الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

مواسم الخير 


      كلما دار الزمان وحل موسم الخير الموضوع للناس يغرفون منه، تذكرت حال المسلمين وتراجعهم لماذا يتقدم العالم ويتأخرون، وتجتمع الأمم ويتفرقون ويعانون وينعم العالم بخيرهم: الذهب والبترول والمعادن تؤخذ من بلادهم بأبخس الأثمان وتباع إليهم بأغلى سعر، العالم ينتج والمسلمون يشترون، الحضارة عندهم سيارة فارهة، وبيت فيه جميع وسائل الراحة، وأرقى أنواع الآلات وإذا تعطل جهاز ألقوه واشتروا آخر جديداً، ثيابهم القديمة تطرح وتستبدل بثياب جديدة، حياتهم لهو ولعب، كثيرون في بلادي يحج، ولا أثر له في الحياة والسلوك، من هنا رأيت أن أبحث في الحج، أسلط الضوء على ما فيه من آداب وأخلاق عسى أن يكون في ذلك عبرة وعظة لباحث عن الحق راغب فيه حريص عليه.

    يبدأ الحج بالإحرام من الميقات ليربى الناس على الخوف من الله وتقديم شرعه وأمره على أهوائهم ليكون قوله الفصل، وفي الإحرام تجرد عن المألوف عن المظاهر عن وسائل الترف والترفه؛ ذلك أن المحرم يتجرد عن المحيط والمخيط، ويكشف رأسه ورجليه إن كان رجلاً، ويمتنع عن قطع شعره وظفره، وعن استعمال وسائل الترفه من الطيب، أكلاً ومساً، وعن استعمال مرطبات الجلد، يريد أن يتجرد عن المظاهر المألوفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره، ليعلمهم أن ما يميز هو تقوى الله، والدليل عليها العمل الصالح الذي ينفع، فحين تصفو النفس يستقيم السلوك، يوحد الناس في المظهر ليوحدهم في المخبر، وفي الطواف الذي هو تعظيم لأمر الله والتجاء إليه إظهار للعبودية الحقة التي تنظر إلى الأفعال من خلال مطابقتها لأمر الله أو مخالفتها، فما وافق الأمر فهو حق واجب الإتباع وما خالف فلا يجوز فعله وطريقة الطواف: البيت إلى اليسار وجميع الطائف خارج الكعبة وسيره عكس عقارب الساعة في حركة دائرية تؤكد أن واجب المؤمن المطيع لله أن ينشر الخير ويقيم العدل في ثقة وثبات، يدور مع الحق ويقف إلى جانبه ينشره وينصره.

    وبعد الطواف سبعاً يبدأها من الحجر الأسود وينهيها به، يصلي خلف مقام إبراهيم باني الكعبة يتعلم منه: الثقة بالله والثبات على الحق وتغيير المنكر، وبذل جهد المكلف في تنفيذ الأمر الإلهي، ففي إبراهيم اجتمعت صفات أمة.

    بعدها يشرب من زمزم الماء المبارك، يشرب حتى يسري الماء في عروقه فإن المبالغة في شرب ماء زمزم تطهر القلب من جميع الأمراض: من الكبر والعجب والحسد والنفاق وسوء الأخلاق وتملأه من خشية الله وحكمته، وربما شفت من الأمراض العضوية إذا صدق الالتجاء لكن لا يذاع ذلك بين العامة حتى لا يتخذه الفسقة سبيلاً لتشكيك بعض الضعاف بدينهم، فقدر الله نافذ، وحكمه مبرم يفعل ما يشاء.

    ثم يتوجه إلى الصفا – جبل صغير قد أزيل أكثره وهو اليوم داخل المسجد – يقف عليه ويتوجه إلى الكعبة – المحجوبة بأعمدة المسجد – يرفع يديه يكبر الله ويلتجئ إليه مقتفياً أثر أم إسماعيل – المرأة الصالحة التي قالت لزوجها حين أخبرها أن الله أمره بتركها وابنها في هذا الوادي: إذن لا يضيعنا – يتذكر معاناتها ورضيعها حين فقدت الماء، ولا ماء إلا ما يأتي به المسافرون، فالتمست الركبان وعلت الصفا تحرك يديها عسى أن يراها ركب فينهض لنجدتها، ثم إلى المروة ففعلت فعلها على الصفا، وبعد أن سعت سبعة أشواط بين الصفا والمروة رأت عن بعد شيئاً لم تتبينه عند قدمي طفلها فأسرعت إليه، فوجدت الماء الذي تطلب حيث لم تظن فأغاثها الله وحقق قولها: (لا يضيعنا)، يتذكر الساعي بين الصفا والمروة إسماعيل وأمه وإنقاذ الله لهما، وكيف أن الله حول وادٍ غير ذي زرْع إلى بلد آمن يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه، فتزداد ثقته بالله واعتماده عليه.

    وبعد أن يُتم الأشواط السبعة تتم بها عمرته، فإن كان متمتعاً جاز له أن يحلق أو يقصر ويتمتع بما كان مُحَرَّماً على المحرم في البلد الحرام، وإن كان مُفْرِداً بقي على إحرامه إلى أن ينزل من عرفات، والمفرد هو الذي يحرم بحج فيبقى على إحرامه وكذلك المحرم بالحج والعمرة معاً ما يسمى بالقارن يبقى محرماً إلى ما بعد عرفات، وبعد السعي يعودان إلى التلبية لأنهما متلبسين بالعبادة ويتعهدان: بالإجابة بعد الإجابة لأن الداعي مالك الملك ذي النعم ومستحق الحمد الإله الواحد الذي لا شريك له.

    وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم المتمتع بالحج وينطلق هو والقارن والمفرد إلى منى بعد صلاة الفجر ليصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصر الرباعية فيصليها اثنتين ليتفرغ للدعاء، فإذا صلى الصبح مشى إلى عرفات، وهي المرحلة الثانية: يُعلم الناس التخطيط وتقسيم العمل، وإنجازه شيئاً بعد شيء، يبقى الحاج يقظاً يراقب الله فيما يأتي ويذر، والمرحلة الثالثة إلى عرفات، وفي عرفات يتعرف الحجاج على بعض، وتذوب الفوارق بينهم، دعاؤهم واحد توحيداً عملياً لهم ليصيروا أمة واحدة تلتزم المنهج، إليه تدعو، وإياه تنصر، فلعرفات وقت يجب الالتزام به، وإهماله يضيِّع، وبعد المغرب ينطلق إلى المزدلفة المرحلة الرابعة ليبيت الحاج فيها إلى الفجر، يترك مألوفه يشعر بألم من لا يجد بيتاً يؤويه تغرس في قلبه مراقبة الله بعيداً عن نظر الناس إليه، والمرحلة الخامسة إلى منى مرة ثانية ليرمي جمرة العقبة يلقي حجراً على حجر طاعة للرحمن ورجماً للشيطان وحزبه، عبادة غير معقولة المعنى تربي على الطاعة المطلقة لله، وفي منى ذبح الهدي طاعة لله واستعداداً من الحاج لبذل نفسه وماله في سبيل الله ليكون الأمر له والالتجاء إليه والثقة به. وفي منى الحلق للرجال أو التقصير للرجال والنساء إزالة للأوساخ الظاهرة، وكله أمل أن يتطهر قلبه، والمرحلة السادسة عودة إلى الحرم لطواف الإفاضة طواف الحج، وسعي الحج إن لم يكن قدمه أو كان متمتعاً أحرم بالحج يوم التروية ثم العودة ثالثة إلى منى في المرحلة السابعة يتمم حجه، يتذاكر وإخوانه في شئونهم وشجونهم، ويبحثون عن حل لمشاكلهم، يومين أو ثلاثة يرمي كل يوم الجمرات الثلاث كل واحدة بسبع حصيات، ثم يعود إلى الحرم فيطوف مودعاً بيت الله الحرام ويمضي راشداً إلى بلده، قد استقام حاله وصلحت أعماله، يصدق فيه قول النبي {من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه}؛ أو كما قال.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة