الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أللكلمة دورٌ !؟  


 
    يروى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قام ذات يوم على الصفا ونادى بطون قومه قبيلة قبيلة وعائلة عائلة، حتى اجتمع إليه معظمهم، ومن لم يستطع أرسل من ينوب عنه: يأتيه بخبر الدعوة، فلما اجتمعوا له، قال: أرأيتم لو قلت لكم: إنّ خَلْفَ هذا الجبل خيلاً تريد أن تغير عليكم، أوَ كنتم مصدّقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، فقال بعد أن أثبتوا له الصدق، وأقروا بذلك على أنفسهم: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا! ما أعجب هذا التناقض، يعترفون أنه الصادق الأمين وذلك يلزمهم تصديقه في كل ما يقول، وأعجب منه أن يتصدى له أقرب الناس إليه وأعلمهم به، بهذا الجفاء الذي يدل على حقد دفين، وكراهية متأصلة من لدن أن كان محمد طفلاً يجلس على فراش جده، والرجل الكبير يمنع الاقتراب من فراش أبيه، كراهية نمت مع توالي الأيام وهو يرى أن أخاه أبا طالب يقف إلى جانب محمد يرعاه ويأخذ بيده، أبو لهب تفرّد في حرب النبي ونصرة أعدائه عليه، وكان الأولى به أن يقف إلى جانبه رعاية لحق القرابة.

    إن الإسلام دين العدل المطلق: يعاقب المعتدي عقاباً فيه رحمة، فهو دعا على النبي، فرد دعاءه عليه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أي خاب وخسر؛ لأنه دعا على النبي بالهلاك، بدل أن يصلي عليه، ورد كلامه دون أن يتدبره ويفكر فيه، النبي يدعوه إلى ما فيه نجاته فعاقبه عقاباً يتناسب والإثم الذي اقترف؛ وأضاف الهلاك إلى اليدين أولاً؛ لأنهما آلة اكتساب الشر والخير (وَتَبَّ) أي خاب وخسر، وأي خسران أعظم من جعل نفسه خصماً لرسول الله يعارضه ويعانده، لن يغني عنه ماله وما تمتع به من جاه وسلطان في دفع عذاب الله عنه؛ لأن الله أوعده، وما قضى الله آت، فالنار مثواه؛ لأنه عادى الحق ووقف في وجه المؤمنين يحاربهم ويصدّهم عن الحق، ويدعوهم إلى الضلال، كم ظلم من خلق الله فمنعهم من أبسط حقوقهم: أن يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء مائلين عن المنكر إلى المعروف، عن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك السلام.

    (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) كانت تؤجج نار الحقد على المؤمنين، وتستعدي المشركين على المؤمنين، ومع هذا فمن حق المدعوين أن يعرفوا حقيقة ما يدعو إليه محمد، ما أسس هذه الدعوة الجديدة؟.

    أنزل الله سورة الفاتحة: منشور الدعوة، تبين أسس الإسلام ودعائمه التي يرتكز عليها، وسورة الفاتحة نزلت مرتين لأهميتها وفضلها، الأولى بعد المدثر؛ لأن وقوف النبي على الصفا كان بعد نزول الآيات السبع الأول من سورة المدثر، والآية 214 من سورة الشعراء، ونزلت بالمدينة ثانية بعد الهجرة لتؤكد على أهميتها ومكانتها.

    بدأ البيان بالبسملة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم أنسب ما تقرؤه في هذه السورة المباركة إلى الله: واجب الوجود لذاته، المتصف بكل كمال المنـزَّه عن كل نقص الرحمن: عم ّخلقه: برّهم وفاجرهم، مطيعهم والعاصي، برحمته الابتلائية ليجزيهم على شكرها يوم القيامة (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ● تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً)، وهذه الآية إحدى آيات سورة الفاتحة في قراءة ابن كثير: أحد قراّء القرآن السبعة الذين تواترت قراءتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إمام أهل مكة في ذلك، وبقراءة عبد الله ابن كثير قرأ الإمام الشافعي فعد البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الحمد هو المدح باللسان على الجميل الاختياري، نعمة كان أم غيرها، وأل فيه للاستغراق فكل الحمد مستحق لله؛ لأنه أوجد الخلق من العدم ورباّهم بالنعم، والعالمون: جمع عالِم وهي المخلوقات، وجمعها جمع سلامة تشريفاً لما فيها من العقلاء من الملائكة والجن والإنس؛ ولأن الله شرّف العرب خاصة والناس عامة بإنزال القرآن على مصطفاه منهم، فجعل الرسالة الخاتمة والقرآن فيهم؛ لأنه عمّ برحمته الابتلائية خلقه جميعاً على اختلاف أشكالهم وألوانهم وأجناسهم ليثيب المطيعين حياة طيبة في الدنيا، ونعيماً مقيماً في الآخرة، ولهذا جمع بين الاسمين في (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فالأول للنعمة العامة التي شمل بها جميع الخلق في الدنيا، والثاني لجزاء العاملين على عملهم في الآخرة، ولا يظهر فضلهم إلا يوم الحساب والجزاء، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم من الأمراض المهلكة، يوم يقوم الناس لرب العالمين (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)  الله في ذلك اليوم الملك والمالك، المتصرّف الوحيد في ذلك اليوم وفي هذا اليوم فيجب إفراده بالقصد والطلب، يجب الاعتماد عليه والالتجاء إليه في الدنيا، للفوز في الآخرة، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)   نعبدك ولا نعبد غيرك، ونطلب العون منك على الطاعة ولا نطلبه من غيرك؛ لأنك المعطي المانع وحدك، ونحن الضعفاء الفقراء إليك، لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، والعبادة هي أقصى غايات الخضوع والتذلل مع الحب والتعظيم، وقال نعبد شعوراً من الداعي أنه فرد في مجتمع مؤمن يؤلمه ما يؤلمهم، ويسعده ما يسعدهم، يحرص عليهم حرصه على نفسه. (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)  دلنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه؛ لأنه الأقصر بين نقطتين، وكنى به عن دين الإسلام، لاستقامة منهجه، ووضوح حججه، وبُعْده عن التطرف والتفريط، يقيم الحياة على أساس الإيمان بالله، والولاء له وحده، ونشر الفضيلة والخير في المجتمع، يتألف الناس، ويؤلف بينهم، يصوب المسار ويسدده (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)  من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين عرفوا الله وأخلصوا له، حكموه ورضوا بحكمه، وهذه كناية ثانية تؤكد رغبة المجتمع الإيماني في طلب البيان بصدق والتوفيق لقبول الهدى والالتزام به، والثبات عليه؛ لأنه تابع (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)  والمغضوب عليهم قوم بيّن الله لهم الحق فلم يتبينوا وعملوا بخلافه، والضالون اختلط عليهم الأمر فلم يميزوا الحق. كأني بالداعي يخلص الالتجاء إلى الله ليعرفه الحق ويوفقه لقبوله فيطيعه عن علم، ولا يضل فيخزى... فاستجب الاهي دعاءنا (معشر المؤمنين).

    هذه السورة على قصرها حددت أصول الدين الأساسية من الإيمان بالله واليوم الآخر والرسالات فهي تلخص القرآن لذلك رسمت أوله لتكون فاتحة له، هي الكافية والشافية، تغني ولا يغني عنها، خير دعاء يشفي القلوب، ويجمع الكلمة، الكلمة التي إن صلحت أصلحت، وإن خبثت أثارت النعرات وفرقت الجماعات، وكانت أمضى من السيف، وأشد فتكاً بالمجتمع من السم، جرحها لا يبرأ وشرها يتجدد.

    فاللهم تداركنا برحمتك وجنبنا الزلل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة