الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

حذار من الذِلّة والصغار  
سورة البقرة   الآيات 47 - 60



    إن القرآن كتاب هداية وإعجاز، يذكر من القصة ما يتناسب والهداية وفي الآيات 47-61 من سورة البقرة ذكر لنعم الله على بني إسرائيل وموقفهم منها، وما حل بهم، والسعيد من وعظ بغيره.

    نادى الله بني إسرائيل ثانية في خلال آيات يأمرهم أن يتذكروا نعمه عليهم، نعمة نعمة، يذكروها فيشكروها بأداء ما أوجب عليهم وبدأ يعددها واحدة واحدة، أولاها أنه فضلهم على العالمين، وشكرها يكون بأداء ما افترض عليهم، لإنقاذ أنفسهم من المؤاخذة يوم القيامة، وبين لهم أن كل إنسان مسئول عن عمله محاسب عليه، لا يتحمل أحد عن أحد، والمذنب لا يستطيع أن يفلت من عذاب الله يوم القيامة، لا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها فداء ولا يستطيع أحد أن يتخلص مما وجب عليه لا بشفاعة ولا بفداء، الكل خاضع لله لا ينجو من عذابه إلا بطاعته، نصيحة حكيم حميد لكل مكلف شرعاً في وقت مناسب يستطيع معه العمل ما دام في الدنيا، فلا يَغْفَل ولا ينخدع، ولكن يراقب الله فيما يأتي ويذر، عالماً علم يقين أنه محاسب على علمه، مجزي به إن خيراً فخير.

    أما النعمة الثانية فإنقاذهم من آل فرعون: من الظلمة الذين أذاقوا اليهود سوء العذاب: أي عذاب أشد من أن يرى الأب ابنه يذبح أمام ناظريه، ابنه الذي ينتظر أن يكون حاملاً اسمه ناقلاً نسبه يراه جثة هامدة لا حراك لها، ويرى ابنته تستخدم من غير أهلها، تستحيا حياة ذليلة، محاصرة بالظلم والظلمة، بلاء عظيم رفعه الله عن اليهود، فأخرجهم من مصر، وعبر بهم البحر بين جبال من الماء، وتبعهم فرعون يريد إعادتهم لخدمته، لم يفكر فيما رأى من الطرق الاثني عشر، لم ير جبال الماء تفصل بين الطرق، فلما وصل قوم موسى الضفة الثانية جميعهم عاد البحر كما كان قبل أن يضربه موسى بعصاه، فأغرق فرعون وقومه، وأنجى المؤمنين من الغرق ومن فرعون، ورأى قوم موسى فرعون يبتلعه البحر، ولما أنكر بعض اليهود أن يموت فرعون لأنه إله، أكذبهم الله فأراهم فرعون جثة هامدة، فأيقنوا بموته، وما إن خرج قوم موسى من البحر فمروا بقوم يعبدون الأصنام طلبوا من موسى أن يجعل لهم صنماً كما لأولئك أصنام، زجرهم وذكرهم نعم الله عليهم فسكتوا على غير إقناع.

    وواعد الله موسى أربعين ليلة، فانتهز القوم غياب موسى وصنعوا لأنفسهم عجلاً جسداً عبدوه من دون الله، وقصة عبادة بني إسرائيل العجل فصلها القرآن في غير هذا الموضع إذ كان الحديث هنا في النعم، فالله واعد نبيهم أربعين ليلة يناجيه ويتلقى الشرع منه، وفيه تكريم لهم، وبدل أن يشكروا جحدوا وعبدوا العجل فتاب عليهم وعفا عنهم، فيجب عليهم أن ينظروا في نعم الله فيؤدوا ما يجب عليهم وآتى موسى الكتاب والفرقان، فالكتاب في الألواح والفرقان ما فيه من هداية مما فصله في غير هذه السورة وفي هذا دعوة غير مباشرة لأمة محمد فكأنه يقول: فتفكروا بما فيه، لتأتمروا بأمره، وتنتهوا عن ما نهى عنه، ولما كانت العقوبة نتيجة حتمية للخطأ، قال موسى لقومه: يا قومي إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً من دون الله فتوبوا إلى من أوجدكم من العدم ورباكم بالنعم فأسلموا أنفسكم إلى من لم يعبد العجل لتقتلوا جزاءً وفاقاً لأنكم أنكرتم واجب الوجود لذاته، وعبدتم عجلاً جسداً صنعه لكم السامري.

    إن من تمام التوبة أن يقبل تنفيذ حكم الله، راضياً تائباً، فوفقهم الله للتوبة وقبلها منهم، فهو يقبل التوبة عن عباده، ولكن قسوة قلوبهم جعلتهم يتوقفون عن الإيمان حتى يروا الله جهرة عياناً لكن لما كان الكِبر داءً لا دواء له، وكانت أجسام البشر لا تحتمل رؤية الجبار في الدنيا، أخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله من بعد موتهم ليشكروه على نعمه المتوالية، ذكر منها التيه وما أكرمهم الله به فيه، دون أن يذكر سببه هنا، وذكره في سورة المائدة، فبين أنه لما أمرهم بالجهاد لتطهير الأرض من ظلم العماليق رفضوا إجابته إلى ما طلب منهم. إن الله إذا عاقب المذنب عاقبه برحمة، فهؤلاء الذين واجهوا نبيهم بالوقاحة والعصيان، عاقبهم بالتيه أربعين سنة، حماهم فيها من حر الصحراء بالغمام يحجب الشمس فلا تؤذيهم، وأَمن لهم طعاماً طيباً: لحم طير، وحلوى طبيعية: نوعاً من الفطر الحلو ينـزله الله عليهم، وقال لهم: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، وما ظلموا إلا أنفسهم بإيرادها موارد التهلكة بمعصية الله ورسوله موسى، عليه السلام، فهذا العذاب فيه رحمة؛ لأنه عذاب أرحم الراحمين، لا يورث حقداً ولا كراهية.

    (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ)  أل فيها للعهد فهل كان ذلك قبل التيه أم في أثنائه؟ ليس في النص القرآني ما يرجح أحد الاحتمالين، لأن الآية سيقت لبيان مقدار ما انطوت عليه أنفسهم من جحود وعصيان، مع ما خصهم الله به من نعم، (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً)  أباح لهم أن يأكلوا من ثمار هذه القرية بمجرد الدخول، لكن ثمة تكليف (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) شكراً لله على ما حباكم به من نعم: حياة طيبة عامرة بالخير، (وَقُولُوا حِطَّةٌ) اسألوا الله أن يطهركم من أوزاركم، وما اقترفتم من آثام، وهذه الكلمة فيها معنى التوبة والإنابة، ووعدهم بالمغفرة إن فعلوا، لكنهم لم يفعلوا (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).

    لم يصرح القرآن بالمبدل إليه؛ لأنه لا تتعلق به فائدة، إذ كان تبديل كلام الله والاستهزاء بالنبي كافياً في استحقاق ما أنزل بهم من عذاب، لعتوهم وخروجهم عن دائرة الطاعة، وثباتهم على العصيان، فأشار بـ كان إلى ترسخ المعصية في أنفسهم، وبالفعل المضارع إلى تجدد الفسق منهم واستمرارهم عليه.

    فإن طلبت الدليل ظهر لك ذلك جلياً في طلب موسى السقيا لقومه (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ)  يجوز في أل في الحجر أن تكون للعهد أراد حجراً معيناً أو للجنس مطلق حجر أمر الله موسى بضربه ( فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ). لا بد لي قبل الخوض في بيان الآية من تسجيل التشابه بين الناس اليوم وبين اليهود.

    كان اليهود متفرقين إلى درجة أن لا يأكل أحدهم أو يشرب أو يمشي مع من ليس من نفس السبط، أبعد هذا تفرق؟ ومع ذلك تراهم يتفقون على مخالفة الأمر الإلهي، ذلك أن الله أباح لهم أن يأكلوا ويشربوا من رزق الله (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)  نهاهم عن نشر الفساد بجميع أنواعه: الحسي والمعنوي في الأرض حالة كونهم مفسدين لا يحملهم على ذلك ولا يدفعهم إليه إلا الفساد، وما إن شرب القوم حتى قالوا لموسى  (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) لم يعجبهم لحم الطير، وطلبوا العدس والبصل والفوم والقثاء (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)  الباء تدخل على المبدل فهم طلبوا العدس بدل لحم الطير ولما كان الإنسان لا يحصل على ما يريد إلا بعمل جاد لذلك قال: (اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)  أمرهم أن يذهبوا إلى بلد، فإن فعلوا وجدوا ما طلبوا، درس علم الله الخلق مؤداه: من يريد شيئاً يسعى إليه، وأن الحياة قائمة على الأسباب على العمل البنّاء لتحصيل ما يريد، وختم الآيات (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) الذلة خضوع بعد عتو وتمرد، فبعد أن كانوا متمردين صاروا خاضعين متواضعين، قد يتبادر إلى الذهن أن ذلك كان نتيجة طلبهم الذي هو أدنى، لكن الله بيّن سبب غضبه عليهم فقال: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).

    ذنوب أربعة جعلت اليهود أذلة متمسكنين، غضب الله محيط بهم من كل جانب محاصرون به: تكرر الكفر بآيات الله منهم، وقد أشار فيما مر إلى شيء منه، حتى صار الكفر بآيات الله خلقاً لهم، قتلهم الأنبياء بغير حق، القتل بغير حق قبيح، وأقبح منه قتل النبي الذي يبلغ شرع الله ويجتهد في إصلاح ما فسد من أحوال الناس، وعبر بالفعل المضارع في الموضعين للدلالة على تكرر ذلك منهم، وجمع النبيين جمع سلامة ليدل على كثرة من قتلوا منهم، وعرف الحق لأنه ثابت معروف وما تكرر الظلم منهم إلا لأنهم عصوا الله وخالفوا أمره، وتكرر منهم العدوان حتى صارت الرذيلة سلوكاً ومنهج حياة، والفضيلة مهجورة متـروكة.

    هذه الأخبار ساقها للنظر فيها والاعتبار بما فيها.

    أين القلوب التي تعقل ما ترى وتسمع؟ إن الله أعطى الإنسان العقل يعرف ما ينفعه، جعل الله للعرب حرماً آمناً يحتمون به، وأمَّن لأهله ثمرات كل شيء رزقا لدنه، وأمنهم في الحرم وأنى ساروا، واختار منهم خاتم أنبيائه ورسله، وأنزل بلغتهم كتاباً لا يمحوه الماء، وضمن لهم العزة والنصر ما اعتزوا به ونصروه، وجعل دينهم ظاهراً على الدين كله.

    فحذارِ حذارِ من غضب الجبار، والذِلّة والمسكنة والصغار.

    فاللهم يا مقلب القلوب والأبصار اربط على القلوب ونور الأبصار، ووفقنا لطاعتك وعبادتك، آناء الليل وأطراف النهار.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة