الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أثر الطمع على المجتمع  


      إن المؤمن القوي بإيمانه لا يخاف الفقر لأن الله تكفل به، وقدّر الأرزاق، فلا يستطيع مخلوق منعه، المؤمن القوي بإيمانه يعلم أن العمر مقدر محدد لا يستطيع أحد مهما كان أن يزيد في العمر أو ينقص منه، المؤمن القوي بإيمانه لا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا إياه، ولا يحتمي إلا به، ولا يذل إلا له.

    وبناء عليه يجب على المكلف أن يقنع بما في يده، ولا ينظر إلى ما في يد غيره مهما كان حاله، لأنه يعلم أن الله يعطي ويمنع لحكمة يعلمها والعبد يرضيه ما يرضي مولاه، يعتز به، قال ابن عطاء الله الاسكندري: (ما بسقت أغضان ذل إلا على بذر طمع).

    بسقت أي طالت، ومنه ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) والبذر ما نبت منه الشيء، والمعنى: من ثبت طمعه طال ذله، فاستعار البذر للطمع لأنه أصل الذل، والذل غصنه لأنه فرعه، وطول ذلك باتصاله واتساعه، والمعنى: من طمع ذل على قدر طعمه، ومنه:

ترك المطامع للفتى شرف له  حتى إذا طمع الفتى ذل الشرف
   
لأن الطمع مقرون بثلاثة أشياء: التملق للمطموع فيه فاخطاؤه حسنات وأعماله لا تخلو من حكمة، واستشعار الخيبة عند الطلب أو سلطنة المعطي عند المساعدة، وبذل ماء الوجه عند المواجهة، مع ما ينضاف لذلك من أصله وفرعه.

    قال أبو بكر الوراق: لو قيل للطمع من أبوك؟ لقال: الشك في المقدور، ولو قيل له: ما حرفتك؟ لقال: اكتساب الذل، ولو قيل ما غايتك؟ لقال: الحرمان.

    وقال أبو العباس المرسي: الطمع ثلاثة أحرف كلها مجوفة، فصاحبه بطن كله لا يشبع أبداً. واصل الطمع وسببه والدافع إليه التوهم أعني التخيل والحسبان، قال ابن عطاء الله: (ما قادك شيء مثل الوهم) إن أصحاب النفوس الضعيفة إذا تخيلوا شيئاً أو ظنوه عملوا على السعي في تحقيقه فحصل لهم منه الطمع فوقعوا في الذل والحرمان والتعب ظاهراً وباطناً، قيل لولا الأطماع الكاذبة ما استعبد الأحرار بكل ما لا خطر له.

    فما يدعو إلى الطمع توهم النفع في المطموع فيه، وبذلك تحصل العبودية له، فمن غلب الوهم عليه نسي ما ينتهي إليه الطمع من النقص والدناءة، ومن ضعف لديه الوهم ذكر ما ينتهي إليه الطمع فانتفى عنه.

    قال ابن عطاء الله: (أنت حر مما أنت عليه آيس، وعبد لما أنت له طامع) لأن ما تطمع فيه تقبل عليه بكليتك، مقبل عليه بقلبك، تتشوف إليه وتجتهد في تحصيله وما أنت عنه آيس أنت عنه معرض بقلبك لا تلتفت إليه؛ قال بُنان الحمال:
     العبـد حـر مـا قنـع   والحـر عبـد مـا طمـع

    وقيل: إن العقاب يطير في مصاف عزه بحيث لا يرتقي طرف إلى مطاره، ولا تسمو الهمة إلى الوصول إليه، فيرى قطعة لحم معلقة على شبكة فينـزله الطمع من مطاره فيعلق بالشبكة جناحه فيصيده صبي يلعب به، فحين كان في عليائه كان عزيزاً حراً، فلما طمع في قطعة لحم ورغب فيها نزل إليها فقد حريته.

    فالعاقل يتفقد الورع من نفسه، ويتطهر من الطمع في الخلق، ذلك المرض الذي لا دواء له ولا مطهر منه، فلو تطهر المصاب بالطمع بسبعة أبحر ما طهر إلا باليأس من الخلق ورفع الهمة عنهم، والتوجه إلى المنعم المتفضل.

    قال الحسن البصري: فساد الدين الطمع وصلاح الدين الورع، فالورع يدعو من اتصف به إلى التحري في الأخذ من الناس، يعلم أنه مسئول عن ماله من أين أخذه، وفيما أنفقه، والقانع يرفع همته عن الخلق، فلا يذل لهم ولا يطمع فيهم؛ لأنه يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه؛ لأن علم الله سابق وحكمه ماضٍ، وإذا أخذ العالم من العامة المال ذل لهم وطمع فيهم فأداه ذلك إلى التساهل في الأحكام، وهذا يؤدي إلى فساد الدين؛ لأن الطمع يفقد ما جمع.

    اقتضت حكمة الله في عدم إسعاف الطامع، قال ابن عطاء الله (من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان) خص الله الناس بنعم لا تعد ولا تحصى توجب عليهم أن لا يلتفتوا إلى غيره ولا يتوجهوا إلا إليه؛ لأن إحسانه السابق واللاحق الذي لاطفه به، والذي لا غنى لمخلوق عنه، فإن لم يؤد حق هذه النعم سلط عليه البلايا والمحن حتى يعيده إلى الجادة ويقوِّم ما اعوج من سلوكه كرهاً إذ لم يرجع إليه طوعاً، فالبلايا والمحن لا تخلو عن حكمة.

    قال الشيخ أبو مدين شعيب بن الحسن الأندلسي: سنّته تعالى استدعاء العباد لطاعته بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته، فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء تأديباً، فبالمنع تدرك النعمة. وأصل هذا سلب النعم لفقد الشكر.

قال ابن عطاء: (من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها).
شكر النعمة يحقق: حفظها من الزوال، وزيادتها في الحال، وبركتها في المال، واتصال العبد بربه وهو صحيح معافى شاكر.

وعدم الشكر يؤذن بسلبها، وما يعقبه الحزن والندم.
  
 قيل: الشكر قيد للموجود وصيد للمفقود. وفي القرآن آيات تحض على الشكر وترغب فيه، والشكر فرح القلب بالمنعم يظهر أثره في الجوارح طاعة والتزاماً وصلاحاً، فشكر القلب علم بأن المنعم هو الله؛ وشكر اللسان بالثناء على المنعم، وشكر الجوارح استعمالها فيما خلقت له من طاعة.

والسلب إما ظاهر جلي أو جعلها سبباً للانتقام.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة