الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الإنسان بين القضاء والقدر 


     خلق الله الناس مختلفين، واختار لكل صورته واسمه ونسبه ووقت ولادته وموته، ولون شعره وبشرته وعينيه؛ لذلك لم يعلق بذلك تكليفاً ولا بنى عليه أحكاماً، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَوَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)  وعلق التكليف بما للإنسان فيه حرية الفعل أو الترك، فإن فعل أثابه وإن ترك عاقبه، والله من الأزل علم من سيفعل ما هو فاعل، ومن لن يفعل ما الدافع له؛ لأن علم الله لذاته غير مسبوق بجهل، وما علمه كائناً سيكون كما علمه، وأراد الله إبراز ما علمه، فأبرزه بالقدرة على ما علمه، لكنه لا يحاسب العباد بما علم أنهم عاملون، ولكن يحاسبهم بما عملوا بالفعل إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    والناس في مواجهة هذه الحقيقة فريقان: فاشل خامل متواكل يحمِّل القضاء أسباب فشله وعجزه وضعفه، وفاسق خرج من دائرة الطاعة إلى دائرة المعصية وأصر على فسقه وتمسك بالقدر يحمِّله وزر فسقه، فإن وعظته قال: إن هداني الله اهتديت، وإن أراد مني أن أكون صالحاً صرت كذلك، ما بين طرفة عين وإنتباهتها يغير الله من حال إلى حال.

    فبم يجاب هؤلاء وأولئك، وأين وجه الحق في هذا، وما معنى القضاء والقدر وما الفرق بينهما؟ وما الحكمة وراءهما؟.

    القضاء فصل الأمر قولاً كان أو فعلاً.

1- ومن القول الإلهي
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) أي أمر، ومن الفعل الإلهي (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) والقضاء هو الفصل والقطع. قال أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من قضاء الله، قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله، تنبيهاً إلى أن القدر ما لم يكن قضاء، فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قُضِيَ فلا مدفع له، ويدل له (وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً) محتم الوقوع لا يمكن تلافيه، ومسألة القضاء والقدر متصلة بصفات المعاني أعني: العلم القدرة والإرادة، فالله علم ثم أراد إبراز ما علم على ما علمه فأبرزه بالقدرة كما علمه فبرز، فهل رضيه الله شرعاً؟.

 
2- وما الفرق بين الإرادة والقدرة والعلم والرضى، وما العلاقة بينها؟.

        وقدرة إرادة وغايرت أمراً             وعلماً والرضى كما ثبت

بدأ بالقدرة لظهور أثرها، والقدرة صفة واجبة لله ومعناها: القوة والاستطاعة، وعرفاً صفة أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه على وفق الإرادة، قال ابن عطاء الله الإسكندري: نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولا بد لكل مكوّن منهما، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، وتعلقها بالممكن؛ لأنه يقبل الإيجاد والإعدام، أما الواجب فلا يقبل الإعدام، وأما المستحيل فلا يقبل الإيجاد لذاته. والقدرة تبرز ما خصصه الله بإرادته أزلاً، لذلك ثنى بـ: إرادة: وواجب له إرادة ويرادفها المشيئة، وهي مطلق القصد، وعرفاً صفة قديمة زائدة على الذات، قائمة بها تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم، وما يجوز على الممكن: الوجود أو العدم، وكونه في زمن مضى أو زمن حاضر، أو في زمن مستقبل، وكونه أسود أو أبيض أو كونه طويلاً أو قصيراً، في جهة الشرق أو الغرب.

3- والإرادة كالقدرة: تتعلق بالممكن الذي يشمل الخير والشر والنفع والضر، خلافاً للمعتـزلة، فإنهم قصروها على الخير والنفع، والجمهور لا ينسبون الشر إلى الله إلا في مقام التعليم، تأدباً معه وتنزيهاً له جل وعز. والإرادة كونية قدرية، بها خلق الممكنات، فهي عامة شاملة وإرادة دينية شرعية أمرية بمعنى المحبة للفعل والرضى به (
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ورد السمع بأن الله مريد في آيات كثيرة، والله يختار ما يشاء ويفعل ما يريد، والواقع يشهد بذلك.

    والإرادة غير الأمر ولا مستلزمة له، فقد يريد ويأمر كأمره بالإيمان من أراد قدراً إيمانهم فيؤمنوا كدعاء أبي بكر، وقد لا يريد ولا يأمر بالفحشاء والكفر الواقع من بعض الخلق وإن لم يرضه شرعاً، فإن الله لا يأمر بالفحشاء، وقد يريد قدراً ولا يأمر شرعاً، كالكفر الواقع ممن علم الله أنهم لا يؤمنون والمعاصي ممن علم الله وقوعهم فيها، فإنه أراده لوقوعه ولم يأمر به، وقد يأمر ولا يريد، كأمر الله بالإيمان من علم الله أنهم لا يؤمنون، وإنما أمرهم بالإيمان مع علمه أنهم لا يؤمنون ليظهر إلى العيان ما علمه الله أزلاً فيحكم عليهم بعلمهم لا بعلمه، وغايرت الإرادة علماً، بمعنى أنها ليست عينه ولا مستلزمة له، لتعلق العلم بالواجب والجائز والمستحيل، وعدم تعلق الإرادة بالواجب والمستحيل وغايرت الإرادة الرضا، وهو قبول العمل والإثابة عليه، فالإرادة الكونية القدرية قد تتعلق بما لا يرضى به الله شرعاً (كالكفر الواقع من الكفار) فإن الله أراده بدليل وقوعه، ولم يرضه شرعاً، فإن الإرادة إما كونية قدرية، والمراد بها إبراز ما علمه الله كما علمه، وإما إرادة دينية شرعية أمرية، ويدخل فيها ما يحبه الله ويرضى به، ويثيب عليه.

    والإيمان بالقضاء والقدر يوجب الرضا به؛ لأن ما يأتي من الحبيب يأتي لحكمة والمؤمن يسلم لله قياده، والكفر والمعاصي مقضى بهما ومقدران، فلا يلزم من الإيمان بهما: (القضاء والقدر) الإيمان بالمقدر والمقضي، والمؤمن يعلم أن أفعال الله لا تخلو عن حكمة علمناها أو لم نعلمها، والاعتراض على الكافر والفاسق اكتسابه له. ولا يجوز الاحتجاج به لتبرير الأفعال المخالفة للشرع.

    وبعد: فالإيمان بالقضاء والقدر يوجب العمل المتواصل والسعي لما يظنه مصلحة محققة فإن أصاب العمل أمر ما أدى إلى فشله، فإن العامل يبقى على ثقة بأن قدر الله ماض نافذ.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت ...، ولكن قدر الله وما شاء فعل}.

    الرسول يريد من المسلم أن يفكر ويخطط ويدرس إيجابيات وسلبيات العمل الذي يريد القيام به قبل الإقدام عليه، فإذا ما قرر القيام بالأمر وعزم على إنجازه مضى ولم يتردد، قال الشاعر:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة             فإن فساد الرأي أن تترددا

    فأمر النبي بالحرص أمر بالاجتهاد والمبالغة في اتخاذ الاحتياط المباح؛ لأن حياتنا قائمة على الأسباب، وقد طابق قوله فعله، فقد اتخذ في أمر هجرته جميع الاحتياطات: من شراء المركوب وتأمين الدليل الذي يسير به إلى المدينة يرشده إلى الطريق الآمن، والتكتم الشديد في أمر الرحلة، وتكليف علي ابن عمه، أن ينام في فراشه ويؤدي الأمانات التي عنده لأهل مكة وأن يلحق به إلى المدينة يرافق أهله في طريق الهجرة وغيَّر الطريق، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام، وكلف الراعي أن يأتي بالغنم ليشرب رسول الله وأبو بكر اللبن، فإذا ما عاد ابن أبي بكر إلى مكة تبعه الراعي يمحو أثر الرجل فلا يعلم أحد به، كل هذا لتنجح الرحلة؛ لأنه عمل ما عليه مستعيناً بالله فتم له ما أراد، ووصل إلى مقصده سالماً آمناً لم تمتد إليه يد سوء.

    وفي غزوة أُحد شاور الصحابة ونزل على رأيهم، خرج من المدينة إلى أحد، رتب الجند وأوصاهم، ونصحهم وبشرهم أن الله معهم، ما صبروا واتقوا، وبدأت المعركة، وانتصر المقاتلون، وبدؤوا يجمعون الغنائم؛ لكنهم كانوا قصيري النظر ظنوا أن المعركة انتهت ولما تنتهي، وتأولوا قول النبي: لا تبرحوا مكانكم...، على أنه مادامت المعركة حامية؛ لذلك لما دعاهم ثانية للخروج خلف العدو ما تخلف منهم أحد فردوه خاسراً.

    خطأ في فهم الأمر النبوي، كان جزاؤه قتل سبعين من خيار الصحابة، وشج النبي وكسر رباعيته، ومع ذلك لم يحمِّل واحد منهم القضاء والقدر المسئولية، بل تحملوها راضين عالمين أن أفعال الله كلها خير، تمحص المؤمنين وتمحق الكافرين، ولما احتج المنافقون بالقدر تحداهم أن يدفعوا عن أنفسهم الموت، وأعلمهم أن ما علم الله أنه كائن لا بد أن يكون. وأن العباد يستقبلون قضاء الله بالاستسلام والتسليم وعدم الاعتراض، وتألم النبي من فعل أصحابه بطريقة لطيفة ساق الأمر بالتلطف معهم والرفق بهم مساق الخبر المتضمن الامتنان عليه، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) فأجبت ما طلبوا منك لما خصك الله به من الرحمة بهم والحنو عليهم، ثم أمره بثلاثة أوامر (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) هذه الأوامر خففت من الضيق الذي عاناه النبي بسبب مخالفة أصحابه له، لكن لا داعي لكل هذا الضيق، ما قضى الله عليهم نزل بهم، ويكفيهم وإذا كان نتيجة المشاورة ما حل بهم، فلا علاقة لهذا بها، فاقبل معذرة أصحابك وشاورهم واختر ما تراه حقاً، وتوكل على الله واطلب منه والجأ إليه فبيده الأمر كله.

والمفروض في المؤمن أن يعمل ويتقبل ما يأتيه من الله بنفس مطمئنة ترضى بقضاء الله وتقنع بعطائه وتخشاه حق خشيته، تصبر على البلاء وتشكر على النعمة، توقن أن الله خلق كل شيء بقدر فقدره تقديراً، وأن أفعال الله عطاءاً كانت أو منعاً، صحة أو سقماً، إخافة أو تأميناً، لا تخلو عن حكمة؛ لأنه الحكيم، والدنيا دار ابتلاء، يبتلي الخلق ليظهر فضل الصالحين وزيف المخادعين، فالعمل العمل المنتج البناء الذي يصلح البلاد، ويخفف عن العباد أعباء الحياة، فيعيش الناس في أمن وأمان؛ والله الموفق.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة