الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المعلم 


     إن أوجب الواجبات على الوالدين أن يختارا لابنهما المعلم المناسب الذي يأخذ بيده إلى مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، يوجهه ويرشده، يؤدبه ويعلمه، يكون صالحاً مستقيم الخلق، طيب الذكر حسن المعشر سوي الشخصية، ذا وجه واحد وقلب نظيف، يحب خلق الله ويحنو عليهم يعرف متى يقسو ومتى يلين، يبدأ بالأهم فالمهم.

     
والمدرسة الابتدائية هي أول مجتمع يعيش فيه الفتى خارج بيته فيجب بناؤها على أسس ثابتة من العلم والإيمان: اللذين يتيحان للعاملين مراقبة الله في القيام بواجباتهم نحو الأولاد بحسن العناية والرعاية لهم.

    يجب أن تكون المدرسة الابتدائية مؤسسة حقيقية يتعاون العاملون فيها بصدق وإخلاص لإنجاز العمل المكلفين بأدائه على أكمل وجه وأجمل صورة ما يجعل الأولاد يشعرون أنهم أسرة واحدة وعائلة واحدة يتألمون لألم أحدهم، ويسعدون لسعادته، فيعيشون المجتمع المثالي الذي تمناه العقلاء وحققه النبي محمد – صلى الله عليه وسلم -.

    إن الدين يضبط معاملات الناس بضوابط مبنية على دعائم ثابتة من المراقبة لله فيما يأتي ويذر الفرد، فلا يقول إلا خيراً ولا يعمل إلا خيراً، وبدونه يكون الإنسان متحللاً من القواعد والضوابط التي تضبط حركة الحياة، فنراه يسير على غير هدى، يتبع هواه فيهوى به.

     
إن مجتمعاً ينشأ على المحبة والتعاون والتناصح والتناصر جديراً أن يعيد إلى الحياة صفاءها ونضارتها لكن لا يكفي هذا، لأن الإنسان سريعاً ما ينسى فهو بحاجة إلى من يذكره لا على طريق التلقين والتحفيظ بل على طريق المحاورة والإفادة من العلوم التجريبية والطبيعية في تقوية إيمانه بالله خالق الكون وما فيه ومسبب الأسباب، ومعاملة الطالب في المرحلة المتوسطة والثانوية بحاجة إلى معلم صاحب خبرة ومهارة خاصة تؤهله للتعامل مع مراهق مرهف الحس، ثائر على واقعه، رافض كل ما يسمع، فمعلمه يجب أن يكون حليماً صبوراً ذا حجة قوية، وقدرة على الإقناع وحسن البيان في لطف وأدب.

    إن مرحلة المراهقة مرحلة خطيرة لها ما بعدها، فعلينا أن نتعامل معها بحذر وتيقظ حتى لا يكون المراهق لقمة سائغة للمتربصين بالمجتمع شراً يبثون فيه روح الفرقة والانهزام والتناحر.

    إن رفقة الشباب بقدر ما يكونون متحابين متعارفين يكونون أقدر على العمل المنتج البنّاء.

    وبعد المرحلة الثانوية تأتي الجامعة، تجمع ما تفرق وتقوي ما غرس ترشده وتسدده، فيجب الحرص على بنائها على أسس راسخة من العلم والتخطيط والبحث المعمق في الحاجات، وإنشاء كليات بعد دراسة الجدوى، ومعرفة الحاجات الحقيقية، بحيث يجد المتخرج عملاً يتفق وما اكتسبه من خبرة أثناء دراسته في الجامعة، ويجب أن يتمتع المدرس في الجامعة بسعة الأفق وغزارة المعلومات والتواضع والزهد، والقدرة على القيادة والتوجيه، سوي الشخصية، عامراً قلبه بالإيمان والإخلاص وحب طلابه كحب أولاده، وأن تكون الجامعة أو الجامعات خاضعة لسياسة الدولة التعليمية التي يشارك في وضعها العلماء من جميع الطوائف ويكون الهدف بناء المواطن الصالح الذي يحب بلاده ويحرص عليها، يهتم بمواطنيه لأن بصلاحهم تصلح الحياة، وترتفع رايتها وتكون قدوة لغيرها، ومثالاً يتبع. فهل فعلنا، وماذا كانت عاقبة فعلنا؟.

    سارعنا إلى الزواج في كثير من الأحيان، لم نترو فأخطأنا ثم لم نحسن تسمية أبنائنا ولا أحسنّا تربيتهم، أعطيناهم المال ولم نرع شئونهم كما يجب.

    تلقفهم المرئي فأفسد أخلاقهم وشوه تصرفاتهم ولوث فطرتهم، وأتمت "الغاردري" الدور في غفلة من الأهل، وفتك السوس في عقول الصبيان والمراهقين فصاروا لقمة سائغة للأحزاب والجماعات والجمعيات، فشحنت كل جماعة أتباعها على الجماعات الأخرى، فوصلوا إلى الجامعة متنافرين متعادين يتربص بعضهم ببعض، كل يحقد على صاحبه متأثراً بما نشيء عليه وغرس في نفسه، ولم يكن أستاذ الجامعة قادراً على جمع ما تفرق في المتوسطة والثانوية لأن الخرق اتسع على الراقع، وولاء المراهقين صار إلى شيوخهم وزعمائهم، يسمعون لهم ويقبلون قولهم، حتى لا يبالوا بأستاذهم.

    أضف إلى هذا انشغال كثير من أساتذة الجامعة بالعمل خارجها لتحصيل المال ينفقه على أولاده وشهواته، غافلين عن الله، تاركين أداء الأمانة التي كلف الله بأدائها لسان حالهم يقول: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا).

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة