الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

عجب ممن يهرب ويطلب 


   كان السلف يرحل طلباً للعلم الشرعي، يسمع الحديث ويكتبه ويضبطه ويحفظه وينقله إلى الناس علماً ينتفع به، وعملاً صالحاً يُدعى إليه، ويُرغب فيه. ولا يثمر العلم الشرعي مجتمعاً فاضلاً يعرف الحق ويدعو إليه، ينشره وينصره إلا إذا صاحبه الخُلُق الجميل وهذا الخلق يُلتمس من حِكَم هي نتاج فكر ونظر وتأمل.

    وإليك أيها القاريء حكمتان قالهما ابن عطاء الله الاسكندري، أولاهما: (العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء له معه، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

    الإنسان في جميع الأحوال محتاج إلى الله، أوجده من العدم، ورباه بالنعم من لدن أن كان نطفة من مني يمنى إلى أن صار رجلاً سوياً، هو في جميع أحواله محتاج إلى الله، لا غنى له عنه وبقاؤه لا يكون إلا بإبقاء الله له، وبعد انقضاء عمره بالغاً ما بلغ صائر إلى الله – جل وعز – فهل يصح منه بعد تلك النعم التي لا تحصى الإقبال على غيره؟.

    العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه (فما لا انفكاك له عنه: مولاه الذي تولاه ورباه ورعاه) ويطلب ما لا بقاء له معه (الخلق والدنيا اللذان إن لم يفارقهما في الحياة فارقهما بالموت) وسبب التعجب: أنه ترك المهم مع الاشتغال بالباطل، وإعراضه عن مولاه بما لا حقيقة له، وتركه ما لا غنى له عنه، وإقباله على ما لا بقاء له، وهذا من عمى البصيرة لأنه وضع الشيء في غير محله، وأتى به على غير وجهه، فقدم ما شأنه التأخير، وأخر ما حقه التقديم، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) والمعنى: لا تعمى الأبصار عما يعود على صاحبها بالضرر، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، لا تعمى الأبصار على الحقيقة، وإنما عماها ناتج عن عمى القلوب التي في الصدور، فالعمى في الحقيقة عمى القلوب، لأنه محل الإدراك. قال أبو الحسن الشاذلي: عمى البصيرة في ثلاثة أشياء: إرسال الجوارح في معاصي الله، والطمع في خلق الله، والتصنع بطاعة الله، إن الله وهب الإنسان الجوارح لتيسر له الحياة، فعليه المحافظة عليها واستعمالها في طاعة الله، وما خلقت له، فالنظر وسيلة الإدراك الحسي، به يتعرف الإنسان على ما حوله، ويكتشف الحق من الباطل، والخير من الشر، والصدق من الكذب، وما ينفعه مما يضره، والسمع وسيلة تعلم الكلام، وتلقي الأخبار والعقل يعقل من السفه، ويحكم اللسان فلا ينطق إلا خيراً، ولا يعمل إلا خيراً، وبهذه الحواس يتمكن المكلف من معرفة خالقه: واجب الوجود لذاته، ويتحبب إليه ويقبل بكليته عليه فينير بصيرته ويصوب مسيره، وتصبح العبادة منبع خير وصلاح واستقامة على المنهج، أما الذي يجعل العبادة وسيلة تقرب من الخلق: يرائي بها، ويتصنع فلا تزيده إلا بعداً عن الله.

    ويتمم ابن عطاء الله وصاياه بالإخلاص في التوجه إلى الله، وترك التوجه إلى غيره فقال يقبح فعله: (لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه).

    يقول: لا تنتقل من نفسك لمثلها: لا في طلب ذلك المثل ولا في الطلب منه، فإن فعلت كنت كحمار الرحى: (الطاحونة)، في سير دائم وتعب متصل من حيث خرج إلى ثَمَّ عاد، لا هو استراح ولا قطع مسافة، وهو يرى أنه في عمل يعود عليه بالنفع، من فقير خرج وإلى فقير توجه. وفائدة حمار الطاحونة لغيره، أما الحمار فما ناله إلا التعب وهو يظن أنه قطع مسافة وما قطع. حاله كمثل حال من يترك القوي الغني ويقبل على الضعيف الفقير العاجز، فلا حصل على الدنيا لأنها لا تدوم، ولا حصل على الآخرة لأنه لم يطلبها ولا عمل لها.

    (ولكن ارحل عن الأكوان إلى المكون) يعني لا تريد سواه، ولا تعرف في الدنيا والآخرة إلا إياه، فلا تطلب إلا هو، ولا تطلب إلا منه، لا تعمتد إلا عليه ولا تتوجه إلا إليه، قال أبو الحسن الشاذلي: قف بباب الواحد – لا لتفتح لك الأبواب – تفتح لك الأبواب، واخضع للملك الحق – لا لتخضع لك الرقاب – تخضع لك الرقاب. فمن أراد العز فليعتز بالله، ومن أراد الجاه فليطلبه من الله، ومن أراد القوة فليتقوَّ بالله، لكن لابد من الإخلاص لله فيما يأتي ويترك، لا يفعل ذلك إلا لله، يعني لا يتخذ التدين وسيلة لتحصيل الدنيا والعز، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)  وردت هذه الآية في سياق ذكر النعم التي أنعم بها على البشر، فأخبر أنه المالك للعالم وما فيه وأنه يعطي من شاء ما شاء، مادام فيه صلاحه، وأن جميع أفعاله تحقق مصلحة الخلق، فمن أراد شيئاً فليطلبه من مالكه، فهو القادر على الإعطاء.

    (إن إلى ربك المنتهى) فمنه المبدأ وإليه المرجع كيف لا وهو المبديء المعيد، الفعال لما يريد فالذي ترجوه من الخلق لا يتيسر إلا بتيسير الحق، فدع كلاً واتخذ مولاك صاحباً، مادمت مسافراً في هذه الحياة ذاكر دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم : (أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل)، وقوله: (إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية) لسان حالك يردد: لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك، والرغبة والعمل منك وإليك: أنت الموفق وأنت المثيب.

    وانظر إلى قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وأجراً، وفي ذلك دعوة لك أيها القاريء أن تهاجر إلى الله ورسوله فلا تتوجه إلى غيره ومن كان في سبيل الله تلفه، كان على الله خلفه، (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) ، حسب فقير ذليل يقع أجره على غني عزيز.
   
(ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) ذكر المرأة في الحديث لأنها المهم إذ هي سبب الحديث، فافهم قوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) دعوة إلى التفكر في الحديث حيث كرر إحدى الجمل دون الثانية تجد أنه كرر ذكر الله ورسوله اعتناء واهتماماً ولم يكرر الدنيا والمرأة تنفيراً للناس عن الاشتغال بالدنيا.

    كرر الأول تحقيقاً للثبوت والعظمة، وترك الأخير إلماحاً للنفي وعدم الجدوى. ومما يعين على طاعة الله صحبة صادق ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله، رجل رفع همته عن الخلائق، وامتلأ قلبه بمشاهدة الحقائق، قال أبو الحسن الشاذلي: لا تصحب من يؤثر نفسه عليك فإنه لئيم، ولا من يؤثرك على نفسه فإنه قلما يدوم، واصحب من إذا ذكر ذكر الله، فالله يغني به إذا شهد، وينوب عنه إذا غاب، ذكره نور القلوب، ومشاهدته مفاتيح الغيوب.

    وبعد: فإني أنتهز مواسم الأعياد وعودة الحجاج، وحلول مواسم الخير لأدعو إخواني وأبنائي إلى الإقبال على الله، والاعتزاز به، والاحتكام إليه، والتمسك بكتابه العزيز وسنة نبيه، وأن يعرفوا ما يريدون وما يراد بهم ولهم؛ والله الموفق. 

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة