الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها 


العمل فعل العاقل المقصود له كان قولاً أو فعلاً صالحاً أو غيره، والملاحظ أن القرآن الكريم قرن الإيمان والعمل الصالح، والعمل الصالح الذي يقصد لتحصيل مصلحة: من جلب نفع أو دفع ضر، وهذه صورة ولا عبرة بصورة لا روح فيها، كما أنه لا قيام لروح دون صورة، لا يكفي أن يكون المرء صالحاً في نفسه، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم ويحج، دون أن يكون له دور في الحياة العامة لأن الإسلام دين مجتمع لا يكفي فيه الصلاح القاصر. قال تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران: ١١٠. فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قريناً للإيمان، ووصف الله المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) التوبة: ٧١ فوصفه لهم بأنهم (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) يدل على أن المسلمين أمة واحدة متحابة متناصحة متناصرة، وما ذلك إلا لأن أعمالهم حية صورة صالحة وروح هي سر الإخلاص فيها لأنهم أخلصوا لله في قول وفعل صادقين لا يراؤن ولا يعجبون بأعمالهم، فأول الأعمال هو الإخلاص فالفرض الواجب أن تؤمن بالله، وتعلم وتقر وتشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن والخالق والباريء والمصور والرزاق والمحيي والمميت الذي إليه ترجع الأمور، وأن محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن النبيين حق، وبالحق أدوا الرسالة، ويكون ذلك عقدك ظاهراً على لسانك بلا شك ولا ريب ساكناً قلبك مطمئناً إلى ما صدقت به وأقررت، والصدق عماد الأمر وبه تمامه، وفيه نظامه، وأقله استواء السر والعلانية؛ قيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك، قال أبو طالب المكي: الإخلاص: إخراج الخلق من معاملة الحق، ولما كانت النفس أقرب الخلق إلى العامل كان الإخلاص أن لا يعمل عملاً لأجل النفس والإخلاص حصن الأعمال، والخمول حصن الإخلاص، وهو طرح النفس فيما يليق بها من التقصير والضعف والعجز، والتبرؤ من الحول والقوة، فما قامت به فإنما قامت به بتوفيق الله لها فيه وإعانتها عليه ولولا ذلك ما استطعت أن تفعل شيئاً، قال ابن عطاء الله السكندري: ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه. يجب على المريد أن يدرب نفسه أن يكون عبداً لله في السر والعلن يراعي الله ويراقبه في حركاته وسكناته، إذا تكلم أو سكت، إذا أعطى أو منع، وقوله (ادفن وجودك في أرض الخمول) أي لا تكبر قبل أوانك، ولا تتظاهر بما ليس فيك، ولا تحرص أن تكون لك مكانة بين الناس وبهذا تنجو من الكبر والعجب والرياء والحسد، وتربى على الصدق والإخلاص في القول والعمل، وضرب ابن عطاء الله مثلاً حسياً منتزعاً من الطبيعة: الزرع فإنه لا ينتج منه إلا ما دفن، وما لم يدفن لا ينبت، وإن نبت فلا ينتج، وإن أنتج فلا يتم نتاجه، وإن ظهر نوره وابتهاجه، وهذا الدفن إنما يكون في مرحلة التربية لا إلى أبد الآبدين، فإذا صار أهلا ترك ليواجه الحياة تحت مراقبة المربي، حتى يستوي عوده ويؤنس رشده. إن المريد يمر بحالتين: الطلب فلابد فيه من روح هي سر الإخلاص فيه، لأن عماد النجاح في أي عمل لا يتم إلا بأمرين: الصدق في الطلب، وسلوك الطريق الموصل إلى الهدف بثبات وصبر، وأن يتقبل ما يأمره به أستاذه؛ لأن الأستاذ كالأب الذي يحرص أن يكون ابنه في أحسن المواقع، وأرفع المراتب؛ لأنه يرى فيه نفسه ويراه امتداداً له، فإذا قسا عليه فإنما يدربه على مواجهة الصعاب بصبر وحزم؛ إن فشل بعض إخواننا في الحياة سببه أنهم لم يدفنوا وجودهم في أرض الخمول وقت الطلب، ففاتهم التربية، فقويت في أنفسهم دواعي الهوى، وركبتهم الأوهام، فظنوا أنفسهم على الحق، وغيرهم على الباطل، والمجتمع لا ينهض إلا بالاحترام والتعاون والتناصح. أما الحالة الثاني: حالة الدعوة والمواجهة فاستعن بالإخلاص في القول والفعل والترك، وليصدق قولك فعلك، وليكن ظاهرك كباطنك، وخلوتك كجلوتك. والله المستعان ونعم الوكيل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة