الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

عاقبة الطغيان  
سورة النازعات   الآيات 15 - 41


     استفتح البيان بالاستفهام: أَبَلَغَكَ خبر نبي الله موسى وقت نداء الله له في الوادي المقدس طوى قائلاً له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) ؟ طوى القرآن القصة من أولها إلى الاجتباء؛ لأنه فصله في سورة القصص، وأشار إليه في سورة طه، ما أغنى عن إعادته هنا، إذ الحديث هنا عن الطغيان وعاقبته على الطاغية.

    موسى الذي اجتهد فرعون في القضاء عليه قبل أن يوجد، وسعى أن لا يخرج، فقتل الأبناء واستحيى البنات؛ لأنه أدرك بسبب ما أن هلاكه سيكون على يد موسى، فسعى في إهلاكه طفلاً حتى لا يشب فيهلكه، ومع هذا خرج موسى ورباه فرعون في بيته برعاية أمه، فحقق الله له الأمن والتربية السليمة برعاية أمه وأبيه تحت سمع وبصر فرعون وامرأته، رباه خير تربية، ورعته أسرته الحقيقية المكونة من أربعة أفراد: أم وأب وأخ هو هارون وأخت، فنشأ قوياً مؤمناً ترعاه عناية الله، ليكون شاهد صدق على قدرة الله وأنه القاهر فوق عباده يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.

    أما السبب الذي من أجله أرسل الله موسى إلى فرعون أنه طغى وتجاوز الحد، وبالغ في الظلم يقتل أبناء إسرائيل ويستحيي نساءهم؛ لأنه كان يستخدمهم، فلو أنه قتل الجميع لما بقي له من خدم، لذلك ربما يبقي سنة الأبناء ويذبح سنه، ليبقى النسل، ولطغيانه مظاهر يبينها فيما يأتي.

    إن الطغيان يعمي البصيرة، ويجعل الطاغية يتصرف على غير هدى، ويتبع هواه فيضل ويخزى، ومن جمال الأسلوب القرآني الإجمال ثم التفصيل ما يجعل القاريء يتشوق لمعرفة ما بعد (إِنَّهُ طَغَى) من إجمال سيفصله بعد بيان ما أرسل به موسى إلى فرعون من (فَقُلْ) أي للطاغية (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) هل أدلك على ما يطهر نفسك من الكبر والعجب والأنانية وحب التسلط على خلق الله (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) وأعرفك بالله ربك الذي أوجدك من العدم ورباك بالنعم (فَتَخْشَى) حذف المعمول ليدل على العموم، فتخشى الله أولاً: تعظمه في نفسك، تراقبه في عملك، تخضع له وتنقاد لحكمه، وقدم له الأدلة المقنعة على أنه رسول الله، آيات لا يستطيع أن ينكرها: العصا ويده والقحط والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وما أراه من آية إلا هي أكبر من أختها، (فَكَذَّبَ وَعَصَى ● ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) كذب الرسول وعصى الله الذي أرسل وترك الطاعة ومضى يجتهد في الطغيان، فجمع قواه لحرب النبي وتكبر عن قبول الحق وبالغ في الطغيان (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) مسكين من يظن ولو للحظة أنه يستطيع أن يغلب الله تعالى (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى)  فانتقم الله منه شر انتقام لم يذكر هنا كيف؛ لأنه ذكر ذلك في مواضع من كتابه، وملخص ذلك أن موسى خرج ببني إسرائيل من مصر فخرج في إثرهم فرعون يريد أن يردهم إلى مصر ليستعبدهم، كان البحر أمام الإسرائيليين وفرعون وجنوده يسعون خلفهم ليقبضوا عليهم، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق: فانحسر الماء جبالاً، وفتح الله لهم اثني عشر طريقاً لكل جماعة طريق، وبين كل طريق وطريق جبل من الماء؛ لأن بني إسرائيل كانوا جماعات لا تقبل جماعة أن تتعايش مع جماعة ثانية: حتى في حالات الشدة والخوف، فحين طلبوا الماء فجّر لهم اثنتي عشرة عيناً، لتشرب كل جماعة من عين، ولما أرادوا عبور البحر فتح لهم اثنتي عشرة طريقاً، لله در موسى كم عانى من قومه، جاء فرعون فرأى بني إسرائيل عابرين على طرق في مكان كان فيما مضى بحراً، فلحق بهم، فما إن عبر بنو إسرائيل ووصلوا إلى الضفة الثانية من البحر الأحمر حتى ضرب موسى البحر، فعادت الطرق بحراً، كان فرعون وسطه فأدركه الغرق فمات شر ميتة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) إن في قصة فرعون وما عاقبه الله به ما يستحق النظر والتفكر والتواضع لله ونبذ التكبر، فأي طاغية مهما تجبر لا يساوي فرعون مصر، وبإهلاكه على هذا الشكل درس لكل من يخاف الله: يعلمه كيف يجب عليه أن يتعامل مع خلق الله، حتى لا يصير إلى ما صار إليه فرعون مصر، فإذا كان الطاغية قوياً فالله أقوى منه؛ لأنه فقير إلى الله في إيجاده وإمداده،  فما به من قوة فالله وهبه إياها، وما عنده من مال أو جاه وسلاح وأعوان فالله الغني ملّكه إياها فليتق الله في خلقه.

    ثم سرد أدلة عقلية حسية: فذكر السماء وما في خلقها من آيات تدل على عظمة الله، والأرض وما فيها من دلائل القدرة لأوضح دليل على أن الله ما خلق ذلك إلاّ بالحق، وأنه كلف خلقه ليبتليهم فيثيب المطيع الذي رفق بخلق الله وتواضع وهيأ لهم وركن إلى الدنيا واطمأنّ بها، واغترف من شهواتها ما جعله مستحقاً لعذاب الله في الآخرة التي ما خطرت له على بال في الدنيا، وفي مقابله من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فالتزم شرع الله، وخفف عن خلقه وعمر الأرض بطاعته لتصلح الآخرة بصلاح الدنيا لتلازم ما بينهما، فمن لا أول له لا آخر، ولا يصلح الآخر إلا بصلاح الأول، والحرص على النجاة في الآخرة يستدعي الالتزام بما شرع الله محققاً العدل المطلق في الأرض، وسعادة المقيمين عليها، أما محاولة تسلط بعض الناس على بعض؛ فإنه يؤدي إلى فتنة وفساد كبير، الخاسر فيه الطغاة المتجبرون؛ لأنهم يصيرون إلى مصير فرعون.

    إن الله أخفى وقت القيامة عن الناس ليعمل الناس راغبين راهبين، مراقبين لله فيما يأتون ويذرون فتستقيم حياتهم، وينعمون بالسعادة متحابين متناصرين متناصحين، بعضهم أولياء بعض.

     
فاللهمَّ وفقنا لطاعتك ومحبة خلقك.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة