الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الصبر عند الصدمة الأولى  


   مر النبي – صلى الله عليه وسلم – بامرأة تبكي فقيدها في البقيع على حال يرثى لها فأشفق عليها وقال لها: اتقي الله واصبري واحتسبي، فالموت حق فعلام المبالغة في البكاء على الميت، وقد انتقل من دار إلى دار ومن حال إلى حال. وقول النبي فيه دعوة إلى الإيمان بالله والاستسلام لقضائه والرضى بأحكامه، وهذه المرأة كانت في حزن شديد على فقيدها، لم تبين الرواية مكانه منها أهو زوج بموته خرب بيتها، أم ابنها الذي فقدت بموته صبرها ما جعلها تذهل عن مخاطبة النبي – صلى الله عليه وسلم – فتجيبه: إليك عني فإنك خلو عن مصيبتي. وهذا الجواب فيه غلظة وجفاء يقبح بالعاقل الواعي أن يخاطب به من هو في درجته، فكيف بها توجهه إلى من فرض الله حبه وتعظيمه والتأدب معه وفي مخاطبته، ولا موجب لهذا الجفاء وهذه الغلظة، وخلق الرسول يأبى أن يرد الخطأ بالخطأ خاصة إذا لم ترج من الرد فائدة، القائل أمرأة أكل الحزن قلبها، فتركها النبي ومضى، وكان أحد الصحابة يرى عن بعد ما قال وقالت، فجاء إليها يريد أن يبين لها خطأها بطريقة تجعلها تندم وتسارع إلى طلب العفو من رسول الله، فقال لها – على طريق السؤال – ماذا قال لك رسول الله، قالت: أهو رسول الله؟! قال: نعم، قالت: لم أعرفه، ما أشد لطفه لقد عرفها أن من أساءت إجابته هو محمد رسول الله من فرض الله طاعته وحبه والتسليم له، فأحرجها دون أن يجرحها ما جعلها تسرع إليه تلتمس عفوه وتبدي عذرها أنها لم تعرفه عذر لا يغني ولا ينفع، أليس الأولى بها أن تتأدب مع محدثها كائن من كان فلا تقدم على عمل تندم عليه، إن الله وهب الإنسان ما يعقله عن السفه فيلجم تصرفاته غير اللائقة، فلا يقول إلا خيراً، ولا يعمل إلا صالحاً، ونهاه عن الغضب لأن الغضب يعمي البصيرة ويجعل الهوى يهوي به فيما لا يريد، لذلك أوصى النبي من طلب الوصية بعدم الغضب، وأمر الغضبان أن يغير من حاله، إن كان جالساً فليقف وإن كان واقفاً فليمشِ، وأمره أن يتوضأ ليذهب ما به، فالغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفيء النار، ومنع القاضي أن يحكم وهو غضبان مخافة أن يؤثر غضبه على حكمه فيجور فيه.

    وفي معنى الغضب: الحزن الشديد الذي يذهب بالعقل، من هنا قال لها رسول الله إنما الصبر عند الصدمة الأولى فالعاقل من يملك نفسه عند الغضب وعند الحزن، فلا يماري ولا يجاري، دائماً يضبط نفسه، يعد كلامه من عمله، يفعل ولا ينفعل، فأراد النبي أن يعلمها الصبر والأدب ومكارم الأخلاق بطريقة عملية، فهو ملك نفسه عندما أساءت المرأة، تركها ومضى، لم يقل شيئاً، كانت صدمة صبر عليها ليعلمها الصبر عند الصدمة الأولى، والصحابي سامع الحديث والذي علمها الصبر والأدب، بطريقة لطيفة جعلها تسرع إلى الاعتذار من النبي دون أن يسيء إليها أدنى إساءة، ولما وصلت بيت النبي ولم تجد عنده بواباً أدركت مقدار ما يتمتع به من تواضع.

    إن مجتمعاً يُنشَّأ على الصبر ومعرفة كل فرد من أفراده حق إخوانه عليه لجدير أن يقود العالم إلى العلا، ويُنْهِض البلاد من كبوتها، ويعيد إلى النفوس الصفاء والراحة، ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الأخلاق نتعلم منها كيف نبني مجتمعاً فاضلاً يتعاون أفراده على البر والتقوى ومنع الظلم والإثم والعدوان، مجتمع يأمر بالمعروف بمعروف وينهى عن المنكر بمعروف، يحترم أفراده بعضهم بعضاً يسع صدر الجميع الجميع، يتعاون الناس ويتناصحون ويتناصرون، بعضهم أولياء بعض، جسد واحد، وقلب واحد ويد واحدة: تبني وتسدد وتقارب؛ والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة