الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

واتقوا الله  


     تمتع العرب في الجاهلية بجملة من الأخلاق الفاضلة كالوفاء والكرم والشجاعة وغيرها. وجملة من أخلاق غير مرضية كسرعة الانفعال والإقدام على المكاره تحت تأثيره، والتعصب للرأي وعدم قبول الرأي المخالف، وما تحقق في مجتمعهم الحلم، وإن وجد بعض الأفراد الذين اتصفوا بالحلم إلى حد يضرب بهم المثل.

    جاء القرآن وهم على هذه الحالة، فصوب مسارهم وقوم ما اعوج من أخلاقهم، ليهيأهم لقيادة العالم.

    وفي سورة الحجرات مجموعة من الأخلاق المكتسبة التي ما كانت في مجتمع إلا ساد وقاد وحقق الحق ومحا الباطل؛ ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

أولاً : الالتزام بالدين؛ لأن العقلاء لا يجتمعون إلا على رأس، وخير ما يرأَّس على الناس: الولاء لله ولرسوله؛ لأن كل ما عدا الله يتغير؛ ولأن الأحكام التي أنزلها الله على رسله، هي في الجملة تدعو إلى مكارم الأخلاق من الأمانة والصدق والوفاء واحترام الإنسان لأخيه وتعاونه معه لما فيه المصلحة العامة، عماد ذلك وأساسه تقوى الله والالتجاء إليه والاحتماء به، والإحساس براقبة الله له، والتأدب مع الله ورسوله، فلا يرى رأياً لا دليل عليه من القرآن والسنّة، ولا يدعي أنه وحده الفهيم العاقل العارف.

ثانياً : التأدب مع من هو فوقه في المنـزلة كرئيسه المباشر أو رئيس المؤسسة، أو رئيس الدولة، فالراعي يحرص على ما فيه مصلحة من تحت رعايته، وبالمقابل على المرؤوس أن يحترم رئيسه فيطيع أمره ويتعاون معه لما فيه صلاح المؤسسة، فلا يلمزه ولا يهمزه ولا يسخر منه.

ثالثاً : التثبت في نقل وقبول الأخبار، خاصة ما فيه إثارة للمشاعر وشحن الناس وإثارة الخلافات بينهم، فينظر فيما ينقل ويسمع من أخبار بعين مفتوحة وقلب واعٍ وفكر ثاقب، فلا يقبل من ذلك إلا ما كان حقاً، وإذا سمع خبراً لم يروه حتى يتحقق من صدقه.

رابعاً : قد يترتب على نقل الأخبار المغرضة آثار سلبية على المجتمع فيجب العمل على إزالتها بلطف، فإن ركب الهوى أحد الفريقين ولم يكن سبيل لإصلاح ذات البين، فالسيف هو الشافي من أمراض المجتمع، به يستأصل الداء؛ لكن لا بد من أن تتم المعالجة بالعدل والإحسان، لتبقى القلوب صافية عامرة بالحب متآلفة، وتسود الرحمة وتقوى الله جميع أفراد المجتمع، وبهذا يتكون المجتمع المتحاب، لكن لا بد أن يكون جميع أفراده متحلين بالأخلاق الفاضلة.

خامساً: فلا يسخر فرد من فرد، ولا يخاطبه بما فيه إساءة له، ولا يستخف به معتبراً نفسه أنها خير من نفسه، وعمله خير من عمله، وأنه أكثر إخلاصاً منه. ويجب على جميع أفراد المجتمع التعامل مع بعضهم البعض بأدب واحترام، فلا يستخف به، ولا يحتقره؛ لأن في المعاملة السيئة جرحاً للقلوب، وجرح القلب يصعب شفاؤه، ومن يعيب أخاه يعيب نفسه؛ لذلك قال: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ) ما أروع القرآن في اختيار الألفاظ المناسبة التي تحرك المشاعر وتصوب المسار، ويعظ بلطف ويفتح باب التوبة ويحض عليها، مذيلاً بقضية شرطية فيها تنفير عن الظلم بجميع أنواعه، والترغيب في إتباع المنهج القويم. (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ظلموا أنفسهم وإخوانهم.

سادساً: إن الله حرم من المؤمن دمه وماله وأن يظن به إلا خيراً، ومن الظن الذي هو إثم أي سبب للوقوع فيما يستحق فاعله العقوبة، ظن السوء بمن ظاهره الصلاح سمّاه إثماً أي موجباً التأثيم. فالمجتمع لا يقوم إلا على المحبة والثقة، وعدم تتبع العورات، ليأمن الناس من إيذاء بعضهم بعضاً وتسود بينهم الألفة والمودة، كان الجاهليون يقولون: حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة، فجاء الإسلام بغرس الثقة بين الناس فحرم إتباع الظن السيء وأمر بمعاملة الناس بما ظهر منهم، ولم يسمح باتهام الناس وتجريحهم إلا عن دليل واضح وحجة سالمة عن معارض، ونهى عن التحسس والتجسس ليتفرغ الناس إلى البحث فيما فيه صلاحهم، وحذّرهم من العبث خاصة المؤذي، فحرم الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وألا يكن فيه ما تقول فقد بهته، أي كذبت عليه واتهمته باطلاً بما ليس فيه، واستخدم القرآن طريقة فريدة في التنفير عن الغيبة تجعل الإنسان يقشعر جلده، وتشمئز نفسه من هذا العمل القبيح، فجعل المغتاب آكلاً لحم من اغتابه الذي هو أخ للمغتاب، وكون اللحم المأكول ميتة إنسان من نفس جنس الآكل، ما أقبح أن يأكل الإنسان لحم أخيه ميتاً، لا شك أن نفساً سليمة لا ترضى ذلك وتأنف منه فلتأنف من الغيبة وتتجنبها أنفسها من أكل لحم الأخ ميتاً، ما أحوجنا إلى التخلق بالأخلاق التي تنبع من نفس طاهرة، ويساوي الغيبة في إفساد المجتمع وزرع الشقاق بين أفراده النميمة: أعني نقل الأخبار بين الناس على جهة الإفساد، واستعداء الناس على بعض، ومحاولة إثارة الناس على بعض، باسم حرية الفكر، أو مقاومة العدو، أو الحرص على الوطن، أو الاختباء تحت أي شعار من الشعارات التي لا تخدم إلا العدو المتربص، والمرئي والمسموع يتحمل العبء الأكبر من نشر الغيبة والتشجيع عليها فيما يبث من برامج ترفيهية أو فكرية أو  سياسية، يحركها وتنمّيها الأنانية، واعتبار الرأي الذي تراه صحيحاً لا يحتمل الخطأ، والرأي الآخر خطأ لا يحتمل الصواب، والمجتمع لا يقوم إلا على التحاور والتحاب.

سابعاً: دعا القرآن الكريم الناس إلى الالتقاء تحت عنوان الأخوة الإنسانية والمشاركة في الأبوين، فالناس أسرة كبيرة أصلها واحد منه تفرعت وإليه ترجع، والتفاضل بين أفرادها بما يقدمون لأمتهم، وبما يعملون من صالحات ترعى البيئة وتحافظ على المجتمع سالماً معافى من الكبر والعجب، والحقد والحسد، والتنافر والتناحر يتعارفون فيتآلفوا ويتناصحوا ويتعاونوا، يرددون مع القرآن (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) أي أكثركم طاعة لله، وحباً  لخلقه، وسعياً لما فيه التخفيف عنهم، والارتقاء بهم في معارج الفضيلة، ومراقبة الله في ذلك كله، واعتقاد أن الله مطلع على الخفايا والخبايا، وحين يتحكم الهوى في النفوس رأينا القرآن يأمر المتقاتلين بالعدل في الحكم والرفق بالمخالف، وإعطائه حقه كاملاً (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

ثامناً :  إن الأعمال خير دليل على صدق الأقوال، وإن من يطيع الله ورسوله، ويوافق قوله الإنسان جدير بكل مكرمة في الدنيا والآخرة، وإذا تعاون الناس في بناء مجتمع فاضل، ولاؤه لله وطاعته له، يراقبه فيما يأتي ويذر، عاش الناس في سعادة غامرة، يعمها الأمن والأمان؛ والله الموفق إلى سواء السبيل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة