الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وأعدوا 


      كان العرب أمة أمية متفرقة تبحث عن رأس يجمع شملها، يقودها: يحكم توجهاتها، ويضبط تحركاتها فلا تضل ولا تطغى، فبعث الله إليها محمداً رجلاً من أنفسهم: هو أنفسهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، فقاوموه أول الأمر؛ لأن النفس بطبعها تأنف من الخضوع لمثلها إذا تُحَكِّم الهوى، وتتحكم فيها الشهوات، وينظر كل فرد من أفراد المجتمع إلى مكاسبه الخاصة، ويهمل المصلحة العامة، غافلاً عن الضرر الذي يلحقه إذا ما اهتم الناس كل بنفسه وجماعته وحزبه، والخير الذي يناله إذا ما عم الإيثار المجتمع، وقدم كل مصلحة العامة على مصلحة الخاصة، فتقوى الروابط ويعم الخير.

    ومضت عشر عجاف تحمَّل فيها النبي وصحبه ما تنوء بحمله الجبال يجمع ما تفرق، ويؤلف بين ما تخالف إلى أن تم له ذلك فبنى الدولة العادلة التي تعرف الحق وتدعو إليه وترغب في إتباعه، وتنفر عن المنكر وتحذر منه، وتبذل جهدها في إقناع الناس بالحجة والحكمة حتى ظهر الحق وعم نوره الأرض، وخضعت له الجزيرة بل العالم، فكان محمد، صلى الله عليه وسلم، الرأس الذي اجتمع عليه العالم، ولحق النبي بالرفيق الأعلى، واهتزت الدولة بعض الشيء بمانعي الزكاة والمرتدين الذين سرعان ما عادوا إلى الجادة واجتمعت الكلمة، وخرج المجاهدون فاتحين القلوب لقبول الحق والخضوع له، فمن قبل الحق من حكام البلاد المفتوحة أقر على عمله؛ لأن من يقبل الحق يكون حاكماً صالحاً يرعى شعبه ويحرص على ما فيه صلاحهم، ومن دفع الجزية خضع لحكم الله ولم ينازع الأمر أهله، ومن أراد الحرب كان له ما أراد، يقاتل فيها المقاتل دون غيره، ومتى كف عن المقاتلة كف عنه.

    ذلك أن القتال في الإسلام وسيلة لكف شر الأشرار وردع الظلمة عن ظلم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؛ ذلك أن الناس ثلاث فئات فئة تردعها الكلمة، وفئة ينفع معها الإشهار، وفئة متمردة لا ينفع إلا الضرب بيد من حديد.

    فالحرب وسيلة لإقامة العدل وردع الظلمة عن الظلم، فكانت للحرب أصول يجب إتباعها ومباديء تجب مراعاتها، ولا يقدم عليها إلا بعد الإعذار والإنذار.

    فتح المسلمون مصر والشام والعراق وفارس، ووصلت جيوشهم إلى الجزيرة الخضراء، وما نقلوا من أموال وكنوز البلاد المفتوحة شيئاً لا إلى المدينة ولا إلى الشام وبغداد؛ لأنهم ما خرجوا طالبين للدنيا، ولا استعبدوا أهل تلك البلاد كان استرقاق من استرقوا رحمة عليهم، علموهم حتى صاروا أئمة ثم أعتقوهم ليقودوا العالم، وقبل أن ينتهي القرن الأول صار كبار علماء المسلمين من الموالي، ويحدثنا التاريخ أن موالي الصحابة صاروا أئمة يرجع إليهم ويعتمد عليهم.

    وبعد زمن ضعف المسلمون عن الجهاد، وركنوا إلى حياة اللهو واللعب وتسلط عليهم الكسل، وتركوا العمل فتسلط عليهم الأعداء، فعاثوا في الأرض فساداً، وضاعت البلاد بين تناحر الأشقاء، وتعاونهم مع المتربصين بهم من الأعداء، فسقطت الممالك واحدة تتلوها واحدة، بحثت في الأعماق عن السبب الذي جعل المسلمين أمة مستهلكة تستورد كل ما تحتاج إليه، لماذا تقدم الأولون وتأخرنا، واجتمع السابقون وتفرقنا، فوجدته في اجتماع الأعداء علينا وتفرقنا على بعضنا، حكمنا الأهواء وتركنا ما أكرمنا به رب الأرض والسماء، الدواء لما في مجتمعنا من الأدواء في الآيات 59-61 من سورة الأنفال، فتعال نبحث في هذه الآيات.

    ربى الوحي المسلمين على الثقة بالله والاحتماء به، والاعتماد عليه (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا)  قريء بالياء وبالتاء على الخطاب والمخاطب النبي، صلى الله عليه، وسلم ينهاه أن يعتقد ولو للحظة أن من حارب أولياء الله يغلب ويفوز على الأولياء، والقراءة الثانية بالياء حديث عن غائب ينهاه عن اعتقاد أنه يستطيع أن يطفيء نور الله، فالغلبة لأوليائه على أعدائه (إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) ، لكن الحق لا بد له من رجال مدربين يقفون إلى جانبه ينشرونه وينصرونه، ويدافعون عنه، والمطلوب إعداد القوة المناسبة لنصرة الحق، قوة مادية من السلاح وغيره من إعداد المخابيء وتأمين الغذاء والدواء، وقوات الردع الجوي وقوة معنوية من دراسة لفكر الأعداء لمعرفة كيف يخطط للرد عليه بنفس الأسلوب؛ لذلك عمم القرآن القوة ليدخل فيها جميع أنواع القوة: المادية الايجابي منها والسلبي، والقوة المادية أشار إليها بقوله (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) وقوله (مِنْ قُوَّةٍ) والقوة المعنوية: فكرية أو دعوية أو سياسية أو اجتماعية، وعلل الأمر بالإعداد (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)  الرهبة والرهب مخافة مع تحرز، والإرهاب تخويف الأعداء وجعلهم يحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا في الاعتداء على المسلمين، وهكذا يتحقق الأمن والسلام بين الناس كل الناس، ويتفرغ الناس لتسهيل الحياة والتخفيف من أعبائها، ويتشارك الجميع في الإنتاج والبناء، ويتحقق الهدف من الإعداد؛ والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة