الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

فقاتل في سبيل الله  



    القتال في سبيل الله لنصرة دين الله، لرفع الظلم عن خلق الله، لإقامة العدل بين الناس عبادة قديمة مارسها الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد ذكر القرآن قوماً من بني إسرائيل خرجوا من ديارهم حذر الموت فأماتهم الله ثم أحياهم، ما ذاك إلا ليعلمنا أن الموت والحياة بيد من يميت ويحيي، وأن المجاهد يموت بعمره الذي حدده له.

    ولما اعتدى الكفار على بني إسرائيل وهجّروهم من ديارهم وأموالهم دعوا إلى القتال فطلبوا من نبي لهم من بعد موسى أن يبعث الله إليهم ملكاً يترأس عليهم يقودهم في الجهاد لرد الأعداء عنهم، وبرروا طلبهم أنهم مخرجون من ديارهم وأموالهم، فلما أعلمهم أن الله بعث لهم طالوت ملكاً، أنكروا عليه هذا قائلين كيف يكون له الملك علينا ونحن أحق. إنها الأثرة التي تفرق الناس وتخرب البلاد، فأجاب النبي: الملك لله يختار له من يشاء، والملك يأتي هو بالمال إذا كان عالماً قوي الجسم والحجة، مؤيداً من الله بالنصر، والدليل أن يعيد إليكم التابوت الذي فقدتم، فيه تأنيس وتأمين وشيء من آثار آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إلى بيت طالوت، دليل واضح أن الله اختاره.

    فلما اجتمع الأمر لطالوت بدأ يعد العدة للجهاد بتدريب الجند على الصبر والانضباط الضروري للنجاح في أي معركة، وسقط الضعفاء عند أول تجربة، كانت قضية شاقة على النفس: أن ترى الماء البارد العذب وأنت مجهد عطشان يحترق جوفك من شدة العطش تتمنى أن تشرب النهر، فيأمر القائد أن لا تشرب إلا غرفة تأخذها بيدك، ويحدد عقوبة المخالف. لأمر قائد الجيش الخارج للقتال في سبيل الله. فالتزام الأمر دليل على الانضباط وصدق القصد والتوجه إلى الهدف الذي ما خرج من بيته إلا نصرة للحق، فالوصول إليه لا يتم إلا بالاتحاد والتعاون، فالجندي ملزم بطاعة القائد والالتزام بتنفيذ أوامره، ومضت القلة إلى الهدف، فلما بلغوه دب إلى نفوسهم الوهن وقالوا لا طاقة لنا بقتال جالوت وجنوده، فناداهم زملاؤهم المؤمنون إن وعد الله حق وأن النصر مع الصبر، قد نصر الله فئات قليلة على جماعات أكثر عدداً وعدة، المهم في الجهاد: الصبر والصدق والانضباط.

    وأخلص جند طالوت الالتجاء إلى الله وطلبوا منه أن يثبت أقدامهم على طريق الحق ويفرغ عليهم صبراً عظيماً فهزموا عدوهم بإذن الله، وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك والنبوة وعلمه مما يشاء.

    فكان شرع الجهاد في سبيل الله لإقامة العدل ومنع الظلم وردع الظالمين ليعيش الناس آمنين.

    ومضت الأيام وجاء الإسلام وبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام في أمة أمية متفرقة متنافرة تعبد الأصنام وتشرب الخمر وتتعامل بالربا ويعدو القوي على الضعيف، لكن كان عندهم حد أدنى من الأخلاق، تأمين أهل الحرم: قريش ومن اتصل بها أنى توجهوا، والحرم محترم، والشهر الحرام يأمن فيهما الناس على أنفسهم، لكنهم لم يؤمنوا بالآخرة ما أتاح لهم الفرصة في عمل ما يشاؤن دون حسيب ولا رقيب، وجاءت الدعوة تخالف ما ألفوا من عادات سيئة، فقام أهل الباطل يحاربون الحق ويَعْدون على المؤمنين الذين أجابوا الدعوة ووقفوا إلى جانب الحق ينشرونه وينصرونه، واستخدم الكفار في ذلك أساليب مختلفة، من الاضطهاد إلى المفاوضات فالحصار والتجويع إلى العزم على قتل النبي وتهجير المؤمنين، ثلاث عشرة سنة تعرّض فيها المؤمنون إلى أنواع من الإيذاء، وهم يُؤْمرون بالصبر والصفح والعفو، ومقابلة السيئة بالحسنة، ومن يطالع القرآن خاصة السور المكية منه، يعلم كيف ربى الله المؤمنين على مكارم الأخلاق وإقامة العدل في المجتمع عملياً حين تعرضوا لما تنوء الجبال بحمله فلم يثنهم ذلك عن نصرة الله، وهاجر النبي إلى المدينة، وأقام الدولة العادلة التي نشرت الفضيلة في المجتمع، وأذن الله للأمة المستضعفة بالجهاد، فبعد أن كان المسلمون مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس آواهم الله ونصرهم بالرعب، فقاوموا الظلم وأقاموا العدل وأمر الله نبيه بالقتال في سبيل الله فكان محمد أشجع نبي بعد هود الذي واجه قومه وتحداهم مجتمعين أن يدبروا أمرهم ويهجموا عليه هجمة رجل واحد بسرعة ودون انتظار، لأنه كان واثقاً بالله معتمداً عليه، ومحمد قال له ربه (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) إنه أشجع الخلق الذي قال في وصفه علي (رضي الله عنه) كنا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله.

    ما معنى أن يكلف النبي بمجاهدة الأعداء منفرداً ويكلفه بهذا التكليف الشاق، وهو الزاهد في الدنيا المقبل على الله. إن الإعداد للجهاد يرهب الأعداء ويخيفهم فيكسر شوكة الظلمة ويردعهم عن باطلهم ويخضعهم، (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) إذن القتال في سبيل الله له أصول يجب اتباعها وقواعد تحكم تصرفات المقاتل ليكون كالطبيب الجراح يستأصل الفاسد من أعضاء المجتمع ليحمي البلاد والعباد من شر الفاسدين المفسدين، الذين لا تردعهم الكلمة، ولا ينفع معهم النصح، الذين يقابلون الخير بالشر، والإحسان بالإساءة كما يفهم ذلك من تعليل الله الإذن بالجهاد بقوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) إن الناس إذا تركوا الجهاد فشا فيهم الظلم وتسلط عليهم الأعداء فأذلوهم ومنعوهم أبسط حق لهم أعني التفرغ لعبادة الله وتعظيم شعائره.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا ضن الناس بالدرهم والدينار وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر ورضوا بالزرع وتركوا الجهاد سلط الله عليهم ذلاً لا ينـزعه حتى يراجعوا دينهم} لكن للجهاد شروط تجب مراعاتها، وأصول يجب اتباعها ومقدمات لا بد منها، فالذي يعلن الجهاد الحاكم ولي الأمر بعد أن يبذل جهده في الإعداد له، فيؤمن للناس ما يحتاجون إليه من طعام ودواء ووسائل الحماية المختلفة وآلات الحرب ولا يبدأ عدوه بالقتال حتى يكون هو الباغي فيقاتله.

   
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فاصبروا} ولا يقاتل إلا من قاتل ولا يبدأ قتالاً إلا بعد الدعوة وتخيير العدو بين ثلاث أيتها أجابوا إليها كف عن قتالهم وقبل منهم، وكان النبي يوصي من يؤمره على سرية بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من الأجناد، ويحذره من الخيانة والغدر، وترويع الآمنين، وأن لا يقاتل الصبيان والنساء والرهبان والمرضى، هدفهم إقامة العدل ومنع الظلم، فلا يقاتلون إلا من منعهم من ذلك، وقد تجلى هذا في إجابة أحد الجنود وقد سئِل ما جاء بكم، أي لماذا جئتم إلينا؟ قال: جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الإنسان إلى عدل الإسلام، وقد رأينا ولمسنا تعفف الفاتحين المسلمين فلم تمتد أيديهم إلى خيرات البلاد ولا تسلطوا على أهلها، ولا استعبدوهم، بل كانوا أعواناً يحبون لأهل البلاد المفتوحة ما يحبون لأنفسهم ما دعاهم إلى الدخول في الدين الجديد والإقبال على تعلم اللغة العربية لغة القرآن والسنّة والفقه والأصول، ونبغ فيهم علماء عاملون نشروا الإسلام ونصروه ووضعوا الأسفار الكبيرة في علومه المختلفة، وكف الله بأس الذين كفروا عن المسلمين بدخولهم في دين الله أفواجاً ونصرتهم له بأموالهم وأنفسهم، وأنجز الله وعده فظهر الهدى ودين الحق على الدين كله وانتشر الإسلام في أرض الله وسمع به الخلق جميعاً؛ والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة