الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وصية 


قال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} (سورة فاطر/ 27-28). الهمزة للاستفهام ولم للنفي، فإذا اجتمع النفي والاستفهام صار تقريراً، والرؤية قلبية بمعنى العلم، وكأني به يخبرهم عن علم قطعي يقيني يدرك بالحس والمشاهدة، والعلم المبني على الحس لا يمكن إنكاره، هل يستطيع أحد أن ينكر أن الله هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها: زروع وثمار وفواكه وحبوب وغير ذلك، الماء نزل من السماء على التراب، الماء واحد والتراب واحد والثمار والزروع أشكال مختلفة تدل على فاعل مختار، وتدل على قدرته. خلق جبالاً ذات ألوان مختلفة: بيض وحمر وسود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، وفي هذا دعوة إلى النظر والبحث والتفكر، وهذه آلات التعلم فكان في ذلك حض على العمل بما علم، فأورثه ذلك خشية الله في السر والعلن فانتفع بما علم، فانبسط في صدره شعاع العلم فاستنار القلب وكشف عنه قناعه الذي يمنعه معرفة الحق، فصفت نفسه وعم المجتمع خيره، فذل لله وحده وصفح عن إساءة الخلق لأنهم مثله يحتاجون إلى عفو الله فيعفو عنهم ليحظى بمغفرة الغفور. قال أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري: (العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف به عن القلب قناعه). العلم نقيض الجهل، وهو ملكة يعرف بها الإنسان الأشياء على حقيقتها، ويكفيه شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، والعلم خير من المال، لأن المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال ينقص على الإنفاق، والعلم يزيد. وميز الله الإنسان عن سائر المخلوقات بأشياء كثيرة يأتي في مقدمتها، وهو أهمها العقل به يميز بين الخير والشر، والهدى والضلال، بين ما ينفع وما يضر، وحجب العقل في داخل الإنسان وأمده بآلات توصل إليه المعلومات: السمع والبصر، ويعمل عقله فيما يسمع ويرى ويصدر الأحكام المناسبة، والعقل السليم في شوق مستمر وبحث دائم وسعي إلى الأفضل والأحسن فإذا ما استفاد مما يرى ويسمع علماً نافعاً له أو لغيره ينتفع به فيجلب الخير لنفسه أو لغيره أو يدفع الضرّ عن نفسه أو عن غيره سُرّ وشعر بسعادة فانعكس ذلك نوراً ينبسط في الصدر شعاعه فيمحو من صدره ظلمات الجهل، والحقد، والحسد والعجب والكبر، لأنه يدرك أنه مخلوق فقير ضعيف عاجز، وأن له رباً غنياً قوياً قادراً فيلجأ إليه ويحتمي به، فيدخل في جماعة المؤمنين العاملين، ويعلم أنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بفضل الله وتوفيقه وأنه واحد من الناس يؤلمه ما يؤلمهم ويسعده ما يسعدهم فيأتي من الأعمال الحسن لأن ما فيه من خير يعود عليه، ويجتنب من الأعمال السييء ليسلم من ضرره فهذا هو العلم النافع. أما إذا طلب بعلمه الدنيا وحرص عليها أظلم قلبه ولم ينتفع بما علم لأنه جعل العلم وسيلة لتحصيل الدنيا فخسر الدنيا والآخرة، قال تعالى: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى}، أمر الله محمداً أن لا يلتفت إلى من لم يهتم بالقرآن فيقبل على تعلم علمه والتأدب بأدبه لأنه لم يرد بعلمه إلا الحياة الدنيا يسعى إلى تحصيلها فعلمه قاصر وسعيه خاسر، لأنه علم لم تصحبه خشية الله والخوف من عذابه والطمع في ثوابه، قال ابن عطاء الله: (خير العلم ما كانت الخشية معه) لأنه مصحوب بمعرفة الله، دال على العبودية له، و(أل) في العلم للاستغراق فشمل جميع العلوم فيدخل فيه علم الدين لأن به صلاح النفس وبصلاحها صلاح المجتمع، وعلم الدنيا لأن الدنيا إذا صلحت صلحت بصلاحها الآخرة: لأن من لا أول له لا آخر له ولأن الأمة القائدة للناس في عقيدتهم يجب أن تكون قائدة للناس في دنياهم، أدرك هذه الحقيقة سلف الأمة فكانوا مبرزين في علوم الشريعة كما كانوا مبرزين في علوم الدنيا؛ قال ابن عطاء الله: (العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا فعليك) أي فلك أجره وثوابه، نفعه وفائدته لأن الخشية تحجز عن المعصية والقبائح، وتدعو إلى المحاسن والمصالح، ولأن الخشية توجب التحقيق في التحصيل، والنصح في التوصيل، والإنصاف في المذاكرة، ولأن الخشية تحمل على طلب الآخرة، وإرادة وجه الله بالعلم في جميع وجوهه، وإلا فعليك إثمه وعقابه، لأنه بفقد الخشية ينتفي ما تحققه من مصالح وعلم السلف صحبته الخشية فكان لهم أجره وثوابه. والله أعلم.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة