الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ألم يأنِ 
سورة الحديد   الآيات 16 - 20


   استفتح البيان بالتنـزيه تنزيه الله الذي له ما في السموات والأرض، خلقاً وملكاً فهو الغالب الذي لا يغلب يضع قوته في موضعها؛ لأن ما في السموات والأرض مملوكون له، خاضعون لأمره، منقادون لحكمه، والدليل على أن الله يخلق الحياة في الجائز فيحيا، ويخلق فيه الموت فيموت، فهو على كل شيء قدير. لا يعجزه شيء؛ لأن وجوده لم يسبق ولا ينتهي إلى فناء، فهو القديم بلا ابتداء الأول بإطلاق، الباقي بلا انتهاء الآخر فلا شيء بعده، الظاهر فلا شيء فوقه، الباطن فلا شيء دونه، حجب نفسه عن خلقه بلا حجاب، وأعجز خلقه عن رؤية في هذه الدار، ليثبت عجزهم وقدرته، وعلمه المحيط بكل شيء، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، ومما يدل على سعة علمه الإتقان في مخلوقاته، والصدق والدقة في أفعاله ومعلوماته.

    يدعو إلى الإيمان بالله ورسوله؛ لأن بالإيمان يَسلَم المجتمع من الكذب والنفاق والرياء، وسائر الأخلاق الذميمة، ويصدق الإيمان الإنفاق من مال الله الذي جعل خلقه مستخلفين فيه، به تكفى الحاجات ويسد الخلل، وتؤمن حاجات الفقراء الضرورية. فإن الإيمان والنفقة قوام المجتمع المتحاب المتناصح المتناصر.

    هل ثمة ما يمنعكم الإيمان كأنه يعتب عليهم عدم الإسراع إلى الإيمان، في وقت وجد الداعي الصادق الذي عرف المدعوون نسبه وصدقه وأمانته، وقد أخذ العهد عليكم أن تسمعوا وتطيعوا في العسر واليسر في المنشط والمكره، ووعدكم بالجنّة  إن التزمتم بالميثاق. فالتزموا بمضمون الميثاق إن كنتم مؤمنين.

    إن الله أنزل القرآن على عبده ورسوله مفرقاً ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والطغيان، إلى نور العلم والإيمان والاستقامة، وجعله كتاباً قيماً فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيم.

    وإنزال القرآن على هذه الصفة وبهذه الطريقة يدل دلالة وضاحة على أن الله بكم لرؤوف رحيم شرفكم باختيار محمد منكم، وإنزال القرآن بلغتكم، وكلفكم بعمارة الأرض وإصلاح البلاد والعباد، وبعد أن بيّن فضل السابقين على من بعدهم، لما تميزوا به من الثبات على الحق ونصرته في وقت عز فيه النظير والنصير، فضلهم لا ينكر، وعمله يذكر فيشكر، ومهما يكن من أمر فتشبهوا بهم تفلحوا في الدنيا والآخرة.

    إن الإيمان أمر غيبي لا بد له من دليل يدل عليه: الإنفاق لنصرة الحق وإعلاء شأنه، والله وعد المؤمنين بمضاعفة الأجر في الآخرة، والنور الدائم الذي يحرم منه المنافقون: يعاملون بنفس الطريقة التي تعاملون بها مع المؤمنين في الدنيا، يطلب المنافقون من المؤمنين أن يسمحوا لهم أن يقتبسوا من نورهم شيئاً فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وما أن يفعلوا حتى يصير بين المنافقين والمؤمنين سور يحجز نور المؤمنين عن المنافقين، كما حجزوا قلوبهم عن قبول الحق، فارتابوا به، وفتنوا إخوانهم، وتربصوا بهم وغرتهم الدنيا الفانية عن الآخرة الباقية، فاستحقوا العقوبة المناسبة، قال ذلك في وقت يمكنهم الامتناع فيه عن النفاق.

    وبعد أن قدم لهم الأدلة المقنعة والبراهين القاطعة المبنية على مقدمات ثابتة توصل إلى نتائج حقيقية، سألهم: أما حان الوقت المناسب لتخشع القلوب بسماع الوحي (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)  فيتفكروا في مخلوقاته، فيدركوا عظمته وقدرته، ويقبلوا على (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) بقلوب نقية طاهرة من الحقد والحسد، والكبر والعجب، فيذلوا لعزته وينقادوا لما جاء به من الحكم والأحكام، (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ) اليهود الذين رأوا من الأدلة على قدرة الله وعظمته: فقد آتى الله موسى آيات حسية غير العصا ويده، تمثلت في بلاء ينـزل بقوم فرعون ولا يصيب مجاوريهم: القحط الذي أصاب أرض الفراعنة ولم يصب أرض اليهود، والطوفان الذي غشي أرض الفراعنة، ثم الجراد والضفادع والدم، رآها بنو إسرائيل رأي عين، وأدركوا من آثار قدرة الله ما لم يره أحد في أرض مصر، وفي عبورهم البحر الأحمر، وفي الميت الذي أحياه الله ليدل على قاتله، ورأى اليهود بأعينهم الميت يحيا ويتكلم، (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فالحجارة تهبط من خشية الله، والله يخرج من الحجارة الأنهار والينابيع، والقلوب القاسية تروع الآمنين، وتقتل الأبرياء، يحذر المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاقهم، ويتطبعوا بطبعهم، ويتعظوا بما نزل بهم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه، ومن أجل أن يعيش الناس في أمن وأمان، علمهم أن يختاروا كلماتهم، وأن لا يحملوا على المخالف حملة عامة لا تبقي ولا تذر فقال: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) خارجون عن دائرة الطاعة، ويفهم منها أن فيهم مؤمنين فتح لهم باب التوبة ولم يحرجهم بل أبقى على المودة وروح التعاون بالستر، بخلاف ما يقوم به بعض وسائل الإعلام من إثارة الخلاف، وتغذية الفتنة، والطعن على المخالف بشتى الوسائل، واستعداء بعض الناس على بعض، بغرس العداوة.

    إن الله يحيي الأرض بالماء بعد موتها، ويحيي القلوب بالقرآن، (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ)  فتبينوها (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)  فتعملوا على ما فيه صلاح حالكم ومستقبلكم وتحولوا النظريات إلى حقائق ثابتة، فالمجتمع لا ينهض إلا بتعاون أبنائه على البر والتقوى.

    وبعد فبالإيمان والعمل تتوطد العلاقة بين أفراد المجتمع، تزول النفرة وتتحقق الإلفة.

    إن الله جعل الدنيا مقدمة للآخرة التي هي الحياة الحقيقية، أما الدنيا فبيّن الله حقيقتها بقوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً)  هما صورتان ذكر إحداهما لينبه بها على الأخرى، وإن أشار إلى شيء من صفاتها في صورة بيانية رائعة، تأخذ بالقلوب والعقول وتقدم لها أوضح دليل، الحياة مليئة بما يشغل القلب ويلهيه من الأعمال التي لا فائدة منها، عبر عنها بخمسة أشياء: اللعب واللهو: شيئان يشغلان القلب عن النظر والتفكر والتدبر، فيمضي الوقت سريعاً دون أن يحصل من مروره فائدة، والوقت عمر الإنسان فلا بد من أن يستغل أحسن استغلال في عمل ينفع الإنسان نفسه، أو ينفع غيره، أو يدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، واللعب واللهو والزينة لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، والتفاخر يورث التنافر بين الناس، والتكاثر في الأموال والأولاد، يورث الأنانية وحب الذات، أما المشبه به فصوره منتزعة من الطبيعة القريبة، فصل الشتاء موسم مطر وبرد يروي الأرض، فإذا ما توقف المطر وتحسن الجو رأيتَ الأزهار البرية تملأ الأرض، أزهار لم تتدخل يد في استنباتها، مساحات من الأرض ممتلئة بألوان مختلفة، يبقى مدة ثم يذهب كما أتى أشار إليه بقوله (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً)  بعد أن كان أخضراً ناضراً يشع بالبهجة والحياة، (ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً)  ييبس وتحول إلى ما يشبه التراب، والشيء يشبه الشيء نفس الصورة ونفس الأطوار يمر بها الإنسان في مدة أطول ينتقل من الطفولة إلى الشباب إلى الرجولة الكاملة المليئة حيوية ونشاطاً، ثم الهرم فالموت، الزرع ليموت وينتهي أمره، أما الإنسان فلا تنتهي بالموت حياته، بل ينتقل من دار إلى دار، ومن حياة إلى حياة، وحساب بعد ذلك وثواب أو عقاب، وهكذا انتقل القرآن من المشبه به إلى المشبه بحركة سريعة تؤثر في القلوب أيما تأثير يمس المشاعر فيوقظها من الغفلة، (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ)  فالإنسان محاسب عن عمله مجزي به إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فالذي أفنى عمره في اللهو والعبث كان خاسراً؛ لأنه أنفق أثمن ما يملك فيما لا فائدة منه ولا ثمرة له، أما الذي آمن وعمل الأعمال الصالحات واجتهد في بذل الخير للناس كل الناس، وسعى جهده في إقامة الحق ونشره ونصره والدفاع عنه، فيستحق المغفرة منه والرضوان، ثم بيّن حقيقة الدنيا فقال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)  إن جميع ما يملكه الإنسان في هذه الحياة لا بد من أن يأتي يوم يتركه ويمضي وحيداً فريداً كما جاء إلى الدنيا.

    فسارِع يا أخي إلى الإيمان بالله ورسوله، وأعمل ما يحقق لك الفوز بفضل الله ورحمته في جنّة عرضها كعرض السماء والأرض، وأعلم أنك مأمور بعمارة الأرض، فاصبر على طاعة الله وعن معصيته.

    إن الحياة الدنيا دار عمل منتج بنّاء، والصراع بين الحق والباطل مستمر، والدنيا دار ابتلاء، والبلاء متنوع، والكون كله خاضع لله، يعطي من شاء منه ما شاء ويمنع، فصفِّ قلبك من الأكدار والأغيار، واحرص على ما ينفعك في عاجل أمرك وآجله، ولا تحزن على ما فاتك ولا تفرح بما جاءك، واعلم أنك مبتلى في هذا وهذا، واخشع لله في السر والعلن؛ والله يوفقك. 

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة