الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الوالدان 


   تعتبر الأسرة النواة الأولى لبناء المجتمع: بصلاحها صلاح المجتمع، وبقدر ما تكون العلاقة بين الزوجين قوية متماسكة كان المجتمع متماسكاً يفيض خيراً على أفراده.

    لذا يجب بناء الأسرة على أسس متينة من حسن الاختيار، وحسن الرعاية، تبدأ من اللحظة الأولى للتفكير في بناء الأسرة وإلى آخر العمر، فتكون نموذجاً يقتدي به الأبناء: فيسيرون سير آبائهم وأسلافهم.

    وبقدر ما يكون الاختيار مبنياً على أسس سليمة ومعايير صحيحة تكون المؤسسة متماسكة قوية، واختيار الزوجة هو المبدأ. فما الذي يدعو الرجل إلى الاختيار؟.

    بعض الرجال يرغب الزواج بالمرأة الغنية كثيرة المال ليكثر به ماله، فهل كثرة المال تحقق السعادة، وهل الغنى كثرة العرض أو غنى النفس، هل المال وسيلة أو غاية؟.

    ماذا لو كانت الزوجة غنية والزوج فقير يشتهي القرش ويحرص عليه، والزوجة الغنية بخيلة شحيحة فهل تستقيم الحياة لهما ويتمكنا من إقامة علاقة متماسكة؟.

    والمال عرض قابل للزوال، ماذا لو زال، هل يبقى زوجها الفقير على ودها، وما يكون حال زوجها الفقير؟.

    وبعض الرجال يرغب في الجميلة الفتية الحسناء، فهل الجمال يكفي في بناء علاقة دائمة، ماذا لو تقدمت بها السن، وهل ترى الجميلة نفسها كفئاً له تطيعه وتقنع به.

    وبعض الرجال يرغب الزواج بالحسيبة ذات النسب والحسب، فهل هذا يكفي في بناء المؤسسة الزوجية، وإذا رأت الزوجة الحسيبة أن زوجها غير كفء، فهل تطيعه وتقيم معه مؤسسة اجتماعية؟.

    لهذا حض النبي على اختيار ذات الدين وبيّن أنه إن لم يفعل افتقر وساء حاله، فقال: (فاظفر بذات الدين تربت يمينك، فذات الدين إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله).

    فإذا تم الاختيار على أساس الدين وبيّن لها ما يجب عليها وله، وعليه ولها، ليكونا على بينة من الأمر.

    فإذا حملت كان إلى جانبها يرعاها ويهتم بها ويصبر عليها؛ فإذا وضعت اختار له أولها اسماً جميلاً ذا معنى أوله تاريخ، ويؤذن له في أذنه اليمنى ويقيم في الأذن اليسرى، ليكون ذكر الله وتوحيده أول ما يسمع في هذه الحياة، يرعاه صغيراً ويتعاون مع أمه لينشأ نشأة متوازنة فإذا ما بلغ سن التمييز فليحفظه أو يحفظها القرآن ليعمر قلبه ويقيم لسانه ويصوب تفكيره، لأن الصغير صفحة بيضاء يكتب عليها ما يبقى معها إلى آخر يوم من ايام حياته، وإذا كان عقل الصغير لا يتسع لفهم القرآن، لكن غرس القرآن في عقله لابد أن يثمر خيراً.

    ويجب تعليم الصغير الصلاة بالقدوة أولاً، وبالدعوة باللسان ثانياً، ويفصل بين البنين والبنات في المضاجع، ويراعي في تربية كل ما يناسبه.

    وليحذر الآباء والأمهات إهمال رعاية أبنائهم في هذه السن المبكرة، لأن الطفل ينشأ على ما كان عوده والداه فعلى الوالدين أن يحسنا تعليمه وتوجيهه.

    يحسن بالوالدين تدريب أبنائهم وبناتهم على الالتقاء بالكبار تحت سمعهم وأبصارهم ليتدربوا على التعامل مع الكبار، ويحسن بالوالدين أن لا يفعلا ما يحرج الصغير أو الصغيرة إذا أخطئا، بل يحاولان إصلاح الخلل بلطف وهدوء، والتماس العذر للصغير وحسن توجيهه، وتجنب كسر نفسه بإشعاره أنه لا شأن له.

    ومن المفيد أن تسند إليه بعض الأعمال التي تتناسب وسنه وتكون بالترقي به من السهل إلى الأصعب لتتكامل خبراته ويصير قادراً على مواجهة أعباء الحياة بثقة نابعة عن علم وعمل.

    ويجمل بالوالدين أن يكونا على علاقة طيبة قائمة على الصدق والصراحة والاحترام، والتنازل عن بعض الحق تألفاً للصغير وإشعاره بمقدار ما له في نفس والديه من حب، فتبادل البنت أمها حباً والابن أباه مودة.

    كل ذلك مبني على الإيمان بالله واليوم الآخر، وطاعة الله ورسوله، أداء للحق ولأهله، لكن كيف يكون الزوجان على هذه الصفة؟ إنه المعلم: معلم الصغير، معلم المدرسة، أستاذ الجامعة؛ فإلى لقاء.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة