الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين التشريف والتكليف 
سورة الإسراء   الآيات 70 - 75


   أكرم الله الإنسان فحماه من كيد الشيطان، وتولّى حفظه والاعتناء به، فيسر له سبل الحياة الكريمة، ومكّنه من تأمين حاجاته المادية والمعنوية عن طريق السفر في البر على الجمال؛ إذ كانت تستطيع السير في الصحراء مسافات دونما حاجة إلى ماء أو طعام، فالجمل يأكل ويشرب مرة واحدة تكفيه مدة شهر لا يجد فيه طعاماً ولا شراباً، وإذا نفد ما أكل حول ما في سنامه من شحم إلى طعام يؤمن له الطاقة التي يحتاج إليها، والجمل يبصر في الليل كما يبصر في النهار، فلا يحتاج إلى أضواء شديدة تكشف له الطريق؛ لكن السفر قد يكون عبر البحار والأنهار، والجمل لا يستطيع السباحة لكبر حجمه وثقل وزنه، والخيل وإن قدر على السباحة فلمسافة قصيرة لا تفي بالحاجة، فعلَّم الله الإنسان صناعة السفن، ونبّهه إلى أن في الماء قدرة على حمل البواخر الكبيرة، فأفاد من ذلك في صناعة سفن كبيرة تنقل الأشخاص والأمتعة إلى البلاد البعيدة، كانت السفن تعتمد في حركتها على الرياح تحرك أشرعة السفن فتتحرك بحركتها البواخر، وطبيعي أن يتغير اتجاه الريح فيغيِّر الربان في أشرعة السفينة ويوجهها إلى حيث تحرك السفينة في الاتجاه المطلوب، وهذا يدل على رحمة الله بخلقه، لكن البحر عالَم غامض، لا يبقى على حالة واحدة، خاصة في فصل الشتاء حين تشتد العواصف وينـزل المطر بغزارة وربما دخل الماء في السفن فيزداد احتمال تعرضها للخطر؛ وهنا تشتد حاجة المسافرين في البحر إلى الله فيخلصون له الدعاء، فإذا كشف الضر عنهم وأَنجاهم من الغرق عادوا إلى باطلهم، وأعرضوا عن الحق الذي جاء به الرسل، وهنا يوجه الخطاب إلى الغافلين يوقظهم من غفلتهم، فيبين لهم أنهم في قبضة الله يتصرف بهم كيف يشاء، أكانوا في البحر وقد عز المغيث إلاّ الله، أم كانوا في البر فيخسف بهم جانبه كما خسف بقارون، أو يرسل عليكم حاصباً كما أرسل على أصحاب الفيل، فلا من ينقذكم من عذابه، أو يعيدكم في البحر ويسلط عليكم العواصف والأمطار فيغرقكم، ولا من ينقذ.

    مسكين أيها الإنسان ما أشد جهلك، تقبل على عدوك المتربص الذي يبغي بك الشر من لدن أن نقلك الله من التراب الذي يداس بالأرجل إلى مخلوق من لحم ودم، من حين أبى أن يسجد لك مع جماعة الذين سجدوا لله معترفين بفضله، خاضعين له.

    تقبل على الشيطان تطيع أمره، وتعرض عن مولاك الذي رباك بالنعم، الغني عنك وأنت في وجودك وبقائك مفتقر إليه، وتتوالى نعمه عليك،... فتزداد بعداً وإعراضاً عنه، لقد كرّمك الله، فخلقك في أجمل صورة، جعلك تمشي على قدمين، مستوي القامة، رأسك مرفوع، تأكل الطعام وتشرب لتحيا أولاً، وتتلذذ بالطعام والشراب، وخلق لك من جنسك من تؤنس وحشتك، وتعينك على أعباء الحياة، تسكن إليك وتسكن إليها، يكمل أحدكما الآخر، وينشأ بينكما مودة ورحمة، وعن هذه العلاقة نشأ البنون والحفدة يحملون اسم آبائهم ويخلفونه في عمارة الأرض، وإقامة العدل بين الناس.

    كرّم الإنسان بالعقل به يعرف الحق من الباطل، والخير من الشر، والهدى من الضلال، وما ينفعه مما يضره، به يقدر الإنسان على التعلم والتعليم، به عرف الله وما يجب له تعالى – وما يجوز وما يستحيل. به عرف صدق الرسل وما يجب في حقهم، وما يجوز وما يستحيل من الصفات.

    بالعقل فهم الإنسان القرآن والسنّة، وأصّل الأصول واستنبط الفروع، به تعلم الخط ودوَّن العلوم. وحمل الله الإنسان في البر والبحر والجو تابع لما فوقه، ورزقهم من الطيبات، وهي المستلذ الذي تميل إليه الأنفس السليمة، التي لم تتلوث فطرتها، وفضّل الله بني آدم على كثير ممن خلق تفضيلا بلا قيد، والإنسان أفضل مخلوقات الدنيا، أعني غير الملائكة، أما تفضيل الملائكة على بني آدم أو العكس ففي تفضيل بعضهم على بعض خلاف ليس هنا محل بسطه.

    وبعد هذا التشريف تكليف الإنسان بعمارة الأرض وإقامة العدل، ونصرة الحق ومنع الظلم، هذا كله واجب على المشرف، وإنما يظهر ثواب العامل، وعقاب الجاحد يوم القيامة، يوم ينادى على كل جماعة بما يأتمّون به، إن كان كتاباً أو نبياً أو مقلّداً أياً كان، هناك يظهر فضل الصالحين، وزيف المخادعين، فمن أعطي كتاب أعماله بيمينه، فهو ممن يقرؤون كتابهم، فيفرح بما حصد من خير زرعه في الدنيا لم يظلم منه شيئاً، ولو كان مثقال ذرة من خير أو أقل.

    أما الذي أعمى عينيه عن رؤية الحق في هذه الحياة وأصم سمعه عن داعي الخير، فعاش لنفسه يعب من شهوات الدنيا، لا يفرق بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، يروع الآمنين ويخيف المطمئنين، ينشر الفساد في الأرض فيهلك الحرث والنسل، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً جزاءاً وفاقاً لأنهم كانوا ظالمين.

    إن أوجب واجبات الإنسان أن يعرف ما يريد، وأن يتبين أنه مما يجوز له طلبه، فإذا ما تبين له الحق وقف إلى جانبه، ثابتاً عليه لا يتحول عنه مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ضرب أروع مثل في الصدق والصبر والثبات، مؤيداً بالقرآن. راودوه عن دعوته وأرادوا صرفه عن الحق حين قال له أهل مكة: لو عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل عليه سورة (الكافرون)، وعرضوا عليه الأموال: يعطوه منها ما شاء ويترك ما جاء به، فأنزل الله عليه الآية 131 من سورة طه. وطلبوا إليه أن يطرد الفقراء الضعفاء من مجلسه فمنعه القرآن من ذلك، وحضه على ملازمتهم. طلبوا منه طلبات ووعدوه إن هو أجابهم إليها أن يطيعوا أمره ويبالغوا في محبته فبين الله له أنهم كاذبون، وأنه إن أطاعهم زادوا في محاربته، فتضاعفت عليه الصعاب في الدنيا ليزيد في التنازل، ويزيد عذابه في الآخرة، فسلَّمه الله.  
فاللهم ثبتنا.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة