الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الأسرة والمجتمع 


     نظرت في أحوال الناس اليوم فرأيتهم مختلفين كثيري الكلام قليلي العمل، لا يدرون ما يريدون ولا ما يراد بهم ولا منهم، يختلف الأخ مع أخيه والابن مع أبيه والجار مع جاره، تراه هاديء المزاج وفجأة يثور ويفور بسبب ظاهر أو خفي، أو بدون سبب، وينشأ المشكل ويتطور ويتفاعل لماذا هذه الثورة والفورة والانفعال؟.

    تبدأ القصة مع الأسرة حال الطفولة حين لا يهتم الأهل بالأولاد ولا ينشئوهم تنشأة صالحة، يحب بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم لبعض، يربونهم على الإيمان والتفكير الحر، والنظر في الأمور بعين منفتحة وقلب واعٍ، يحفظونهم القرآن عن ظهر قلبٍ في سنٍ مبكرة لأن الصغير أقدر على الحفظ منه على الفهم والتحليل، بعض الأسر يستخف بالصغير، إذا تكلم سخروا منه، لا يسمحون له بإبداء رأي، ولا يأذنون له بالمشاركة في أي موضوع، ولو في أقرب الأمور إليه وطائفة تربي أبناءها على حب الذات وكراهية الآخرين، فينشأ فتيانهم على الأثرة وعدم الثقة بالآخرين، وطائفة هي ضحية الخلافات الأسرية، فالأم في جهة والأب في جهة، وكل يشحن الصبي على الآخر، والصبي لا خبرة له بالحياة ولا قدرة له على التمييز بين الحق والباطل، فينشأ معقداً ضعيف الشخصية لا رأي له. وطائفة تترك أولادها على هواها، لا تهتم بهم، الأب مشغول في طلب الرزق والأم منهمكة في حضور الدروس الدينية، ولا من يرعى الصغار ويهتم بهم.

    فإذا ما تركنا الأسرة إلى المرئي رأيناه مِعوَل هدم يشغل الصبيان فيما لا فائدة منه، ولا ثمرة له، ما الذي يقدمه المرئي لأبنائنا، أي جيل ينشيء بهذه القصص وتلك المسلسلات، إن المرئي يجب أن يبني المواطن الصالح الذي يحب بلاده ويحرص عليها، يحب مواطنيه وينصح لهم ويتعاون معهم، صالح في نفسه مصلح لغيره، سوي الشخصية، يعرف الحق بدليله يحرص عليه، ويدعو إليه، ينشره وينصره. نترك المرئي إلى المدرسة الابتدائية، ماذا يعلم أبناؤنا في المدارس الابتدائية، وعلى ما ينشئون، يقولون إنهم علمانيون لا يدرسون الدين أو تبشيريون تابعون للكنيسة، أو مدارس إسلامية وهي إحدى طائفتين: طائفة تربي النشأ على التعصب والتطرف والحقد على المخالف والتنفير عنه، والتمسك بما يقول الفقيه والالتزام به وحبه والمبالغة في طاعته حتى لكأنه ميت بين يدي غاسله، وطائفة تجعل من الدين وسيلة للوصول إلى الهدف، لا يعلمون القرآن الصبي حتى لا يتعقد، ولا يدرسون الدين حتى لا يقال عنهم كذا وكذا فهم متسامحون منفتحون على المخالف عكس الطائفة الأولى إلى حد لا يقبله عقل ولا تطمئن إليه نفس، من يُنَشأ هذه النشأة كيف يكون سلوكه؟.

    وإذا انتقلنا إلى الثانويات حصدنا ما زرعنا في الابتدائي والمتوسط، وأخذت الأحزاب والجمعيات شبابنا إلى حيث تريد ولا ما يعصم الشباب من الزلل ولا ما يجنبهم الخطأ فاجتالتهم الشياطين لأنهم غير محصنين نظروا إلى الناس في الدول الغربية والشرقية، فوجدوهم يعيشون حياة هانئة هادئة يتعاونون فيما فيه صلاحهم ونهضة مجتمعهم، كل يؤدي ما عليه للبلد فيسعد، وتسعد بلاده، جميعهم يؤدي واجبه قبل أن يطالب بحقه، وربما تنازل عن بعض حقه من أجل المصلحة العامة لأنهم علموا أن المجتمعات لا تقوم إلا على التعاون والتناصر والتناصح، بنوا المؤسسات التي تنهض بالمجتمع فترفع عن كاهل أفراده العنت والمشقة، تأخذ بيد الضعيف والفقير فتقيل عثرته، وتقيمه من كبوته فينهض عاملاًَ قوياً.

    رأى شبابنا حالهم وحال غيرهم فرغبوا أن يكونوا معهم فعكفوا على أبواب السفارات يطلبون الإذن بالدخول إلى تلك البلاد ليعيشوا في النعيم الذي صوره لهم الإعلام، لم يطلعوا على ما في تلك المجتمعات من الأمور السلبية، فلا روابط عائلية بين الأفراد ولا هدف أسمى يُسعى إليه ويُرغب فيه، للناس يومهم الذي هم فيه وغدهم بظهر الغيب، يأكلون ويلعبون ويعملون كأنهم آلات مبرمجة لكن بلا هدف أسمى.

    إن الله خلق الخلق فأحصاهم عدداً، وقسم الرزق فلم ينس أحداً، وخص المسلمين بخيري الدنيا والآخرة، فبلاد المسلمين ملئى بالمعادن، والماء عصب الحياة، وخصهم بالوحي المتلو وغيره، وسخر لهم ما في السموات والأرض وحضهم على العلم والعمل، وبنى الحياة على الأسباب فمن يعمل يحصد ثمرة عمله، في الدنيا رزقاً واسعاً ومكانة رفيعة، وفي الآخرة – إذا قصدها – ثواباً من الله، فالمسلم مكلف بعبادة الله، ويتحقق له ذلك بكل عمل يعمله يقصد به وجه الله وثوابه، فمفهوم العبادة في الإسلام يختلف عن غيره، إذ المطلوب من المسلم عمارة الأرض وإصلاحها، ولا يتم له ذلك إلا إذا أوجد أسرة صالحة تعرف ما تريد وما يراد بها ولها، ولا يكون ذلك إلا إذا راعينا صغارنا وواسينا كبارنا، وعملنا لما فيه المصلحة العامة، فالإصلاح يبدأ من القاعدة: من الأسرة: من الزوجة والأولاد، وهل المجتمع إلا أسر، فديننا الحنيف حضنا على العمل، وحذرنا من الزلل، دعانا إلى التحاب والتناصح والتعاون؛ (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ )، وللحديث بقية، والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة