الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هلم إلى مائدة القرآن الكريم  
سورة البقرة   الآيات 21 - 25



    إن القرآن الكريم نزل على قلب النبي، صلى الله عليه وسلم، لهداية الناس كل الناس؛ لذلك وجه الخطاب إلى العامة يدعوهم إلى عبادة الله الذي أوجد الناس على غير مثال سابق فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) المخصوص بالنداء الناس، (ال) فيه للاستغراق فالنداء لجميع الناس، والمطلوب فهم العبادة، وهي أقصَى غايات الخضوع والتذلل مع الحب والتعظيم، ولا يستحق ذلك إلا من له غاية الإفضال، والإنسان عبد لله بالإيجاد (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) وعبَّد بالعبادة والخدمة، ومن شرطها الإخلاص لله، وهي خير ما يوصف به المخلوق وموجب العبادة أنه رباهم بالنعم التي توالت عليهم ولا يزالون بحاجة إليه (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)  هذه جملة اعتراضية تبين العلة لأمرهم بالعبادة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  لعل في جانب الله حرف تعليل، والمعنى: خلقكم وخلق الذين من قبلكم وأمركم بالعبادة كي تتقوه، أو تكون (لعل) على بابها، ويكون الترجي من المخلوقين اعبدوا خالقكم وأنتم ترجون أن تكونوا قد أديتم ما يجب عليكم لله المنعم فترجون النجاة من عذابه.

    ثم شرع بذكر بعض النعم التي خص الله بها الإنسان ما يوجب عليه أن يخلص له فقال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً)  قال مرة مهداً وقال ثانية مهاداً، فالمهد والمهاد فراش الطفل، ويؤذي الطفل أقل شيء؛ لذلك عبر عن صلاح الأرض لحياة الناس، من تحديد موقعها من الشمس لتكون مريحة: حرارتها وبرودتها، الليل والنهار، فصولها متغيرة لمصلحة الإنسان عبَّر عنها هنا فراشاً. فالله يمتن على الإنسان بهذه النعمة العظيمة التي يغفل عنها كثير من الناس، فناسب أن يذكرهم وينبههم، أما الثانية فالمطر (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)  بعد قوله (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)  من لوازم أن تكون السماء سقفاً محفوظاً للفراش؛ لأن البناء والسقف يؤمن الاستقرار في الفراش، وأنزل من السماء ماءً فيه حياة الخلق، منه خُلِقوا، ولا يستطيعون العيش بدونه، وأهم أثر للماء على حياة الناس به قوامهم، (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) حباً وعنباً وقضباً من الخيار والقثاء، والحب يدخل فيه التمر والقمح والشعير والفول والفاصوليا، وفي العنب دخل الزبيب والزيتون والنخل والفواكه المختلفة، حتى الأنعام والحيوانات التي تعين الإنسان بالحمل عليها والانتفاع ببعض ما يباع أكله من لحمها وشرب ألبانها لم يتركها دون طعام خاص بها مع ما تشارك به عموم البشر، اختصر ذلك كله بـ (رِزْقاً لَكُمْ) والرزق ما ينتفع به الإنسان، من الطعام والشراب والعلم والعمل.

    لذلك بنى على ما تقدم بالفاء الفصيحة التي تفصح عن شرط مقدر (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)  مهما يكون من أمر فلا...، إن كنتم فقراء أو أغنياء فلا...، والأنداد جمع ند، وند الشيء ونديده: مشاركه في جوهره، وذلك ضرب أو نوع من المماثلة، إلا أن المثل يقال في أي مشاركة، فكل ند مثل، وليس كل مثل نداً، نهى الله المنعم عليهم أن يصيِّروا المخلوق نداً لله: واجب الوجود لذاته، الذي أوجد من العدم، وربى بالنعم، وأحسن كل شيء خلقه، وحول المادة إلى حي، وجملة (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) لا يصح عقلاً ولا شرعاً أن تكون نداً لله؛ لأن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)  و (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)  لا من يساميه ولا من يساويه: هو الغني المغني وغيره فقير محتاج إليه.

    (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ما من نبي بعثه الله إلا وأيده بمعجزة تدل على صدقه، وانتهت معجزات السابقين بموت نبيها، ولما كان محمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وشرعه باق إلى أن تقوم الساعة، فقد اقتضت الحكمة أن تكون معجزته عقلية باقية بعده تدل على صدقه، فتحداهم أن يعارضوه، وهم قادرون على ذلك من حيث المهارة اللغوية، لو أن القرآن من كلام بشر فقال (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)  أي إن كنتم تشكون في صدق محمد فعارضوه فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين؛ أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، ألف القرآن من نفسه ونسبه إلى الله ترويجاً له بنسبته إليه وأثبتوا صدقكم بشهادة عدول يشهدون أن هذا الكلام من تأليفكم وأن هذا الكلام على مرتبة عالية من الوضوح والبيان، وأنه من جنس ما أنزل الله، وهذا دونه خرق القتاة والقتاة: نبتة يصعب خرقها دون أن يصاب بشوكها، (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)  وهذا يفسر الشرط المنفي بـ لم، وهذا يدل على أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن، وأكد ذلك بمنطوق ولن تفعلوا جملة اعتراضية بين الشرط والجواب، ثم حذف الجواب وذكر ما يرشد إليه فاتقوا النار، ولا ينجيهم من عذاب هذه النار إلا الإيمان بالله ومحمد رسول الله، والقرآن: كتاب الله المنـزل، فينتقلوا من العجز عن معارضة القرآن إلى الإيمان، إيماناً نابعاً عن اقتناع قائم على الحس؛ لذلك جعل وقود النار الناس والحجارة من المحسوسـات والوعيد: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). وأل في (الكافرين) اسم موصول، صلته علة الحكم والمعنى: أعد الله النار لهم لأنهم كافرون، مع اعترافهم بصدق المبلغ وعجزهم عن الإتيان بسورة من جنس القرآن في قوة البيان ووضوح الحجة، ومخالفة المعهود من أساليب العرب، وهذا وعيد في وقته عسى أن يردهم عن باطلهم إلى الحق الذي جاء به من عند الله محمد، صلى الله عليه وسلم.

    ومن عادة القرآن أن يتبع الوعيد بالوعد، جمعاً منه بين الترهيب والترغيب فقال: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) البشارة خبر يتأثر به السامع فيظهر أثره في بشرته، الإيمان لغة التصديق وشرعاً قول باللسان يصاحبه اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح: من صلاة وصوم وزكاة وحج، ولا بد للإيمان من دليل يدل عليه (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)  والصالحات صفة لموصوف محذوف قامت مقامه ودلت عليه؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها بل بغيرها والأعمال الصالحات تنفع العامل نفسه أو تنفع غيره أو تدفع عن الإنسان نفسه أو تدفع عن غيره، ومضمون البشارة التي أشار إليها (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)  وعد الله العاملين الصالحين أن لهم جنات أي بساتين مليئة بالأشجار المختلفة تحجب الشمس أن تصل إلى الأرض لشدة كثافة أشجارها، وغزارة مائها، ذكر أربعة جنان في سورة الرحمن، ووصفها وصفاً وافياً في سورة الرحمن، وها هنا قال: تجري من تحتها الأنهار، ونحن نعلم بالمشاهدة أن كثرة الماء تفسد الأشجار، لكن هذه لا يفسدها، بل يزيدها الماء نضارة، ثمارها لا تشبه ثمار الدنيا إلا في الشكل، أما سائر الأوصاف فلا يشبهها شيء، كلما رزقوا من ثمرة رزقاً قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل أهي نفس ما أوتوه من قبل في الدنيا، أو في الجنّة، وأتوا به متشابهاً، تمتاز ثمار الجنة بصفات لا توجد في غيرها، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وزاد على ما تقدم أن لهم فيها أزواجاً مطهرة من جميع ما تكون منه الطهارة، ولتكامل النعيم بيّن لهم أن الجنّة دار إقامة دائمة لا نهاية لها أشار إلى ذلك قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .

    وبعد فهذه دعوة إلى الناس على اختلاف ألوانهم للإيمان بالله إيماناً مقروناً بالعمل الصالح، وأقام لهم الأدلة العقلية الحسية، التي تلزمهم بإجابة الدعوة قبل مفارقة الدنيا، وتحقق الوعيد في حقهم، يعلِّم الخلق كيف يتحاورون، في وقت تمس فيه الحاجة إلى محاورة الآخر بغرض الوصول إلى الحقيقة من أقرب طريق.

    فاللهم نوِّر أَبصارنا وبصائرنا بنور القرآن الكريم والسنّة.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة