الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المال والمجتمع  



      كان المال السائد ذهباً مصكوكاً دنانير لها وزن محدد متفق عليه بين الدول الموجودة في ذلك الوقت، وفضة مصكوكة دراهم، لكل منها وزن معلوم متعارف عليه.

      وكان التجار إذا سافروا حملوا معهم أموالهم، يبيعون ويبتاعون، يداً بيد، وكانت الدول الموجودة يعترف بعضها ببعض، ويقبل بعضهم عملة بعض، ولما صك المسلمون الدينار راعوا هذه المعايير، ما جعل الروم والفرس يقبلون الدينار الإسلامي ويتعاملون به جنباً إلى جنب مع العملة المحلية، وبناءاً عليه منع الإسلام اتخاذ آنية الفضة والذهب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – منع المسلمين من الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، لأنهما كانا أثمان الأشياء وقيم المتلفات، فلو اتخذ الناس الذهب والفضة أواني يأكلون فيها ويشربون ويتوضئون لأورثهم ذلك كبراً وعجباً وكسر قلوب الفقراء وقلت السيولة بأيدي الناس، وشرط الفقهاء شروطاً تحمي المجتمع من التعامل بالربا بنوعية: ربا النسيئة أعني الزيادة في المال لأجل تأخر السداد، أو التأخير في دفع الثمن، وربا الفضل إذا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة متفاضلاً أو مقروناً أحد العوضين بشيء كمد عجوة ودينار بدينار، وأجروا الربا في النقدين: الذهب والفضة دون سائر المعادن والجواهر النفيسة، ولما اتخذ بعض الشعوب الفلوس: النقود من غير الذهب والفضة لم يسمحوا بدفعها في عقود المضاربة؛ لأن قيمتها غير ثابتة.

    ومضت الأيام وتغير الناس وفشا فيهم الطمع وحب المال فرغبوا فيه وحرصوا عليه، فابتدعوا العملة الورقية التي كان لها غطاء ذهبي أول الأمر موضوع في البنك الذي يصدر العملة الورقية كصك بالذهب  يتعهد فيه البنك بدفع القيمة ذهباً لحامل الصك، قالوا: إن الذهب ثقيل وهذه الأوراق أسهل في الحمل وأقل وزناً، واثقين بأنهم إذا أرادوا المقابل الذهبي حصلوا عليه بيسر من المؤسسة مصدرة الصك.

      ومضت الأيام واحتاجت الحكومات المصدرة للصكوك إلى المال، لكن لم يكن لديها ذهباً تضعه في مقابل ما تصدر من النقود الورقية، فاختفى التعهد بدفع القيمة الذهبية عن الصكوك، وصارت الصكوك تصدر بالعملة المحلية، ولما نشأ جيل من الناس معجب بالدول الأجنبية، يثقون بها أكثر من ثقتهم بدولتهم، فأقبلوا على عملة تلك البلاد التي أعجبوا بعملتها، فاشترى بعضهم الدولار الأميركي، وآخرون الين الياباني، وآخرون العملة الأوروبية، وهكذا قويت الدول الأجنبية بتجميع ذهب العالم لديها واختفائه من بلاد المسلمين، وتحولت الثروة القومية في بلاد المسلمين إلى أوراق تسمى نقوداً، ترتفع قيمتها في مقابل الذهب وتنخفض تبعاً لما يريده المصيطرون على ذهب العالم، وافتقر المسلمون بخروج الذهب والفضة من أيديهم واستيلاء البنوك الأجنبية عليه.

    ولما ظهر البترول في بلاد العرب لم يستطيعوا إنتاجه في بلادهم فاستعانوا بالدول الأجنبية تبحث عن الأماكن التي يوجد فيها، وكيفية تكريره واستخراج الأدوية وغيرها منه، إذ لم يكن في بلادهم متخصصون يعرفون كيف يفيدون من هذه الثروة القومية، فباعوها إلى الأجانب بأبخس الأثمان، واشتروا مشتقاتها بأغلى الأثمان إذ كانوا في حاجة إليها ليزدادوا رفاهية، وأراد الأجانب إفقار المسلمين، فزينوا لهم التعامل بالربا والمضاربة في الأسهم، وأخافوا الحكام من شعوبها، وزينوا لهم وضع أموالهم في البنوك الأجنبية، فصارت الأموال قولاً لهم، وفعلاً لا يستطيعون التصرف فيها إلا بموافقة الدولة التي قويت بذهب وبترول المسلمين فتحكمت بهم ومنعتهم من التصرف بأموالهم إلا بموافقتها، بحجة مكافحة الإرهاب ومكافحة تبييض الأموال وغيرها.

    هذا يدل على أهمية المال في حياة الأمة، فبمقدار ما يكون مال الأمة في يدها تكون قوية قادرة على تحقيق ما تريد: إنه الذهب والفضة والمعادن المختلفة حين تكون في اليد، ويكون القلب عامراً بالإيمان تُستخدم في بناء المصانع والمزارع المنتجة، والمدارس والجامعات التي ترعى الشباب وتهتم بهم تصوب مسارهم، ترشد أفكارهم، تقوم ما اعوج من أخلاقهم، تجمع المتفرق، وتؤلف بين المختلف، فينشأ جيل صالح يعمل في المزارع والمصانع، أو يعلم في الجامعات، أو باحثاً في أحد المراكز العلمية، فتقوى الأمة، فهل فعلنا؟.

     ضعف الدين في النفوس فأقبلت على المال تعبّ منه ما شاء الله لها أن تشرب، ثم إن الحروب محت الطبقة الوسطى فصار الناس: إما غني في القمة، أو فقير تحت خط الفقر، وكلاهما يبحث عن المال ويرغب فيه.

     ومضت الأيام ونشأ جيل لم يربه الوالدون، لانشغالهم في البحث عن المال، فتولى الإعلام تشويه فطرته، وغسل دماغه، فنشأ جيل هدفه الأسمى أن يكون ممثلاً أو مطرباً يرعى مستقبله في الفن: في الرسم والفنون الجميلة.

    نشأ الجيل الثاني فلم يجد مؤسسات ترعاه وتهتم به، ولا مصنعاً أو مزرعة يعمل فيها، فلا وجد المربي ولا وجد العمل، فوقع نهباً للجماعات والجمعيات فاستغلته في مصالحها، وجاءه المال، وهو لا يعرف قيمته؛ لأنه لم يتعب في تحصيله، فصرفه في اللهو واللعب والعبث، اشترى المحرمات والمفرقعات، فأفسد المال وأفسد البيئة، ولوث الهواء، وأحياناً أضر بالممتلكات، وحاكى غيره فكان منفعلاً لا فاعلاً، وسار نحو الأسوأ لما رأى غيره يطلق الرصاص في مناسبات، أطلق هو المدافع بالعيارات المختلفة فألحق الضرر بالأموال والأنفس والممتلكات سفهاً وعبثاً ففقد المجتمع ما به قوام الحياة، فعانى الناس ألم الفقر وذل الحاجة، وعرضوا أنفسهم لعقوبة الله بما كسبت أيديهم، فاحتاجوا إلى استيراد القمح والأرز، واللحم والثياب، والضروريات والتحسينيات والعطور، والمفرقعات والرصاص الذي نطلقه سفهاً وعبثاً، والمعادن التي نصنع منها التماثيل والجفان، وداوينا أنفسنا بالدين فخسرنا مرتين، فهل من توبة؟!.

    بالمال تقوم الأمم؛ لأنه الخير الذي فطر الإنسان على حبه، وحين يكون في اليد ينتفع به الناس، وحين تفرط الأمة به يطمع فيها عدوها، والله منح العرب والمسلمين خيري الدنيا: الذهب والمعادن، والدنيا والآخرة: القرآن الكريم، فهل من مقبل عليه متدبر لآياته يصلح به دينه ودنياه وآخرته؟ اللهمّ وفِّق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة