الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الصدق منجاة 


      قال الراغب في مفرداته: الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضياً كان أو مستقبلاً، وعداً كان أو غيره، والصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقاً تاماً، يتضح من هذا أن للكلام نسبتان: نسبة ذهنية اعتقادية ونسبة خارجية في الواقع ونفس الأمر، فإذا اتفقت النسبتان كان صدقاً، ولما كان قول المنافقين (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) قولاً صادراً من اللسان مخالفاً لمعتقدهم كان كذباً، والصديق من كثر منه الصدق، وقد يقال فيمن لا يكذب البتة وقيل بل يقال لمن صدق قوله واعتقاده وحقق ذلك بالفعل، ولما كان للإنسان قلب واحد وعقل واحد وجب أن تكون له شخصية واحدة في السر والعلن، من هنا دعا النبي إلى الصدق ورغب فيه وحض عليه، وحذر من الكذب ونفر منه ونهى عنه فقال: {عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً}، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) الذين طابق قولهم فعلهم ثلاثة تخلفوا عن غزوة غزاها النبي فلما عاد، جاؤوا إليه واعترفوا بخطئهم فأخرهم خمسين يوماً وأمر المسلمين بمقاطعتهم، فاثنان منهم اعتزلا الناس وجلسا في البيت، والثالث ما ترك الجماعة، كان يصلي في المسجد ويصبر على مقاطعة الناس له، وفي أوج الأزمة جاءته رسالة من الروم يدعونه إليهم ليكرموه فاعتبرها فتنة وألقى بها في التنور لتحترق فلا يبقى لها أثر، وضاقت عليهم الأرض وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا وأراد أحدهم أن يتخلى عن ماله الذي كان سبباً في خطئه فنهاه النبي عن ذلك، ثم أذن لهم بإخراج بعض أموالهم فالصدق أنجاهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    حب المال والاهتمام به منع قريشاً الإيمان وجعلهم يناصبون الرسول العداء لأنهم خافوا أن يفقدوا سلطاتهم إن آمنوا بالله، ولما ضاقوا بالدعوة ذرعاً لجئوا إلى عمه يتوسط لهم، طلب النبي أن يقولوا: (لا إله إلا الله) ويكف عنهم، رفضوا أن يقولوها لأنهم علموا أن لهذه الكلمة حقيقة وإلزام، لأن النطق بها يصيرهم مؤمنين، ويفقدون كل ما كان يأتيهم من مال وما يتمتعون به من جاه، وأوصى بعضهم بعضاً بالصبر على باطلهم والحرص عليه.

    ومضت الأيام وانتقل النبي إلى المدينة.. كان فيها رجل قد أعد ليكون أميراً على الأوس والخزرج، وما تأخر تأميره إلا ليعد له التاج الذي سيضعه على رأسه، وبمجيء النبي اجتمع الأوس والخزرج عليه، ولم تعد من حاجة إلى ملك، فما كان من الملك المنتظر إلا أن بادر بإعلان إيمانه وإخفاء كفره وعدائه للنبي، فكان مؤمناً في الظاهر يضمر الشر والعداء للمسلمين يتربص بهم لينقضّ عليهم، وجند أعواناً له يساعدونه على باطله ومازالوا يشككون ويثيرون الفتن والنبي يواجههم بالحزم والحلم إلى أن أخزاهم الله ونصره عليهم.

    صدق النبي: الصدق يهدي إلى البر، والبر كلمة جمعت الإسلام والإيمان والإحسان كما بينه قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ومن هذه صفاته حتماً يهدي إلى الجنة ويدعو إليها ويرغب فيها لأنه صالح مصلح، وإن الرغبة في الصدق، والحرص على المواظبة عليه وملازمته، يجعل الناس يثقون به ويقبلون قوله، واليوم عشية عيد الضحى في يوم فشا فيه الكذب حتى صار ملح الرجال، في أيام اشتدت فيها الحاجة إلى الصدق في الأقوال والأعمال، في هذه الأيام نتذكر أبا الأنبياء خليل الرحمن البر بأبيه يحسن عشرته ويحسن دعوته ويحسن فراقه، المطيع لربه المنفذ لأمره ولو بذبح ولده الوحيد الذي طالما تمناه ورغب فيه، (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ● وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ● إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ● وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) بر إبراهيم أباه فبره ابنه وكان عوناً له على طاعة الله، فطلب منه أن يضجعه على وجهه حتى لا يشفق عليه إذا نظر إلى وجهه فيتوقف عن ذبحه، فكان الله أرحم به، ففداه بذبح عظيم ذبحه فداء ابنه، من هنا شرعت الأضحية فداء عن الرجل وأهل بيته، ويختارها من أحسن ما يكون لسان حاله يقول: أنا على أتم الاستعداد لطاعتك وهذه الأضحية دليل على صدقي، وكلما مر الزمان وحل عيد الأضحى تذكر الناس إبراهيم الرسول الذي اجتمعت فيه خصال لا تجتمع إلا في أمة، المثال الذي يقتدى به في إقامة الحق والدعوة إليه، وتغيير المنكر والانقضاض عليه، إبراهيم الابن وإبراهيم الأب والنبي الصابر الصادق الذي استحق ثناء ربه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) وقال: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) وحقق الله رجاءه وأجاب دعاءه (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) وأي نجاة أكبر.

أما الكذبة والمكذبون فلا يزال يذكرون بأعمالهم السيئة عبرة وعظة عل الناس ينفرون عن الكذب ويقبلون على الصدق مع الله بطاعته والتزام أمره الصدق مع النفس بتهذيبها وإقامتها على المنهج الصدق مع الأبناء والبنات برعايتهم والعناية بهم إلى أن يبلغوا الرشد مواطنين عاملين للمصلحة العامة الصدق مع الناس: حسن التعامل معهم بالتناصح والتناصر.

    فاللهم وفقنا لطاعتك بصرنا بالحق وارزقنا إتباعه ونور أبصارنا؛ أنت ولي ذلك والقادر عليه.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة