الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المجاهد يُقتل أو يَغلب 
سورة النساء   الآيات 69 - 71


   شرع الله الجهاد لحماية الناس من شر الناس، ولدفع الظلم عن خلق الله وإقامة العدل بينهم، ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة بناء المجتمع الفاضل الذي يعرف كل فرد من أفراده واجبه نحو نفسه ونحو الناس، والأمر بالمعروف يكون باليد ويكون باللسان ويكون بالقلب، وأهل الباطل يروجون باطلهم ويحرصون على نشره بين الناس يعمون به عليهم ليصرفوهم عن الحق ويوقعونهم في الغي والضلال؛ لذلك وجّه الله النداء إلى الذين آمنوا، لأنهم صدقوا الله ورسوله بألسنتهم واعتقدوا بقلوبهم وعملوا بمقتضى الإيمان، فكلفهم بالتيقظ والتنبه لما يراد بهم ولهم، ويحرسوا بلادهم فلا تمتد إليها يد العدو، يرابطون لحماية الوطن، فإن أحسوا من العدو خيانة أو تبييت غدر خرجوا لمقاتلته إما جماعات وهي ما يسمى بالسرايا أو خرجوا للجهاد جميعاً أي مجتمعين، ولما كان في الخروج للجهاد أحد رجلين: رجل يخرج لنصرة الحق والدفاع عنه طلباً لرضا الله والفوز بالجنة، ورجل ما خرج إلا طالباً للدنيا راغباً فيها، لا يخرج إلى الجهاد إلا متثاقلاً ينتظر نتيجة الخروج أهو النصر والغنيمة، أم هي المصيبة؟ فيحمد الله معتقداً أن الله يحبه؛ لأنه لم يحضر المعركة فسلم من الموت، وإن كانت الثانية حزن كثيراً وتحسر وتمنى أن لو كان حاضراً مع المجاهدين إذاً لغنم خيراً كثيراً. جعل من الدين، ومن أقدس عبادة فيه سبباً لتحصيل الدنيا الفانية، منتهى الجهل والحمق، أن يؤثر الفاني على الباقي.

    والمجاهد الحق هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وشرعه الحكم الفصل في حياة الناس كل الناس حتى لا يطغى الظلمة على الضعفة، لذلك أمر المخلصين لله المحبين لخلقه الحريصين على المصلحة العامة بالقتال مبتدئاً بالفاء (فليقاتل) ليبين أن القتال وسيلة لإنقاذ الناس من ظلم بعضهم، لا لمكسب ولا لمنصب؛ لأنهم باعوا الدنيا وتخلوا عن متاعها راجين الفوز في الآخرة، ثم وضع قاعدة كلية شرطية تبين أن المجاهد أحد رجلين: رجل انتصر على نفسه فحملها على ما تكره فنصره الله ومكنه من إقامة العدل في المجتمع، ورجل بذل نفسه ليبقى المنهج، ووعد الرجلين بقبول عملهما وإثابة الحي المنتصر حياة طيبة ملئوها التراحم والتعاون، وإثابة الآخرة نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع؛ لأنه صدق في قصده وتوجهه، فحقق الله له ما تمنى.

    ثم وجه الخطاب على طريق الاستفهام الإنكاري، كأنه يقول: ما يمنعكم من القتال في سبيل الله لنصرة للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين تسلط عليهم الظلمة وساموهم الخسف فرغبوا إلى الله أن لو يمكنهم من الفرار عن الظلم، والتجئوا إليه طالبين أن يهيء لهم من يرعاهم ويهتم بشئونهم وينصفهم من ظالمهم، فوظيفة المجاهد تأمين حياة كريمة للناس، يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم وعقولهم وأنسابهم وأعراضهم، يستطيعون في ظلالها أن يعبدوا الله مخلصين له الدين لا يساء إليهم، تؤمن لهم فيها الضروريات، فالمجاهد ما جاء وتحمل المشاق إلا ليحييهم ويعلي قدر المستضعفين، من هنا منع القرآن من قتل من لا يقاتل لتبقى للحياة قداستها وصفاؤها، ويسود التراحم المجتمع؛ وهذا ما نبه إليه حين عقد مقارنة بين القتالين: قتال الظلمة المتجبرين الذين يقاتلون ليتسلطوا على خلق الله فيقهروهم على ما لا يريدون، وقتال المجاهدين الذين يقاتلون ليردعوا الظالمين، فالأول كالسفاح الذي يجد لذة في قتل الناس، والثاني كالطبيب يداوي أمراض المجتمع، فشتان بين المفسد والمصلح، بين واهب الحياة الحرة الكريمة، وبين سالبها.

    والصراع بين الحق والباطل مستمر، ما كان الليل والنهار. من هنا أمر أولياءه بمقاتلة أولياء الشيطان وشجعهم على ذلك؛ فبين لهم أن كيد الشيطان كان ضعيفاً لأنه لا أساس عنده ولا ثمرة له، وما لا أساس له لا ينتج، وما لا ثمرة له عبث.

    وبين أن الخير والشر والموت والحياة بيده، يبلي خلقه بما شاء لحكمة يعلمها، ليظهر فضلاً، أو يعلي قدراً. فالابتلاء لا يخلو عن فائدة للمبتلى شهدها أو غابت عنه، ليثبت مطيعاً ويخزي عاصياً، والحياة وهبها الله ولم يعط لأحد حق سلبها، ولا حتى من وهبت له؛ فاللهم نور أبصارنا بنور القرآن.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة