الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الأمانة 


  
      تنوعت الإشارة في القرآن إلى الموضوع المتناول في هذا المقال، فمرة أخبر عن عرضها على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وعلّل حمله فقال: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) لِمَ يكون حامل الأمانة ظلوماً جهولاً؟ ولم توعده هذا الوعيد الذي دلّل عليه وكأنه علة لعرض الأمانة على السموات والأرض والجبال وإشفاقها منها، وحمل الإنسان لها، ولمّا حمل الإنسان الأمانة أمره بأدائها فقال:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)
وأضاف إليها أثراً من آثارها ونتيجة من نتائج أدائها فقال: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) وأثنى على هذا العمل بأنه خير ما يؤمر به ويرغب فيه ويدعى إليه، لأن الآمر به مراقب للعاملين مطّلِع عليهم، قادر على إيصال الثواب إليهم، ونهى عن نقيضها فقال: (لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وبيّن أهم سببين لخيانة الأمانة فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) فذكر الداء والدواء.

    الخيانة والنفاق واحد، إلا أن الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة: الأمانة.

    الأمانة من الأمن وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف بأداء ما أوجب الله عليه؛ لأن فيه راحة الضمير بعدم الشعور بالتقصير، والخوف من الملامة، ولحوق العار به، وذلك لا يتم إلا بالعقل يعرف به ربه، ويعلم به أحكامه وحكمه، بالعقل استطاع الإنسان أن يتعلم ويقيم العدل ويعمل ما في طوق البشر عمله، به كرم الله بني آدم، وبه فضلوا على كثير مما خلق الله، به يُعقل الإنسان من السفه والعبث، ويُقام العدل، فإذا ما أهمل الإنسان عقله صار حاملاً الأمانة غير مؤد لها، ولو أدّاها ما كان حاملاً لها، فإهماله عقله جعله عاجزاً عن معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر، والهدى من الضلال من هنا وصف الله الإنسان الذي لم يؤدِّ ما ائتمن عليه بصفتين (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) فالظلوم صيغة مبالغة من (ظلم) وهو في أصل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، قال بعض الحكماء: الظلم ثلاثة:

1- ظلم بين الإنسان وبين الله – عز وجل – وأعظمه الشرك والكفر والنفاق، ومنه (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

2- ظلم بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ)
وقوله (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

 
3- ظلم بينه وبين نفسه.

    وهذه الثلاثة مرجعها إلى ظلم النفس، فالإنسان مؤتمن على نفسه فلا يحل له أن يعرضها إلى عقاب الله بمخالفة الأمر الإلهي بحمل الأمانة وعدم أدائها إلى أصحابها المستحقين لها.

ولنعد بعد إلى البحث في الآيات الثلاث:

    أما الآية الأولى فيخبر فيها أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، إن هذه المخلوقات على عظم جرمها أدت ما كلفها الله به وأطاعت الأمر، فالشمس تشرق ولا تسأل على من أشرقت، ينتفع بضوئها البر والفاجر والمطيع والعاصي، تؤدي ما كلفت به على أتم وجه، والأرض تنبت ولا تسأل لمن أنبتت، والجبال تثبت الأرض، فلا تحيد بالناس لها وظيفة أدتها تامة، والمخلوق الوحيد المتمرد حمل الأمانة ولم يؤدها، فلا الطالب يحرص على العلم ويُقبل عليه، ولا المدرس يبذل جهده ويستفرغ وسعه في التعليم: يقرب العلوم المختلفة بصورة جميلة وثوب أنيق تتجلى فيه عظمته ومهابته، ولا الموظف يأتي إلى عمله مبكراً، وإذا أتى يقرأ الجريدة ويشرب القهوة ويفطر، ويحادث زملاءه، ويتوضأ ويصلي الضحى ثم يذهب إلى صلاة الظهر مبكراً ويعود إلى العمل بعدها ليجمع أوراقه ويمضي إلى بيته ناعم البال هادئ النفس: حضر في الوقت المحدد وانصرف لكن لم يقدم للمؤسسة التي يعمل فيها شيئاً، والوظائف الدينية كما الوظائف المدنية، تعاني من ظلم العاملين فيها، لأنهم من الناس، أي ظلم أكبر من هذا، وأي جهل يفوق جهلهم؟ فإمام المسجد يجعل من المسجد مزرعة له يتصرف فيه تصرف المالمك بملكه يحدد الوقت الذي يفتح فيه المسجد، والوقت الذي يغلقه فيه، متى يقيم الصلاة، ويضع لنفسه القوانين على حجمه، فإن حاسبه من فوقه ثار واتهمه بأبشع الألفاظ وأبعدها عن الحق، (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) تأصل فيه الظلم وغشيه الجهل فلا يميز بين ما له وما عليه، فكان بحاجة إلى ردع وزجر: بالكلمة والوعيد الذي تنخلع له القلوب، لو كان للإنسان قلب يعقل، وترتعد له الفرائض لو كان المتصدي لتحمل المسئولية العامة يؤمن بالحساب والجزاء، ولم يكن لسان حاله يقول مستبعداً أيان يوم القيامة، ويوضح هذا (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) الذين أظهروا خلاف ما أضمروا وباعوا أنفسهم لغير الله فعرضوها لانتقامه (وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) لكن باب التوبة مفتوح مادام في العمر بقية، (وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) يتوب على المؤمنين لأنهم عملوا بمقتضى إيمانهم فأدوا الأمانات إلى أهلها ولم يحملوها، لم يظلموا ولم يغدروا، حفظوا جوارحهم فحكموا – كلما حكموا بين الناس – بالعدل: بالحجة الواضحة والأدلة الثابتة لم يطلقوا ألسنتهم وأيديهم في الآخرين، ولا اعتدوا على أملاكهم، يعرفون ما عليهم فيؤدونه كاملاً طيبة به أنفسهم، ولما كان حب المال رأس كل خطأ...

    حذر الله المؤمنين من حب المال حباً جماً ورغب الناس في إنفاقه فيما فيه مصلحة عامة، وبيّن أن المال وسيلة لإسعاد الناس لا لإشقائهم، وأن الابتلاء في هذه الدنيا كما يكون بالفقر يكون بالغنى، وأن الابتلاء في هذه الدنيا لإظهار شرف الصالحين وزيف المخادعين، وأن السبيل الأمثل لأداء الأمانة وترك الخيانة يتمثل بالإيمان بالله واليوم الآخر وما أعده الله لأهل طاعته.

 والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة