الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أمة في رجل 


    قال تعالى: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ● شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ● وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)

    إبراهيم أبو الأنبياء به يعترف جميع الناس: المسلمون وأهل الكتاب وحتى العرب قبل الإسلام ما ذاك إلا لأنه اجتمع فيه خصال لا تجتمع إلا في أمة (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).

    ابتلاه ربه بكلمات: كلفه بتكاليف شاقة على النفس: كلفه أن يدعو أباه إلى الإيمان، وهذا أمر شاق عسير على النفس: أن يواجه أقرب الناس إليه وأحناهم عليه بما يكره، فبلغ أحسن ما يكون البلاغ، والناظر في الآيات 41-50 من سورة مريم يتبين له مقدار ما اتصف به إبراهيم من أدب جم وحكمة بالغة ومنطق سليم، فنداؤه لأبيه بـ يا أبت أربع مرات فيها رفق ورحمة واحترام، وسؤاله لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؛ بيان لأخص صفات الإله دون مواجهة، فالإله يتخذ ليدفع أو ينفع، وما لا يسمع لا يستطيع أن يجيب، وما لا يسمع ضرورة لا يتكلم، فكيف تعلم إرادته وكيف يفهم عنه أمره ونهيه، وما لا يبصر لا يستطيع التعرف على خفايا وخبايا خلقه، وما لا يسمع ولا يبصر عاجز لا ينفع ولا يدفع فهو عاجز عن حماية معبوده، ثم في النداء الثاني يدعوه إلى الإيمان بالنبوة التي هي  واسطة بين الله وخلقه وطلب إليه أن يؤمن بالله ويطيعه ولا يطيع غيره، ثم حذره اليوم الآخر:(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).

    ولما زجره أبوه وأوعده وطرده رد عليه بمنتهى الأدب (سلام عليك) دعا له بالسلامة ووعده أن يطلب له من الله المغفرة، وهنا يتجلى وصف الله له بالطاعة والإخلاص (قَانِتاً لِلَّهِ) هذه الفقرة لخصت آيات أمر الله فيها الناس يسر والديهم والإحسان إليهم والصبر عليهم، فالإصلاح يبدأ من الأسرة، ثم المجتمع.

    كان قوم إبراهيم أحد رجلين عابد الأصنام، وعابد الكوكب، بدأ المواجهة بعابدي الأصنام فاثبت لهم عجزها؛ أولا: بالدليل العقلي (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ● أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) ردوا عليه أنهم مقلدون ما يفعل آباؤهم، بيّن لهم صفات الإله الحق فذكرها على أنها صفات إلاهه وأن العقل لا يعترف بإله لا يخلق (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ● وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ● وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ● وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ● وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ).

    فالإله الحق يخلق ويرزق، يأمر وينهى، يبيّن للناس ما يحتاجون إليه من شرائع وعقائد، وتكليف وحساب وثواب أو عقاب، والأصنام التي يعبد قومه لا تملك منها شيئاً، فهل من دليل أوضح من هذا على بطلان أولوهيتها؟.

    لم يقنع قوم إبراهيم بالأدلة العقلية التي تبطل ألوهية الأصنام، فانتهز أول فرصة فعمد إلى آلهتهم فكسرها إلا كبيرها ومضى لشأنه، فلما عاد قومه من رحلتهم دخلوا المعبد فرأوا الأصنام مهشمة فقالوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ)، تذكروا حديث إبراهيم عنها واستدعوه ليسألوه، (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ● فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)  سلامة الفطرة أو تأثرها بما وقع لآلهتها من تدمير جعلهم ينظرون إلى الأصنام نظرة واقعية، متأثرين بالمفاجأة ثم عادوا إلى ضلالهم فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ)، هنا تنبه إبراهيم إلى دليل منتزع من الواقع فـ (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ● أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه عاجز عن أن يدفع عن غيره ولا يستطيع أن يلحق الضرر بغيره، وهذا يدرك بالبديهة فلا يحتاج إلى دليل لذلك ختم الآية (أَفَلا تَعْقِلُونَ) الهمزة داخلة على جملة فعلية هي المعطوف عليه، وتقدير الكلام أتعلمون أن العاجز لا يصلح أن يكون إلاها ثم تعبدونه فلا تعقلون، وقد كان قومه مصرين على باطلهم (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) العاجز يدفع عن العاجز والعابد ينصر معبوده، بدل أن ينصر المعبود عابديه، (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ● قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) الإله الحق ينصر عابديه ويدفع عن أوليائه فلا يسمح لأعدائه أن يسيئوا إليهم، أراد قوم إبراهيم إحراقه والتخلص منه وأوقدوا لذلك ناراً عظيمة وألقوه فيها فلم يُصَب بسوء، لم تحرق النار إلا الحبل الظالم، وخرج إبراهيم من النار سالماً غانماً معافى.

    لم يترك إبراهيم جدال قومه بعدما فعلوا به ما فعلوا بل عمد إلى أصل عبادتهم أو إلى طائفة من قومه كانوا يعبدون الكوكب فناظرهم في إبطال ألوهية الكوكب ليخلص من ذلك إلى إبطال ألوهية الأصنام، إذ كانت عبادة الكوكب هي الأصل وعبادة الأصنام تابعة لها ومبنية عليها، إذ أنها عبادة نشأت عن اعتقاد خاطيء (إن الله لا يعلم الجزئيات قبل وقوعها فخلق الكوكب يرصد حركات الناس ويعلمه) فتقرب الناس إلى الكوكب وبالغوا في ذلك حتى عبدوه من دون الله، وإنما كان تقربهم إليه أول الأمر رشوة لعله لا يخبر الله عن أعمالهم السيئة فينجون من عقابه، ولما رأوا الكوكب بعيداً عن الأرض قد يخفى عليه شيء من أمرهم اتخذوا الأصنام لتكون وسيلة إلى الله فعبدوا الأصنام لتقربهم إلى الله، وهذا ما نقله القرآن عنهم في مواضع منه، ويبدأ الحوار بين إبراهيم وقومه هذه المرة في الليل، فيرى كوكباً فيقول لقومه: (هَذَا رَبِّي) قال ذلك على طريقة العقلاء بناءً على قاعدة: (إذا أردت أن تنفي أمراً فافترض وجوده)، فلما غاب الكوكب قال: (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ، إن الإله يتخذ ليعين عابده إذا نابه شيء أو حلت به مصيبة، ومن يأتي ويذهب لا يصلح أن يكون إلاها فربما احتاج إليه عابده في غيبته، أضف إلى ذلك أنه مربوب لغيره لأنه ما ظهر ولا غاب إلا لأن فاعلاً مختاراً جاء به وأذهبه، فهو المستحق للعبادة لا الكوكب لكن إبراهيم لم يواجه القوم بهذه الحقيقة بل صبر، والصبر مفتاح الفرج، وقال في المرة الثانية لما رأى القمر بازغا، ثم أفل لم يُعِد ما قال أولا بل قال: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)  حكم عليهم أنهم ضالون دون أن يصرح وهذه طريقة حسنة في الدعوة، ولما غابت الشمس واجه قومه بالحقيقة التي لا شك فيها (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) فحكم عليهم صراحة أنهم مشركون وأنه مخالف لهم في شركهم، إنه متوجه بكليته إلى الله الخالق لهم ولآلهتهم المستحق وحده العبادة وحاجّه قومه فحجهم وغلبهم فبين أن الواجب الخوف من الله القوي الغني المعطي المانع، فهو وحده المؤمن لخلقه.

    كان إبراهيم يتمنى أن يكون له ولد يحمل اسمه ويرثه وجاء الولد وتعلق قلبه به، فأمره الله أن يبعده إلى مكة فأبعده لأنه كان مطيعاً لله، هواه ما يأمر الله به فيأتيه وما ينهى الله عنه فيجتنبه، لكن إبراهيم ظل على حبه لابنه: أخلص له الدعاء سائلاً الله أن يرفق بابنه ويهيء له حياة طيبة، دعاء الأب المحب المشفق الحاني، ولعله كان دائم الزيارة لابنه يتحسس أخباره، ويطمئن عليه، وشب الفتى وقارب البلوغ فأمر أن يذبحه، ما أشد هذا على أب تعلق قلبه بابنه الذي جاء بعد طول انتظار لكن إبراهيم عزم على تنفيذ الأمر بكل دقة، كيف وهو الرجل الذي اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يكون في أمة، وهو المطيع لله، ليس في قلبه غير الله حتى لكأن محبة الله خالطت شغاف قلبه، المائل بكليته إلى الله، المعرض عما سواه، اختاره الله على علم، وهداه إلى أقوم طريق واعترف بفضله القاسي والداني، وتشرف الخلق على اختلاف مذاهبهم بالانتساب إليه، ووهب الله إبراهيم ابناً باراً بأبيه مطيعاً له معيناً على الخير، واشتد البلاء على إبراهيم، فكان الفرج وكان الفداء بذبح عظيم وكان الثناء من رب العالمين.

    حين يكون الإنسان مع الله يكون الله معه: يفرج كربه، ويقيل عثرته، ويصوب مسيره، ويسدد خطاه، فالله هو المتصرف الوحيد في هذا الكون حكمه نافذ وأمره ماض، من توكل عليه كفاه، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.

    والحمد لله رب العالمين

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة