الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

يا بني إسرائيل ؟!!  
سورة البقرة   الآيات 40 - 46



    طرد الله آدم وزوجه وإبليس من الجنّة وحكم حكماً مبرماً أنه سيخص بني آدم بهدى يتجدد فمن تبع هدى الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين ستروا نعمة الله وكذبوا رسله أولئك أصحاب النار يلازمونها ولا يفارقونها، جزاءً وفاقاً؛ لأنهم أعرضوا عن الحق وتنكروا له، ووالوا أعداء الله.

    (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)  هذا هو النداء الثاني، كان الأول عاماً نادى الناس كل الناس، فلماذا قصره على بني إسرائيل، وبين إسرائيل وآدم أجيال كثيرة لم لم يعممه كالأول إذ كان القرآن خطاباً لجميعهم أو يخص بالخطاب المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بالقرآن، لكنه عدل بالخطاب إلى بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم: نبي الله حفيد أبي الأنبياء كأنه قال: يا أبناء الرجل الصالح تشبهوا بأبيكم وتخلقوا بأخلاقه، يوجه الخطاب إلى أهل المدينة عبر اليهود ولليهود عبر أهل المدينة، وذلك أن العرب أبناء إسماعيل وبنو إسرائيل أبناء إسحاق، وإسحاق وإسماعيل أخوان. فخطاب أبناء أحدهما خطاب لأبناء أخيه، وخص الله العرب فجعل منهم خاتم رسله، وبلغتهم كتابه الأخير والقبلة التي يتوجهون إليها في أرضهم، ونبيهم الشافع يوم القيامة، الناس كلهم تحت لوائه.

    يقول لبني إسرائيل تذكروا نعم الله عليكم فاشكروها بأداء ما افترض عليكم، وأخص الوفاء بعهد الله، وأمر العرب بمثلها ووعدهم بمجازاتهم وفاء بعهدهم، وذكر مضمون ذلك كله في الآية 12 من سورة المائدة ومضمون هذا العهد أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والإيمان برسل الله الذين يرسلهم إليهم ويناصروهم ويمنعوهم من أن تمتد إليهم يد بسوء؛ فإن وفوا وفى الله لهم ونصرهم، فيجب عليهم بهذا العهد الإيمان بمحمد لينجوا في الآخرة، وأن يخافوا الله وحده ويخضعوا له وحده ثم صرح بما يلزمهم الإيمان به القرآن المصدق لما معهم فقال: (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) .

    يدعوهم إلى الإيمان بما أنزل على محمد فإنه يتمم ما أنزل على من قبله ويصدقه، فقد حدد النبي مكانه من الرسالات كلبنة في بناء عظيم جميل كان الناس يطوفون به ويقولون: ما أجمله لولا هذه اللبنة، فرسالة محمد تممت الرسالات التي تقدمتها وصدقتها، فمن يؤمن بموسى يلزمه الإيمان بمحمد، لذلك حذرهم أن يسارعوا إلى الكفر به، فإن كفر العالم أقبح من كفر الجاهل، خاصة إذا كان كفر العالم دافعه إليه الطمع وحب الدنيا والإقبال على حطامها، كأنه باع آيات الله وما فيها من خير وهدى وحياة الأمة بثمن بخس يتركه آخذه في الدنيا ويمضي ثم حضهم على أن يطيعوا الله ويعظموه في أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) حصر التقوى به وقصرها عليه وحده، وتقوى الله جماع كل خير، فمن يتق الله يجعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وحذرهم أن يخلطوا الحق بالباطل (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الحق والباطل نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان فالحق هو الثابت بدليل عقلي أو حسي، والباطل خلافه، ولا توسط بينهما، والإنسان يعرف في قرارة نفسه الحق من الباطل؛ لذلك نهاهم عن خلط احدهما بالآخر، فيظهروا الباطل ويكتموا الحق لمآرب شخصية ومصالح مادية، لفساد نفس وسوء طوية، فعلوا ذلك وهم يعلمون أن ما كتموه حق، وما أظهروه باطل ألبسوه لباس الحق، وخدعوا به العامة وقصيري النظر الذين ينخدعون بالظواهر، ولا يعملون عقلهم فيما يرون ويسمعون، ثم أمرهم بما ينير بصيرتهم ويصوب مسيرتهم، ويثبت خطواتهم على الطريق فقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) الصلاة تقوي الصلة بالله، وتنمي الإحساس بالمراقبة وتعين على تحمل أعباء الحياة، خمس مرات يعرض فيها نفسه على خالقه، فتصفو نفسه وتسمو روحه وتثبت قدمه على الطريق، فيكون قدوة لغيره بعمله، وإيتاء الزكاة، الزكاة هي النماء والخير والبركة، وإعطاؤها يطهر النفس من الشح، ويطهر المال من الحسد، ويؤمن لطائفة من أفراد المجتمع  دخلاً ثابتاً يكفيهم الحاجة، ولا يرهق الأغنياء، ربع عشر مالك السائل، وعشر أو نصف عشر ما خرج من زروع وثمار، وخروف من أربعين إلى مائة وعشرين خروف أو من خمسة من الإبل إلى تسعة، أعطاك الكثير، وطلب منك القليل تكفي به أخاًَ لك ذل السؤال وتغنيه فيعيش مرفوع الرأس كريما وفي قوله (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)  دعوة إلى إقامة الجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف، وحض على التآلف والتناصح والراكعون قوم أطاعوا الله في السر والعلن، وعملوا ما طلب منهم فشكروا الله بإقامة مجتمع فاضل وحذر بني إسرائيل وعبرهم بني إسماعيل من الكذب والدعوة إليه بالقدوة فقال: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).

    ينكر عليهم أن يخالف فعلهم قولهم أتأمرون الناس بجميع خصال الخير، ولا تعملون بما تدعون إليه وأنتم تقرأون الكتاب، ولعله اختار هذه الكلمة لينبه بها على أن العاملين بخلاف ما يدعون إليه، يعلمون أنه يجب عليهم أن يعملوا بما يدعون إليه؛ لأن المطلوب أن يعمل الداعي بما يدعو إليه، فإنه أدعى لقبول قوله، من هنا جاء تذييل الآية (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أدخل همزة الاستفهام الإنكاري على حرف العطف، وحذف المعطوف عليه، أتفعلون ذلك فلا تعقلون عاقبته وقبحه.

    إن مما يعين الإنسان على الثبات أمران: الصبر والصلاة، فالصبر يثبت القلب ويؤنس الوحشة، والصلاة تغذي الروح وتصفي النفس من الأكدار والأغيار، ولا تسهل الصلاة إلا على الخاشعين لله بقلوبهم وسكون جوارحهم؛ لأنهم آمنوا أن المصير إلى الله والجزاء عنده: نعيم لا ينتهي في جنات عدن.

    بعد هذا البيان أيشك عاقل أن المقصود بالنداء بني إسماعيل عبر بني إسرائيل بالقدوة، قديماً قالوا: السعيد من وعظ بغيره.

    فاللهم نور أبصارنا 

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة