الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الحكم بالحق 


قال تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) صّ:26 نداء لداود من الله رب العالمين يؤدبه (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً ) يقال خلف فلان فلاناً أي قام بالأمر عنه إما معه أو بعده، وقال تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) الزخرف:60 والخلافة النيابة عن غيره إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته وإما لعجزه وإما لتشريف المستخلف: قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) فاطر: ٣٩ وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) الأنعام:١٦٥ وقال تعالى: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ) هود:٥٧، والخلائف جمع خليفة وداود خلف من سبقه من الأنبياء وجعله الله إماماً يحرس الدين ويسوس الدنيا على أساسه، وأن يصير الإنسان ذا منصب عالي جعل له مشرفاً، وكل تشريف يتبعه تكليف من هنا رتب على التشريف تكليفاً (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ) هذه الفاء هي الفصيحة تفصح عن شرط مقدر مهما يكن من أمر (فَاحْكُمْ ...) إذا كنت راضياً أو ساخطاً (فَاحْكُمْ ...)، إن كنت مشغولاً أو لا (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ) والحق الثابت اللازم الذي عليه دليل، يسمع المدعي وأدلته، والمدعى عليه وإجابته وحجته، ويعمل عقله فيما يرى ويسمع، لماذا وجه إليه هذا الأمر ولماذا قال له: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى) والهوى نقيض الحق فهو متابعة للنفس فيما تحب وما تميل إليه النفس في أكثر الأحيان غي وضلال، وقد يكون إتباع الهوى تمسك بشدة في الطاعة والعبادة لكن قد يكون لهذا وذاك أثر سلبي على تارك الحق متبعا الهوى، لذلك دلل على الحكمة من النهي عن إتباع الهوى (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ثم أوعد الضالين عن سبيل الله بأشد العذاب (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) إن إتباع الهوى يعمي العين عن إبصار الحق، ويصم الآذان عن سماع الحق، ويبكم عن النطق بالحق وذلك يؤدي إلى الوقوع في المهالك ويسوق إلى العذاب المقيم. ما سبب ورود هذا النص ما وجه ربطه بما قبله وما بعده؟ كان العرب يحبون محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم في شبابه، كانوا يلقبونه بالأمين، ومن لازم الأمانة الصدق، فلما نبيء ودعاهم إلى عبادة الله وحده ونبذ ما كانوا يعبدون، لجأوا إلى عمه أبي طالب ليوقفه عند حده ويمنعه من التعرض لهم ولآلهتهم، وفي أحد المجالس قال لهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: كلمة واحدة يقولونها وأكف عنهم، قالوا: وعشر كلمات، فما هي، قال: قولوا: لا إله إلا الله، فرفضوا أن يقولوها وانصرفوا عنه مشككين بدعوته مشوهين صورته مبالغين في تحديه مما خصه الله تعالى في هذه السورة فواساه ربه بذكر قصة داود النبي القوي في دينه، القوي في عبادته، القوي في عمل يده، لكن القوة لا تكفي في إصلاح المجتمع وإقامة العدل. كان لداود عليه السلام يوم يعتزل فيه الناس ويوصد الأبواب ويمنع من الدخول عليه، لأي سبب، فأراد الله تعالى بسرد القصة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ويعلم كل من يقرأ القرآن من بعده أن العبادة ليست في صلاة أو خلوة يعتزل فيها الناس وأن يكون قادرا على كسب حاجته من المال فلا يحتاج إلى أحد، بل ثمة واجبات يجب عليه أن يؤديها وحقوق عليه أن يعطيها كاملة إلى أصحابها خاصة إذا كان رئيسا، قال تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) ص: ١٧ أي من تشكيك وطعن (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ) ص: ١٧ أي صاحب القوة وما قال فيه (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ● أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) سبأ: 10-11 أي اعمل دروعا محكمة الصنعة ساترة. وبعد أن وصفه بالقوة قال: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص: ١٧ أي كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ ● وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ● وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) صّ: 18-20 أي قويناه وثبتناه (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) أي القدرة على الفعل المناسب في الوقت، والحجة المقنعة الملزمة التي تنهي الخلاف، وتثبت الوفاق، ومن كان الناس في حاجة إليه لا يصح له اعتزالهم ولو متفرغاً للعبادة (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) النبأ هو الخبر الخطيرة الذي له ما بعده، والخصم المتخاصمان اللذان بحاجة إلى من يفصل بينهما، جاء الخصمان إلى داود فوجدا الأبواب مغلقة، حاولا الدخول فمنعهما الحرس فلم يجدا إلا أن يتسلقا السور العالي ويدخلا على (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ) ارتاع منهم وبدا على وجهه أثر قلقه (قَالُوا لا تَخَفْ) لا نريد بك شراً إنما نحن (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) وجئنا إليك واثقين بعدلك (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) بالعدل فأعط كل واحد منا حقه كاملاً ولا تمل لواحد فتفضله على أخيه، كن كما عهدناك عادلاً (وَلا تُشْطِطْ) أي لا تميل (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) أي دلنا على الطريق المستقيم: الحق الواضح، وبدأ أحدهما الكلام فقال: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) أي اجعلني راعياً لها مهتماً بها (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي غلبني بقوة حجته وواضح بيانه، كان على داود أن يسمع من الآخر وينظر في الأسباب التي دفعت الآخر إلى هذا الطلب العجيب لماذا يريد هذا العناء، أكان طامعاً في شريكه أم مشفقاً عليه، يريد أن يخفف عناء الاهتمام بهذه الشاة، لكن كان متسرعاً يريد أن ينهي الخلاف على أي وجه لذلك حكم دون أن يسأل (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) ثم أصدر حكماً كلياً يمكن أن يكون حجة عليه، فيه دليل على تقصيره (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ألا يجوز عقلاً أن يكون هذا الشريك من القليل: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ما أدراك أنه ظالم فحكمت بأنه ظلم أخاه بسؤال نعجة أخيه وكما جاء الخصمان بغتة اختفيا بغتة عندها أيقن داود أنه كان في موقف اختبار (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) أي عاملناه معاملة المختبر وأنه أخطأ حين تسرع في الحكم فتاب وأناب (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ) فجاء الأمر بالعدل في القول والفعل (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً ...) الآية التي بدأت البحث بها، فالمقصود الأول بالآية داود لأن السياق يدل عليه، فقبل الآية حديث عنه لكن إذا نظرنا إلى لفظ (خليفة) مع قوله (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة: ٣٠ فتعم جميع بني آدم كلاً في موقعه مصداق ذلك قوله (...كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ...) المائدة: ٨ فالخلق كل الخلق مأمورون الحكم بالحق في جميع الأوقات وفي جميع الأحوال، منهيون عن إتباع الهوى في القول والفعل لأن الهوى يعمي ويصم ويبكم، ولا يقوم المجتمع إلا على التحاور والتناصح، ويدل على عموم الآية قوله بعدها (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً) ص: ٢٧ الباطل نقيض الحق، وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه، ونظير هذه الآية قوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ● لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ● بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) الأنبياء: ١٦ - ١٨ إن الله خلق الخلق وكلفهم ليبتليهم فيثيب المطيع ويعاقب العاصي على ما جنت يداه بغير ذلك لا يقوم العدل فيتساوى البر والفاجر، والمطيع والعاصي، من هنا قال: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) وفي هذا جمع بين المتناقضات، والنقيضان لا يجتمعان، وما أدى إلى محال فهو محال، أضف إلى هذا أنه يؤدي إلى إبطال حكمة الله من خلق الكون، وإلى إنكار اليوم الآخر فيفقد الناس المنطق السليم الذي يحكم تصرفاتهم والشرع الحنيف الذي يبين الحقوق والواجبات. ولما جمع الله في القرآن والسنّة جميع ما يحتاج إليه الناس قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ص:٢٩ ففي القرآن القواعد التي يحتاج إليها الناس إلى يوم القيامة، وفي السنّة شرح وبيان لما تضمنه القرآن مما يحقق العدل المطلق، وليس من العدل في شيء الحكم على الغائب ولا الحكم على حاضر حتى يسمع منه، ومن يخالف ذلك فهو مستحق اللوم شرعاً، وما وقع فيه داود هو الحكم على المتهم قبل أن يسمع قوله وهذا هو خطأ داود وليس شيئاً غيره، والله أعلم. وصف الله القرآن بأنه مبارك إشارة إلى أنه كثير الخيرات عظيم الفوائد، لكن لا يجنيها إلا من سعى في طلبها وإلى ذلك أشار بقوله (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) فيفهموها ويعرفوا الله فيقبلوا عليه (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) لأن العقل هو آلة فهم القرآن وصاحبه منتفع به. والله أعلم.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة