الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

اجتهاد الحسين بن علي - رضي الله عنهما 


    حدث في ما مضى أمر كان له ما بعده، وما زال بعض المسلمين كلما أهل المحرم شرعوا يبكون الحسين بن علي عشرة ليالٍ متتالية؛ فما السبب الذي يحملهم على هذا؟.

    تعود قصة الحسين بن علي حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم لبنته فاطمة إلى أيام أول خلفاء بني أمية، وتبدأ القصة يوم رشح أول خلفاء بني أمية أمير المؤمنين معاوية ابنه، وأراد أن يأخذ له البيعة من الصحابة والتابعين فأبى أربعة من الصحابة أن يجيبوا معاوية إلى ما أراد وهم: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر – رضي الله عنهم – وبايعه أهل الأمصار غير هؤلاء، وليس من شرط صحة البيعة إجماع أهل الحل والعقد، بل يكفي أكثرهم، لأن المسلمين صححوا خلافة علي بن أبي طالب، مع أن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد وغيرهم لم يبايعوه، وعلى هذا تصح خلافة يزيد ولو لم يبايعه هؤلاء الأكابر الأعلام.

    كان هم يزيد وشغله الحصول على البيعة من أهل المدينة وخاصة من أولئِك الأعلام لما لهم من مكانة بين المسلمين، ولو أن يزيداً تركهم لكان خيراً له، فالبيعة صحيحة وتسير أمور الخلافة بشكل طبيعي، ولكن يزيد أراد أن يجبرهم على بيعته ليقوى بهم مركزه بين المسلمين، وربما خافهم أن ينازعوه الإمارة، فلما مات معاوية كتب إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة يحضه على الاجتهاد في إلزام الحسين وابن الزبير وابن عمر بالبيعة ليزيد، فلم يكن من ابن الزبير إلا أن ترك المدينة إلى مكة ليحتمي بالكعبة، ولحقه الحسين، وبدأ أهل الكوفة بالكتابة له وإرسال الرسل يدعونه أن يقدم عليهم ليبايعوه أميراً عليهم، فلما أكثروا عليه أرسل إليهم مسلم بن عقيل وأوصاه أن سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلي، فإن كان حقاً خرجنا إليهم، فلما كان في بعض الطريق كتب مسلم إلى الحسين يطلب منه إعفاءه من هذه المهمة الشاقة فلم يعفه، فسار إلى الكوفة حتى وصلها ونزل على أحد أهلها وبايعه أكثر من اثني عشر ألفاً، وشاع الخبر وعزل النعمان بن بشير من إمارة الكوفة ليؤمر عليها عبيد الله بن زياد أمير البصرة، وتحول مسلم إلى دار هانيء بن عروة المرادي، وكتب إلى الحسين يدعوه إلى الكوفة، لكن
عبيد الله بن زياد سرعان ما ظهر على الرجلين وقتلهما في 6/12/60.

    خرج الحسين من مكة في 5/12/60 ولم يسمع نصيحة المخلصين من الصحابة أقرانه، ولم يتعظ بما فعله أهل الكوفة بأبيه وأخيه، خرج إلى الكوفة دون الاستعداد اللازم، وخروجه على الحاكم بدون مبرر قوي، وممن حذره من الذهاب إلى الكوفة قبل الاستعداد التام؛ والتخطيط ودراسة الموضوع والتفكر في الجدوى من عمل كهذا لا تؤمن عواقبه أخوه محمد بن الحنفية، والمتأمل في نصيحته يدرك مقدار ما كان يتصف به من حكمة وبعد نظر وصدق مع أخيه المشفق عليه، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، ومما قاله في نصيحته: إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد لهذا: الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه. فشكره، وأثنى عليه، لكن لم يقبل منه بحجة أن ما قدر الله لابد أن يكون، أخذت برأيك أم لا. وعبد الله بن عباس ومما قال في نصيحته: أخبرني – رحمك الله – أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك، ويخالفوك، ويخذلوك... فوعده أن يستخير الله وينظر ما يكون.

    وجاءه من الغد فحذره من غدر عدوه، ونصحه أن لا يخرج إلى الكوفة إلا بعد التأكد من صدق أهلها، وأن لا يخرج بأهله إليها.

    وقول رجل من أهل العراق: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية، والقضاء بيد الله.

    وممن نصح الحسين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب نصحاً إيجابياً تمثل في تأمين الحسين، ووعداً بالبر والصلة من أمير مكة لبني أمية عمرو بن سعيد بن العاص في عهد مكتوب ومختوم، ووصل الكتاب إلى الحسين لكن لم يقبل أن يرجع معتذراً لهم برؤيا رآها لم يقصها على الرسولين الذين حملا كتاب سعيد بن العاص. وملخص كتاب سعيد بن العاص: ... فإن لك عندي الأمان، والصلة، والبر، وحسن الجوار لك، والله بذلك علي شهيد وكفيل ومراع ووكيل، والسلام عليك.

    وكتب الحسين إلى عبد الله بن جعفر: فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين، وقد دعوتَ إلى الأمان فخير الأمان أمان الله، وشكره على ما صنع، ولم يقبل نصحه، وممن نصح الحسين عبد الله بن الزبير، فلم يقبل. وممن نصح الحسين بعدم الذهاب إلى الكوفة الحر بن يزيد التميمي، وعبد الله بن مطيع الذي ذكر له بعض سلبيات خروجه إلى الكوفة، والتي تكشف عنها الواقع بعدها.

    والناظر في الأحداث يتبين له أن جمهور العقلاء في عصره نصحوا له وبالغوا في ذلك، نصيحة صدق وخير لو أن الحسين قبلها لحقق ما تمناه ورغب فيه، ولجنب نساءه وبنيه النظر إليه يقتل وهم عاجزون عن حمايته والدفاع عنه، لكن القلم يمسك عن نقد حفيد رسول الله حياءً، وستبقى كلمات أولئك الناصحين الصادقين دليلاً على صواب اجتهادهم وصدق لهجتهم. اجتهد الحسين واجتهدوا فظهر خطأ اجتهاده بما أحدثه من شق لعصا المسلمين، وجعل بأسهم بينهم، وطمع عدوهم فيهم، وكان أولئك القوم مصيبين لأن ما حذروه منه وقع فبان أنه قدر، وليرحم الله الحسين ويتجاوز عنه في اجتهاده، كاد الحسين أن يقبل نصيحة عبد الله بن مطيع لولا أن أخوة مسلم بن عقيل قالوا له: والله لا نرجع حتى نصيب ثأرنا من قتلة أخينا أو نقتل، فقال عندها الحسين: لا خير في الحياة بعدكم، فتابع السير فلقيه أوائل جيش عبيد الله بن زياد، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارساً ومئة راجل، وكان على جيش عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص فلم يكن إلى التفاهم من سبيل بين الطرفين؛ لأن أصحاب المصالح الخاصة في جيش ابن زياد والغوغائيين شرعوا في القتال، فلم يكن أمام الحسين إلا أن يقاتل مع أصحابه قتالاً بطولياً لقلة عدد من معه وكثرة من يواجهون، فكان قتال الحسين ومن معه قتال الأبطال عز نظيره، لكن الكثرة غلبت الشجاعة، فقتل الحسين ومن معه جميعاً وفيهم بضعة عشر رجلاً من أهل بيته، وكان قاتل الحسين هو شمر بن ذي الجوشن، وحمل أهل بيت الحسين ورأسه على ما قيل إلى يزيد – ويقال: إن يزيد لما وضع رأس الحسين بين يديه بكى، وأكرم أهل بيت الحسين وردهم إلى المدينة معززين مكرمين برعاية حرس حتى وصلوا سالمين.

    ولما بلغ أهل الحجاز قتل الحسين خلعوا بيعة يزيد، فأما عبد الله بن الزبير فسعى ليكون الخليفة في الحجاز والعراق، وقد تم له ما أراد بعد أن قمع يزيد ثورة أهل المدينة.
وبعد فلما حصل في المحرم سنة 61 هـ. آثار وفيه عبر:
1- شق جماعة المسلمين إلى طائفتين: مع الحسين وضده، ومع توالي الأيام اتسع الخرق على الراقع.
2- ثورة أهل المدينة وما حصل لهم وفيهم مما نسيته الطائفة الأولى التي وقفت مع الحسين في الظاهر تبكي عليه، فما أصاب أهل المدينة أشد وأعظم مما أصاب الحسين وأهل بيته.
3- خروج عبد الله بن الزبير في مكة ومبايعة أهل الحجاز والعراق له، وضرب الكعبة، وحصار أهل الشام لمكة، ولما مات يزيد 14/3/64. لم يبلغ محاصري الزبير الخبر إلا في ربيع الثاني 64، فلما بلغهم، التقى الحصين بن نمير بابن الزبير، وعرض عليه أن يبايعه وجند يزيد ثم يسير معه إلى الشام فإن من يظن نفسه أحق بالخلافة سيؤثر بها ابن الزبير، علماً أنه لم يكن ليزيد أبناء كبار يصلحون لهذا العمل، لكن ابن الزبير رفض الخروج من البيت الحرام الذي احتمى به. سار جند الشام إلى بلادهم وتركوا ابن الزبير والياً على الحجاز والعراق.
4- إن نجاح أي عمل مهما كان لا يتحقق إلا إذا بني على أسس ثابتة، وخطط له تخطيطاً محكماً، درس إيجابيات وسلبيات العمل، ونُظر إليه بعيون الآخرين، واثقاً بهم متعاوناً معهم، سامعاً لقولهم، ناظراً فيه بتجرد وهدوء نفس وتأنٍّ في القبول أو الرفض. همُّه النظر إلى المصلحة العامة بعيداً عن الهوى والتعصب لرأيه، وأن يكون الإصلاح مبنياً على قواعد ثابتة من الإيمان بالله والثقة به والاعتماد عليه، والاحتماء به، يحب الناس ويُقبل عليهم، يبادلهم الرأي والنصح، يتألم لألمهم ويسعد بسعادتهم.
5- كثير من الأباطيل علقت بقصص الصالحين، يجب مناقشتها علمياً، والحكم عليها بناءً على القواعد العلمية التي وضعها المحدثون لمعرفة الحديث الصحيح، والخبر المنقول أكان مقبولاً أو مردوداً، فإذا كان الحسين ومن معه من أهل بيته قد ماتوا، ومن بقي منهم صغار السن، فهل رووا ذلك؟ إن كان فلمن، وهل يعقل أن جيش يزيد هو الناقل؟.

    ما قصة الشيعة التوابين، ولو سلم جدلاً أن ما يروى من أخبار صحيح فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولا نسأل عما كانوا يعملون، والله وحده الحكم العدل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة