الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بعوضة فما فوقها ! ؟ 
سورة البقرة   الآيات 26 - 40



       عاب معاصروا نزول الوحي القرآن الكريم بأنه ذكر أموراً لا تمس الغرض الذي نزل الوحي لأجله، ذكر الأنعام: الإبل والبقر والغنم والماعز، وذكر النحل والنمل والعنكبوت، وذكر الطير مجملاً وخص الهدهد بقصة عجيبة، والقرآن كتاب هداية، فما الهداية في ذكر الحيوان؛ ولماذا ذكرها؟.

    هذا كلام من يهرف بما لا يعرف رد عليه القرآن بلطف وأدب رفيع؛ لأنه أُنزل ليعلم الناس الأدب فحرى به أن يكون في قمة ما يدعو إليه فقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا)  أصل الاستحياء خجل أول الأمر، ونهايته ترك العمل المستحيى منه. فبدايته لا تجوز على الله؛ لأنها من صفات المخلوق، والخالق لا يشبهه شيء من خلقه، ونهايته تصح على الله، والمعنى: إن الله لا يترك ضرب المثل أي مثل، إرضاءً لمقالة قائل، فإن في ضرب الأمثال توضيح الغامض، وتظهير الخفي، وتجسيد المعاني وترسيخها في فكر السامع، وتحقق الدعوة بما يحمله المثل من معاني كثيرة، في ألفاظ قليلة، فيسهل الفهم ويثبت المعنى في النفس، ولو كان المثل (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)  البعوضة حشرة صغيرة وفي ضرب المثل بها دليل على خالقها بما ركب فيها من أعين وأدوات تعينها على سحب دم ابن آدم وغيره بعد تسييله لتقدر على مصه بخرطومها الرفيع وتخدير لمكان الضحية، وتتبع البعوضة فريستها عن طريق الاستشعار الحراري، البعوضة آية تدل على قدرة خالقها وحكمته وإتقان صنعته، فما فوقها في الكبر أو الصغر، إن في حديث القرآن عن هذه الحيوانات عبراً لو استقصيتها هنا لطال الكلام وملَّ القاريء، ولكن أشير إن شاء الله للحكمة فيما يُذكر في مكانه.

    (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)  لأنه عودهم إقامة الأدلة المقنعة والبراهين القاطعة على ما يقرر من حكم وأحكام؛ ولأن جميع ما في القرآن حق؛ لأن الله خالق الإنسان يعلم خفاياه وخباياه وما يصلحه (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)  ستروا نعم الله وجحدوها فاستخفوا بما يأتي عن الله. وأصل الكفر في اللغة الستر، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها، والكفر إنكار وحدانية الله أو إنكار الشريعة، أو نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، ويقرب من الإنكار الاستخفاف فصح أن يجعله علة لقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً) يأتي الجواب (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)  ضل: مال عن الطريق المستقيم، ويضاده: اهتدى، والضلال عدول عن منهج الله عمداً كان أم سهواً قليلاً كان أم كثيراً، والضلال إما أن يكون في العلوم النظرية، كمعرفة الله وما يجب في حقه، ومعرفة النبوة وإما أن يكون الضلال في العلوم العملية كمعرفة الأحكام من الحلال والحرام.

    إن الله خلق الناس لا يعلمون شيئاً وزودهم بآلات تعينهم على التعلم: السمع والبصر والعقل، فمن يعمل عقله فيما يرى ويسمع يهتدي إلى الحق، ومن يصم أذنيه عن سماع الحق، ويضع غشاوة على عينيه حتى لا يبصره وأهمل عقله وحكَّم هواه، ففقد الاستقامة فضلَّ، عميت عيناه عن الإبصار، وصمت أذناه عن سماعه، واتبع هواه فهوى به وأخرجه من دائرة الطاعة؛ ولأنه خرج أضل الطريق المستقيم، فانقلبت عليهم الأمور: حسبوا الباطل حقاً لأنهم فاسقون، ووصفهم (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون) وصفهم بثلاث صفات: الأولى ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وقد قال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)، أمر المؤمنين أن يفوا بالعهد معتقدين أنهم مسؤولون محاسبون، وأمر بصلة الأرحام وبر الجار، والمؤمن له شخصية واحدة أما المنافق فإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر، وهؤلاء الفاسقون ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والعهد وعد مؤكد، والميثاق عقد مؤكد، ونقض عهد الله التخلي عنه وعدم المبالاة به، وهذه صفة المنافقين الكاشفة لازمة لهم ثابتون عليها؛ لأنه ذكر النقض فعلاً مضارعاً يدل على التجدد، ومثله يقطعون، ويفسدون، إنه خلق الفاسقين، أما الصفة الثانية: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من صلة الأرحام والتعاون والتناصر، والحرص على الجماعة ووحدة الناس في بناء المجتمع الفاضل، وهؤلاء (الْفَاسِقِينَ) يقطعون السبل ويثيرون الخلافات ويؤججون الحقد ويدعون إلى الثارات، فتتفرق الجماعة ويتشتت الشمل ويفشو النـزاع وتذهب الريح.

    أما الصفة الثالثة فـ(يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)  والفساد ضد الصلاح، مظاهره متعددة: إشاعة الشائعات، وتعاطي المنكرات والمحرمات، وإفساد البيئة الطبيعية بالحرائق المتنوعة والمفرقعات، والبيئة الخلقية بهتك حجاب الحياء وتجريح الرموز والشعائر الدينية، والتعرض لمعتقدات المؤمنين بالتسفيه والإهانة، (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) حصرهم بالخسران وقصرهم عليه؛ لأن ضرر أعمالهم أكثر من فوائده خسروا الدنيا بفقد الصديق والمعين، والأمان وراحة البال، وخسروا أعمارهم؛ لأنهم أفنوها في معصية الله، وإيذاء أولياء الله، وخسروا الآخرة لأنهم لم يطلبوها ولا عملوا لها.

    ولما كان المؤدي إلى الصفات الأربعة هو الكفر، وأفظع أنواعه الكفر بالله مع قيام الأدلة العقلية والنقلية على وجوب الإيمان به، ناسب أن يتعجب من حالهم على طريق الاستفهام الإنكاري، وموجب التعجب كفرهم به مع فقرهم وحاجتهم إليه، واستغنائه عنهم، (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)  كيف تكفرون بالله وأنتم فقراء إليه في وجودكم وبقائكم، هو أوجدكم من العدم ورباكم بالنعم، وإلى ذلك أشار بقوله (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً)  أي معدومين والموت يشابه العدم من بعض الوجوه فاستعار للعدم الموت وكنتم أمواتاً فأحياكم، نقلكم من العدم إلى الوجود فكان جزاؤه جحوداً وعصياناً، يقول الله في الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي...). هو نقلكم من العدم إلى الوجود، خلق فيكم الحياة ثم يخلق فيكم الموت فتموتون، فجدير بكم أن تغتنموا الحياة لتعملوا عملاً ينفعكم بعدها، فَتَقْدُموا على الله بأعمال صالحة قائمة على الإيمان، موافقة لما شرع الله ورسوله، ثم يحييكم بعد الموت للحساب والجزاء فإن شكرتم في الأولى أثبتم في الأخرى التي لا محالة آتية.

    (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)  الله خلقكم وخلق لكم جميع ما في الأرض، فهو يدعوكم إلى شكره بالتفكر في مخلوقاته، ومحاولة التعرف على أسرار ما خلق لكم لتفيدوا منه في تحسين ظروف حياتكم وتتمكنوا من عمارة الأرض واستصلاحها لتصلح الآخرة بصلاح الدنيا، فإن صلاح الآخرة رهن بصلاح الأولى، وصلاح الأول يؤدي إلى صلاح الآخر.

    (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)  وبعد أن خلق الأرض وما فيها عمد إلى خلق السماء، فسواهن سبع سموات، سماء فوق سماء، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، وأوحى في كل سماء أمرها، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)  دعوة إلى النظر والتفكر وحض على التخطيط قبل التنفيذ.

اهتم الله بالإنسان فخلق له ما في الأرض جميعاً، وجعله سيداً عليها، وسخرها لتكون في خدمته، وشرفه فذكره في الملأ الأعلى تكريماً له قبل أن يخلقه (
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)  اذكر يا محمد صلوات الله وسلامه عليك وقت ذكر الله الإنسان لملائكته حين أخبرهم أنه خالق في الأرض خلقاً يخلف بعضهم بعضاً في إصلاح الأرض وعمارتها (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)  الظاهر أن الملائكة علموا ذلك من خلال النظر والاستدلال ذلك أنه لم يكن خلق أفسدوا وسفكوا الدماء فقاس الملائكة عليهم، إنما بنى الملائكة حكمهم على مقدمة أنتجت هذا، وملخصها ضرورة عمارة الأرض توجب أن يكون من يعمرها ذا غرائز وشهوات تدفعه للعمل والإنتاج وهذه قد تتصادم – إذا لم تزكو – فينتج عنها فساد وسفك دماء (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)  الظاهر أن الملائكة يرشحون أنفسهم ليكونوا هم الخليفة كأنهم قالوا: تجعل خليفة غيرنا ونحن هنا مطيعون لك، عاكفون على عبادتك وتمجيدك، كأنَّ الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم، يمثلون أنانية البشر التي أراد الله أن يطهر بني آدم منها، لعل الله أراد أن يربي الناس على التسليم لله فيما يصادفهم في حياتهم، ويكون على يقين أن الله لا يختار له إلا ما فيه صلاحه، وإلا فالملائكة لا تطلع لهم إلى حظ النفس، ويؤيده (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) خبر مؤكد بـ إن والفعل المضارع في الأول مثبت وفي الثاني منفي بـ لا النافية.

    أثبت لنفسه العلم الشامل المحيط، لا يغيب عنه شيء، وبيّن أن علم الإنسان أو الملك قاصر مهما تقدم في المعرفة، وإذا كان الله يعلم ما لا تعلم الملائكة، فحقيق أن يعلم ما لا يعلمه البشر مهما تقدموا وتعلموا فبتعليمه لهم.

    (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ● قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ● قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)  نعمة ثالثة أنعم الله بها عليكم بني آدم: تعليم أبيكم أسماء المسميات، وتعليم أبيكم ما لا تعلمه الملائكة، ثم عرض المسميات على الملائكة وأمرهم أن يخبروه بأسماء هؤلاء؛ إن كنتم صادقين فيما ادعيتم من صلاح لعمل بني آدم في الأرض، عاد الملائكة إلى حجمهم في القصة، ويطلب من بني آدم بطريق الاقتداء الإقلاع عن كل خُلُقٍ لا يليق بالمؤمن (قَالُوا سُبْحَانَكَ)  تنـزيه لك نحن لا ندعي العلم، فلا علم لنا إلا ما علمتنا، فعلمنا بالاكتساب وعلمك لذاتك (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)  أكد علمه بمؤكدان ضمير الفصل (أنت) والضمير المتصل وصيغة المبالغة، وبعودة الملائكة عاد القاريء والسامع إلى حجمه بالقدوة.

    نعمة رابعة: جعل أبيكم معلماً يعلم الملائكة أسماء المسميات، وتأكيد على ما أقرت به الملائكة من أن الله يعلم غيب السموات والأرض ويعلم ما أبدى الملائكة وما أخفاه، وفي ضمنها دعوة بالقدوة لبني آدم إلى التأدب مع الله فلا يضمرون إلا خيراً ولا يظهرون إلا خيرا. فيكون ظاهرهم كباطنهم، شخصيتهم سوية.

    (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) وأشار إلى النعمة الرابعة في الترتيب هنا، هي الثانية في الواقع ذلك أن أمر الملائكة بالسجود لآدم كان عقيب خلقه كما جاء صريحاً في الآيات: 28-30/ من سورة الحجر، وإنما أخره؛ لأنه يعدد ما أنعم الله به على آدم وبنيه، وذكرها بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم لما ظهر فيه من قدرة الله.
   
    أما إبليس فـ (إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)  بهذه الكلمات الثلاث اختصر القصة التي فصلها في سورة الأعراف، أبى السجود وامتنع عن الإذعان لأمر الله، وطلب لنفسه ما ليس لها والنتيجة ثبت كفره، أما حديثه فسيأتي مفصلاً – إن شاء الله – في الأعراف، وكذلك يأتي الحديث عن قصته مع آدم وزوجه، وإخراج الله لآدم وزوجه وإبليس، وسيأتي هناك بيان الفرق بين خطأ آدم وخطأ إبليس.

    أيليق بابن آدم – بعد هذا التكريم – أن يكفر بالله ويجحد نعمه، ويعصيه ويتمرد على أوامره!؟.

    فاللهم وفقنا لشكرك وذكرك.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة