الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الإعجاز في الحروف والمعاني  



    طلب المؤمنون هداية مصحوبة بالتوفيق والقبول، فأين توجد هذه الهداية، وما هي أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في المهتدين. جاءت الآيات السبع من سورة البقرة، فيها الإجابة عن هذا التساؤل وتلك الإجابة.

    استفتح البيان بالحروف المقطعة (الم) فما معناها، وما الحكمة من الاستفتاح بها؟ وهي هنا ثلاثة أحرف؟.

    كان أهل مكة إذا سمعوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن خافوا على أنفسهم وإخوانهم أن يتأثروا بما فيه من قوة وصدق، أوحى بعضهم بعضاً أن يرفعوا أصواتهم بالتشويش عليه عند سماعه (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فشد انتباههم إليه بهذه الحروف، فإن العرب كانت تُنَبِّه سامعيها بأَلا، وأَما، فجاء القرآن بهذه الطريقة الفريدة المبتكرة التي طورت ما كان قبلها واعتمدت التنبيه بحرف من حروف الهجاء يطرق السمع فيثير الانتباه فينصتون له فقال: (ن)، (ق)، (ص)؛ فلما لم يعد يثير انتباههم الحرف الواحد نقل إلى الحرفين: (طه)، (طس)، (يس)، (حم) في بضع سور؛ ثم زادها إلى ثلاثة حروف: (الم)، (طسم)، (الر)؛ ثم زادها إلى أربعة: (المص)، (المر)؛ ثم خمسة: (مريم) و(الشورى)، فعد (كهيعص) آية،(حم) (عسق) آيتين؛ أما الأربعة فعد (المص) آية، ولم يعتبر (المر) آية، أما الثلاثة فاعتبر (الم) آية في البقرة وآل عمران، العنكبوت والروم لقمان والسجدة، (طسم)  القصص، ولم يعتبر الأحرف الثلاثة (الر) آية في: يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر وعد (طه)، (يس) و(حم) آية، ولم يعتبر (طس) آية.
     تأملت هذه الحقيقة وأنا أفكر، ما معنى هذا؟ ألها معنى يمكن الوصول إليه، أم هي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، كيف ينـزل الله في كتابه شيئاً لا يعلم تأويله     إلا الله، ويأمر الناس بتدبر القرآن، ولا يكون تدبر إلا بعد فهم وتفكر، قالوا أنزلها الله كسائر ما في القرآن من المتشابه، ليظهر فضل المؤمنين بإيمانهم وهم لا يعلمون تفسيره لمجرد وجوده في القرآن، بناءًا على أن الإيمان مبناه على التسليم والاستسلام.

    قالوا: أسماء السور، لكن كيف يصح هذا وألف لام ميم استفتح بها سور البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، قالوا: الم   البقرة، الم السجدة كما تقول: أحمد عبد الله، وأحمد سعيد؛ وهكذا.

    قالوا: منها أو من بعضها يتكون أسماء الله، ألف لام را، وحم ونون، الرحمن، وقال غيرهم: الألف من اسم الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، وهذه دعوة تحتاج إلى دليل، وذلك أمر عسير.

    لعل أولى الأقوال بالقبول: أن يقال: إن هذا النوع من الاستفتاح بالحروف المقطعة أ.لم لتحدي العرب وتعجيزهم، لينتقلوا من العجز إلى الإيمان؛ كأنه يقول لهم: إن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف، فإن كان ما تدعونه حقاً فعارضوه، ائتوا بقرآن مثله، أو بعشر سور، أو سورة واحدة، فأنتم قادرون من حيث الصناعة والقدرة على تأليف الكلام بعضه إلى بعض، ولولا ذلك لما صح عقلاً أن يتحداهم بمعارضته كله أو بعضه، لكن القرآن ليس من تأليف بشر، فأنتم أعجز من أن تعارضوه، والدليل الحسي على هذا القول أنه كلما ذكر الحروف ذكر القرآن أو ما يدل عليه، أما مباشرة أو بعد آية أو آيتين غير سورة واحدة أخر أربعة وأربعين ليقول: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) ونراه في بعض السور تحدى العرب أن يأتوا بعشر سور مفتريات في سورة هود، وأن يأتوا بسورة واحدة في سورتي: يونس والبقرة، بعد أن تحداهم أن يأتوا بقرآن مثله في سورة الطور، وقرر في سورة الإسراء أن الجن والإنس لو اجتمعوا على معارضة القرآن ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولو استطاعوا ما تآمروا على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا منعوه من الدعوة، ولا حاربوه في بدر وأُحد والخندق، ولما منعوه من دخول مكة زائراً سنة ست، كل ذلك دليل على عجزهم وقوته، وكذبهم وصدقه الذي يشهد به الواقع؛ قوله (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) الإشارة إما إلى الحروف    أو إلى المقروء المفهوم من السياق، والمؤدى واحد، فالحروف بعض القرآن، وبعض القرآن قرآن، واسم الإشارة للبعيد إشادة به، والكتاب هو المكتوب واجب الإتباع؛ فإن ما يكتب يجب إتباعه، وفي القرآن (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) في نظائر، والمكتوب مجموع في الصدور حفظاً، وفي السطور في المصاحف، وإن لم يكن وقت نزوله في مصحف فإن قائل (ذَلِكَ الْكِتَابُ)  لا يعزب عن علمه شيء مهما كان، ففي الآية إخبار بمغيب يوشك أن يظهر، وقوله (لا رَيْبَ فِيهِ) نزه كتابه عن أن يكون فيه أي شكل من مظاهر الشك مستخدماً لا النافية للجنس، والوقف المتعانق يوجب على القاريء المتدبر أن يقدر (فِيهِ) إذا وقف على الأول، وإذا وقف على (فِيهِ)، فإذا استأنف نوى فيه قبل هدى ونفي الشك عن ما في القرآن لإثبات نقيضه، أولا بدلالة الالتزام أو بالمفهوم، وثانياً: بصريح (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)  والهدى من الهداية، وهي البيان بلطف، فيه تألَّف للمُبَيَّن لهم، وخص من المُبَيَّن لهم المتقين إشادة بهم؛ لأنهم انتفعوا بما دلهم عليه وعملوا به، وجعل القرآن هدى بدل هادٍ لتضمنه جميع أنواع الهداية؛ لأن الله ركب في خلقه آلات تمكنهم من التعرف على ما يحتاجون إلى معرفته: من سمع وبصر وشم وذوق ولمس، ثم أرسل الرسل وأنزل الكتب، فبين للناس ما يجب عليهم الالتزام به، لتصلح حياتهم، والله يوفق من يشاء إلى طلب الهداية منه، ويجيبه إلى طلبه، ويدخلهم الجنّة، وخبر ذلك كله موجود في القرآن، فيه عبرة لمن يعقل، و (الْمُتَّقِينَ)  جمع متقٍ اتقى عذاب الله بطاعة أمره، وترك ما نهى الله عنه، فجعل الطاعة سداً يحميه من عذاب النار، وغضب الجبار، فيكون التوفيق حليفه ما دام متقياً، وخص من المتقين (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)  والغيب كل ما لا يدرك بالحاسة؛ فالإيمان والتقوى غيب، وسهل الله على البشر الإيمان بالغيب فأوجد فيهم من عالم الغيب الروح، والعقل والعلم والرزق، والغيب غيبان: ماضٍ وما فيه من أخبار السابقين وأحوالهم، وأخبار الرسل الذين أرسلوا إليهم، والكتب التي أنزلت عليهم، وما فيه من دليل على صدق المبلغ عن الله: النبي الأمي، فيجب الإيمان بما جاء في القرآن منه، وآتٍ صدق بعضه الواقع التاريخي بما أخبر به؛ فجاء كما قال، وغيب أقام الأدلة على أنه حق فيكون لازم الحصول، فيجب الإيمان به إيماناً جازماً، ويدخل جميع ذلك في (الْغَيْبِ) ولا بد له من دليل يدل عليه وسلوك يرشد إليه فقال: (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) لم يقل ويصلون؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه تنقل الإيمان من حاشية الشعور إلى مركزه فتربي مقيمها على مراقبة الله فيما يأتي ويذر، وإقامتها: أداؤها تامة الأركان والشروط، بنفس طيبة مقبلة على الله بكليتها، صادقة مخلصة، ولا بد لمقيم الصلاة من عبادة متممة، تجعله يشعر أنه فرد في مجتمع لا يقوم إلا على التعاون، فالزكاة عبادة متعدية تؤمِّن للفقراء ما يغنيهم عن السؤال، ويجعلهم أعضاء منتجين، أيديهم ممتدة بالخير، ومِن في (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)  بيانية أي ينفقون من الرزق الذي رزقناهم والرزق كل ما حصل به الانتفاع مالاً كان أو غيره، فالعلم رزق والطعام الذي يُنتفع به رزق، والثوب والعبادة كذلك ثم أكّد على بعض ما دخل في الغيب المذكور أولاً فقال: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)  أي القرآن: أنه منـزل على قلب النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- لفظه ومعناه من عند الله، نزل به الروح الأمين منجماً في بضع وعشرين سنة، (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)  على الرسل الذين سبقوا محمداً –صلى الله عليه وسلم-: من ذكرهم القرآن تفصيلاً، نؤمن بهم تفصيلاً وهم خمسة وعشرون، ذكر ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام، وباقيهم مفرق في القرآن، (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)  والآخرة هي اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين فيحاسبهم على أعمالهم يثيب المطيعين، ويعاقب المذنبين، والمراد بالآخرة: يوم الدين المذكور في (الفاتحة) وما بعده إلى أن يدخل الأبرار دار الكرامة، والعصاة دار العذاب، جزاءًا وفاقاً، وقال: بالآخرة ليدل على الاهتمام بها، وقال: يوقنون، واليقين إيمان وزيادة فهمهم الآخرة يراقبون الله في الدنيا فتصلح، وتصلح الآخرة بصلاح الدنيا، التقوى متمكنة فيهم، والهدى مقصدهم وطلبهم؛ لذلك نراه يشيد بعلو مكانتهم ورفعة قدرهم (أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أي على هـدى عظيم دل على ذلك التنكيـر والوصـف (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وأي فوز أعظم من هذا: سعادة الدارين: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)  ما استحقوا ذلك إلا لأنهم أبصروا الحق بأعين منفتحة حادة النظر، وسمعوا داعيه بآذان تتدبر ما تسمع بقلب واعٍ يعرف ما يريد، ويسعى لتحقيقه بجد واجتهاد لا ما يمنعه من الإقبال عليه: لا مال ولا جاه ولا منصب يسعى بها الصدق والإخلاص، تدعو إلى ما آمنت به.

    وعلى الطرف المقابل طائفة جحدت الحق وسترت نعم الله عليها، فلم تستخدمها فيما ينفعها أو ينفع غيرها، أو يدفع عنها أو عن غيرها، ركبت الهوى فتحكم في تصرفاتها، همها نفسها، أعمتها المصالح وحب الجاه عن إبصار الحق، وأصم آذانها الطمع في حطام الدنيا، إليها أشار بقوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)  ستروا نعم الله عليهم، (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)  لا تنفع معهم دعوة ولا تركها؛ لأن المصالح والأنانية أعمت البصر، وأصمت السمع، وجعلت القلب غير قادر على تعقل ما يحيط به (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)  في هذه الآية إشارة إلى الموانع التي تحول بين الإنسان والإيمان، وأضاف هذه إلى الله؛ لأن الإنسان وعمله مخلوق لله، ويخلق فيه ما يريد للحرية التي هي شرط التكليف، (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)  قالوا حبك الشيء يعمي ويصم، وهؤلاء تحكمت فيهم الشهوة؛ لذلك استحقوا الوعيد (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

    فاللهم سلمنا وسددنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة