الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الهجرة عبرة 


      اختلفت أساليب محاربة قريش النبي وصحبه لصدهم عن الإيمان وإلجائهم إلى نبذ الإسلام، والانفضاض عن محمد عليه السلام، واستخدموا في ذلك أساليب متعددة منها التفنن في تعذيب من آمن لأنه آمن، حتى مات عدد منهم تحت التعذيب، وهاجر آخرون إلى الحبشة فراراً بدينهم، ومنها سياسة الإغراء بالمكاسب المادية من الزعامة، إلى الثروة الكبيرة، إلى الإغراء بالنساء، وكلها من مشتهيات الأنفس إليها تميل وفيها ترغب، ولما لم تنفع لجئوا إلى التجويع وكانت الصحيفة التي كتبت وعلقت في الكعبة تأكيداً على عزمهم تنفيذ ما فيها من مقاطعة مادية واجتماعية لبني هاشم وبني المطلب وألجئوهم إلى شعب أبي طالب يعانون الجوع حتى قيل: إنهم أكلوا أوراق الشجر, وتحمل هذا المسلمون والمشركون من بني هاشم وبني المطلب دخلوا معهم دخلوا الشعب وعاشوا معاً مناصرين النبي لا يمنع شرك من الوقوف مع الحق ونصرة المظلوم، وبذل المطعم ابن عدي وأخوه – لا يمنعهم اختلاف العقيدة – جهداً يذكر فيشكر في نقض الصحيفة حتى نقضت، وخرج المسلمون من الشعب مرضى نتيجة معاناتهم من الرطوبة والحرارة والجوع والمعاناة النفسية نتيجة ظلم الأقربين والمواطنين، وما إن خرجوا وقبل أن يتنسموا ريح الراحة والحرية حتى مات عم النبي أبو طالب وزوجه خديجة أم أولاده وصاحبه الوفي، فقد المعين داخل البيت بموت خديجة، والناصر خارج البيت عمه أبو طالب. وانتهزت قريش الفرصة فزادت في الإساءة إلى النبي وصحبه، وأصاب النبي ما يصيب البشر ففقد الأمل في إيمانهم، لكن لم يفقد الأمل في إيمان غيرهم.

    ذهب إلى الطائف يدعو سادته إلى الإيمان بالله ونصرة رسوله، فكانوا شراً من قريش سخروا منه وسلطوا عليه صبيانهم وسفهاءهم يطاردونه في شوارع الطائف ويضربونه بالحجارة حتى أدموا قدميه وألجئوه إلى أحد البساتين يحتمي به من شر أولئك السفهاء، ولجأ إلى الله القوي الغني يبثه شكواه ويستنـزل رحمته، (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس...) دعاء يبين مقدار ما كان يعاني النبي من ألم نفسي، صادر عن نفس ممتلئة إيماناً وثقة وصدق إلتجاء، وعاد إلى مكة وفي الطريق قام من الليل يصلي في قرية يقال لها نخلة بين الطائف ومكة، ومر الجن به فسمع القرآن وآمن بالله، وانطلقوا يدعون إلى الإيمان، دون أن يعلم بهم أو يدعوهم النبي لكن أخبره بهم الوحي، ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ● قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ● يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ● وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ).

    إن الفرج يأتي من الشدة وإذا لم يؤمن هؤلاء فإن غيرهم من خلق الله يسارع إلى الإيمان، وفي الآيات بشارة النبي أن الحق سيظهر وأن النصر آتٍ على يد قوم آخرين.

    عاد النبي إلى مكة متمتعاً بمعنويات عالية، يبحث عن مؤمنين من غير قريش، من وفود الحجاج القادمين إلى مكة، يعرض نفسه عليهم: يدعوهم إلى الإيمان، وأراد الله بأهل المدينة خيراً فآمن به ستة أول الأمر، وعادوا اثنا عشر في السنة الثانية، وطلبوا معلماً يدعو الناس، فأرسل معهم مصعب بن عمير، فعاد في العام الثالث ومعه خمسة وسبعون (ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان) بايعوا رسول الله على النصرة والتأييد وأن يحموه مما يحمون منه نساءهم وأولادهم، ووجد المسلمون أرضاً يأمنون فيها على دينهم فبدأوا بالهجرة جماعات ووحداناً، وفكر أبو بكر بالهجرة واستأذن النبي فأمره بالانتظار لعل الله يهيء له رفيقاً، فهم أبو بكر أن النبي عازم على الهجرة وأنه يمكن أن يكون رفيقه، فاشترى ناقتين وتعاقد مع دليل يرشدهم في طريق رحلتهم إلى المدينة، وحان الوقت صفر الخير، جاء النبي في وقت لم يكن يأتي فيه إلى بيت أبي بكر وأخبره أن قريشاً عزمت على قتل النبي وأن الله أذن له بالهجرة، فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله، قال الصحبة، فأخبر أبو بكر النبي بأنه قد اشترى ناقتين وأن للنبي واحدة فقال النبي بثمنها، قال أبو بكر: بثمنها.

    في أواخر صفر بدأ الاستعداد للرحلة المباركة: علي ربيب النبي وابن عمه وزوج ابنته ينام في الفراش النبوي على وعد من النبي: لا يصيبه ما يكره، يؤدي ما عند النبي من الأمانات إلى أهلها، ثم يلحق بالنبي رفقة أهله إلى المدينة، أسماء وأخوها يساعدان في إيصال الطعام والأخبار، الراعي يأتي بالغنم مساءً ليؤمن اللبن للنبي وصاحبه، فإذا رجع ابنا أبي بكر إلى مكة تبعهما الراعي بغنمه يمحي بها الأثر، الدليل غير المسلم يأتي إلى غار ثور بعد ثلاثة أيام، أربعة يعلمون تفاصيل الرحلة المباركة، وما تكلم أحد بشيء، شاركوا في إنجاح الرحلة كل واحد أدى ما كلف به بكل أمانة، وهذا يدل على أن التعاون والتناصر والتناصح والتخطيط والعمل على تنفيذ المخطط أساس النجاح وسبيل الفلاح بها ينهض المجتمع من كبوته.

    في الليلة التي اجتمع فيها الشباب على باب النبي ينتظرون خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد فيقتلونه ويضيع دمه في القبائل، فيقبل بنو هاشم بالدية وينتهي كل شيء.

    وخرج النبي والقوم قائمون على بابه سيوفهم بأيديهم فألقى التراب على رؤوسهم ومضى سالماً إلى ما يريد، ولما اقتحموا بيته ورأوا علياً في فراش النبي تركوه ولم يتعرضوا له بما يكره، وتتبع القوم الأثر ووصلوا إلى غار ثور لكن لم يظفروا برسول الله ووفى الله ورسوله ( إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما.

    وحان وقت الرحيل جاء الدليل بالناقتين وجاءت أسماء بالطعام ونسيت الحبل الذي تربط به الطعام على الناقة فقطعت نطاقها نصفين، فانتطقت بواحد وربطت الطعام بالثاني، فسميت ذات النطاقين.

    مضى الموكب إلى المدينة التي نورها الله بإقامة محمد فيها ولحق به سراقة بن مالك يريد الجائزة مئة من الإبل لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً، وحماه الله ثلاث مرات يغوص فرسه في الرمل حتى وصل صدر الفرس إلى الأرض، ودخلت أقدام سراقة في الأرض فنادى في الثالثة – وقد أيقن أنه هالك – الأمان يا محمد فأمنه، ووعده أنه لا يذيع خبره ولا يعين عليه، وعاد سراقة إلى مكة مؤمناً.

    إن الباحث في حديث الهجرة يعلم مقدار ما تحمل الصحابة من عناء لإيصال الحق إلى مستحقيه. وما أحاط به أبو بكر رسول الله من عناية يدل على مقدار محبة الأصحاب لنبيهم، مستعدين لفدائه بأنفسهم، ما حصل لسراقة يدل دلالة واضحة على قدرة الله التي لا يستطيع مقاومتها أحد، ويؤيد خبر حلب شاة أم معبد العجفاء لدليل آخر على القدرة المطلقة، وأن محمداً منصور لا يستطيع أحد أن يقاومه، وصدق الله: ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) حكمه مبرم وأمره ماض ونصره محقق.
   
    علم أهل المدينة بخروج النبي إليهم فاستعدوا لاستقباله، كان أهل قباء يخرجون إلى مشارف المدينة لملاقاة النبي والقيام بواجب إكرامه، وفي اليوم الذي وصل فيه خرج المسلمون كعادتهم فلما حميت عليهم الشمس دخلوا بيوتهم يحتمون من حرها، فما كان من يهودي يصلح نخله إلا أن ناداهم هذا جدكم قد جاء، فخرجوا لاستقباله، واجتمعوا حوله لا يدرون من محمد ومن أبو بكر، لأنه لم يكن للنبي لباس مميز ولا مجلس مميز ولما رأى أبو بكر الشمس تميل قام يحجبها عن رسول الله بثوب كان معه، عندها عرفوا من يطلبون فأقبلوا عليه يحيونه ويرحبون به فرحين مستبشرين، شرفت مدينتهم بمحمد رسول الله وخير خلق الله ليبني على أرضها خير مجتمع، ما هي إلا أيام أقامها في قباء أقام فيها أول مسجد أسس على التقوى من أول يوم، اجتمع فيه رجال يحبون أن يتطهروا، وفي اليوم الخامس تابع النبي سيره إلى المدينة ليؤسس فيها دولة تحكم البلاد وتسوس العباد وفق منهج إلاهي قائم على العدل المطلق والمساواة الحقيقية، فكان لابد وضع نظام يبين حقوق وواجبات المسلمين وغير المسلمين فيما عرف بـ الصحيفة، حدد فيها أساسيات لابد منها لإقامة المجتمع الفاضل، وبنى مسجده الذي اجتمع فيه المسلمون أمة واحدة، ولاؤها لله همها إصلاح الحياة وبناء المجتمع الفاضل.

وإذا كان لنا أن نلتمس من الهجرة النبوية العبر نجد أنها كثيرة منها:
1 - يجب على المسلم أن يهجر ما حرم الله من الأعمال والأخلاق، وأن يكون الولاء لله، والالتجاء إليه، والاعتماد عليه، وهو المتصرف في هذا العالم.

2 - إن الغلبة للحق والعدل في النهاية، وإن تخلل الحياة ضيق فإن ذلك من عزم الأمور، ومقاومة الباطل والانتصار عليه يكسب المرء سعادة ما مثلها.

3 - صلاح المجتمع لا يتحقق إلا بصلاح الأسرة، فهي نواة المجتمع بصلاحها يصلح، وباستقامتها يستقيم.

4 - لا ينهض المجتمع من كبوته إلا بالتخطيط والتعاون على تنفيذ ذلك بصدق وصبر وثبات.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة