالله واليوم الآخر من الذين آمنوا، من آمن بالله واليوم الآخر من الذين هادوا إلى الأربعة فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فالإيمان قول واعتقاد وعمل يصدق ذلك وقوله وعمل صالحاً، فصالحاً صفة لموصوف محذوف: عملاً صالحاً، وهو ما لا يعقب شراً، فالعمل الصالح ما ينفع العامل أو ينفع غيره أو يدفع عن العامل أو يدفع عن غيره، فالعلم وبناء المؤسسات التعليمية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبناء المؤسسات الإنتاجية التي تؤمن للشباب عملاً منتجاً يكفُّ الحاجة ويغني عن السؤال، ويجعل المجتمع مكتفياً، فالعلم يدفع الجهل عن الناس، وبناء المؤسسات التعليمية تقي المجتمع من الجهل بجميع أشكاله وألوانه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ المجتمع من الوقوع في المحرمات، وإتباع الشهوات، فيحكم العقل والشرع والأخلاق في تصرف الناس، فلا يعمل إلا ما فيه الصلاح: فلا يظلم ولا يطغى، فيعيش الناس في أمن وأمان فلا يخاف على ما يأتي لأن ماله سيأتيه، ولا يحزن على ما فات لأنه يعلم أن ما قدر الله كائن، فلا خوف عليهم مما يأتي، ولا هم يحزنون على ما فات لكمال إيمانهم وصدق يقينهم.

    إن الإيمان الحاصل تحت تأثير شيء ما، تشتم منه رائحة الإلجاء، لا يؤدي إلى إيمان ثابت يصمد في وجه ما يلاقيه صاحبه من صعاب من هنا رأينا القرآن يذكر اليهود بالميثاق الذي أُخِذ عليهم وقِطْعَةٌ من الجبل توشك أن تنـزل على رؤوس الذين لا يستجيبون، فأجابوا مكرهين، وما إن وجدوا فرصة حتى عادوا إلى ضلالهم وباطلهم، وما زال الله يعفو عنهم، ويتفضل عليهم حتى لا يكونوا خاسرين وهم يقابلون تفضله بالإعراض، وإحسانه بالإساءة ويدل على ذلك فعل أصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر.

    حرم الله عليهم العمل يوم السبت، فكانوا يلتزمون يوماً وتأتي الأسماك إلى الشاطيء قريبة منهم حتى لو شاؤوا أن يلتقطوها بأيديهم لقدروا، ويوماً لا يسبتون بل ينـزلون إلى البحر ليصيدوا فلا تأتي الأسماك ويعودوا خائبين، فكروا بحيلة: أن يضعوا الشِباك يوم الجمعة على أن يأخذوها يوم الأحد، وافترق أهل القرية ثلاث فرق: فرقة وضعت الشِباك في البحر يوم الجمعة لتأخذها صباح الأحد، وفرقة وقفت على الحياد، تركتهم وما أرادوا ووكلت أمرهم إلى الله؛ لأنهم خالفوا الأمر الإلهي، واحتالوا عليه، وطائفة رأت أن هذا الأمر منكر تجب إزالته؛ فاجتهدوا في إزالته، ووقف في وجههم الذين وقفوا على الحياد قائلين لهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، قالوا نبين الخطأ ونقيم الحجة عليهم ونحن نرجوا أن يرجعوا عن ضلالهم، ويتوبوا إلى الله، فلما أصر القوم على خطئهم مسخ الفرقتين قردة، وأنجى الذين أمروا بالمعروف ونهو عن المنكر من العذاب.

    إن المجتمع الفاضل لا يقوم إلا على العمل النافع البنّاء، والجميع مسؤول عن إقامة العدل فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصة القرية التي ذكرها الله وما أنزل بأهلها من عقاب دليل واضح على تعنت اليهود، وسعيهم الدائم إلى التهرب من تنفيذ الأمر الإلهي، والبحث عن عذر: أي عذر يبرر فعلهم.

    من ذلك أن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، ذكر القرآن المبلِّغ وما عانى من المأمورين ولم يبين لِمَ أمرهم بذلك، يشوق القاريء ويثير انتباهه، ليعتبر بما يسمع، ثم بين القرآن السبب في قصة ثانية منفصلة في الظاهر، متصلة في الواقع، ذلك أن جريمة حصلت أيام موسى فسأل القوم موسى عن القاتل ليقتصوا منه، ولو قال لهم: لوجدوا ألف عذر، أراد الله أن يعلمهم البحث عن القاتل بجد، وأن يعرفهم به بدليل قطعي لا يستطيعون إنكاره، فلا أحد أعرف بالقاتل من القتيل، الذي أذهب القاتل حياته، فقال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، تدللون بها على صدقكم في طلب القاتل وعزمكم على معرفته تضربون ببعضها القتيل فيحييه إليه ليخبر من قتله، قال السائلون: أتهزأ بنا وتسخر منا يا نبي الله، نسألك عن القاتل فتقول: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، ما المناسبة، ما العلاقة بين معرفة القاتل وذبح البقرة؟ قال موسى: التجيء إلى الله واحتمي به أن أكون من جملة الجاهلين الذين يسخرون، إنما أبلغكم ما أوحى الله به إلي: إن أردتم أن تعرفوا القاتل فإن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، ويبدو من خلال ما حصل أن القوم لا يريدون أن يعرفون، وليس ما يدل على السبب، من الجائز أن يكون شريفاً يريدون ستره.

    وهنا تبدأ الأَسئِلة يؤخرون بها تنفيذ الأمر، هل المطلوب ذبح بقرة صغيرة أو كبيرة؟ فالفارض من البقر: المسن، ولعله سمي بذلك لقوته وشدته في حمل الأثقال، وبه حدد نصاب الزكاة، والبكر في مقابله، والعوان المتوسطة بين المسنة والبكر، السؤال الثاني: ما لونها قال: صفراء فاقع لونها أي شديدة الصفرة كاملة في لونها، كأنها أخذت لونها من الكمأة. يسر برؤيتها ناظرها، وهذا هو غالب لون البقر.

    السؤال الثالث: نشأ عن هذا التشابه، الذي جعل اختيار بقرة أمراً مشكلاً بحاجة إلى مزيد من الإيضاح: تتميز به عن غيرها من بقر، فكأنه عين لهم بقرة لا يجزيء غيرها: بقرة مدللة لا تعمل لونها لم يخالطه شيء.

    ذبحوا البقرة وضربوا ببعضها الميت فحيي الميت وقال قتلني فلان، وسمعه جمع من الناس تقوم به حجة، ثم عاد إلى ما كان، ودب الخلاف إلينا بم ضرب؟ أبالكبد أم بالطحال أم بالفخذ أم بماذا؟ مثل إحياء الله لهذا الميت يحيي الله الموتى، ويريكم آياته كي تعقلوا ما فيها، فانظروا بقلب واع وفكر ونظر ثاقب وأنتم ترجون أن تعقلوا ما فيها، فتصلحوا دينكم ودنياكم وآخرتكم.

    كان يكفي أول الأمر أن تذبحوا بقرة أي بقرة، أكثروا الأسئلة، وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم إن الاعتبار بالقصص يمنع انشغال الناس بالمظاهر عن الجوهر، وبالمكاسب عن التضحيات، وبالحرص والشح عن الإيثار وتحقيق المصلحة العامة.

    فاللهم وفقنا لقول الحق والعمل به.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة