الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

محمدٌ رسول الله  
سورة الأحزاب   الآيات 40 - 58


ذكر فيما سبق أن محمداً صلى الله عليه وسلم لقّب أباً لزيد ابن حارثة، وهذا يعني حرمة زوجته على أبيه، لقوله تعالى:(وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)، ولما كان زيدٌ ليس من صلب النبي فلا تكون زوجته محرمة على النبي، لذلك قرر ما سبق فقال:(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فليس محمد صلى الله عليه وسلم هو والد زيد حتى يحرم الله عليه نكاح زوجته إذا طلقها، ولكنه رسول الله إلى الناس كافة وخاتم النبيين فلا نبي بعده، وكان الله بكل شيء عليماً لا يخفى عليه شيء من أمر عباده في أي زمان ولا في أي مكان، ولما أثبت أن محمداً رسول الله وخاتم النبيين ناسب أن يدعو الناس إلى ذكر الله والتقرب منه بشتى أنواع التقرب فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا*وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا*هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا*تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) نادى الله المؤمنين الذين آمنوا بالله إلهاً واحداً وبمحمد صلى الله عليه وسلم خاتماً للنبيين وعملوا بما شرعه الله لهم، فأمرهم أن يذكروا الله ذكراً كثيراً بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، وأمرهم أن ينزهوه بالتسبيح والتهليل أول النهار وآخره، لفضل هذين الوقتين على غيرهما، فأول النهار يذكر بالبعث وبالحياة الأخرى، وآخره يذكر بالموت الذي هو نهاية الحياة الأولى، لأن الله وحده هو الذي يرحم عباده ويثني عليهم، وتدعوا لهم ملائكته بالتوفيق والتسديد والتيسير ليخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والنفاق إلى نور العلم والإيمان والتقوى، وكان بالمؤمنين يوم القيامة رحيماً فلا يعذبهم إذ هم عباده الذين أطاعوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه، تحية المؤمنين يوم يلقون ربهم سلام، فالله السلام والملائكة تسلم عليهم فتؤمنهم من كل سوء، وأعد الله لهم أجراً كريماً وهو جنته جزاءً لهم على طاعتهم له وبعدهم عن معصيته، ولما أمر المؤمنين بذكر الله ومحبة رسول الله ناسب أن يأمر النبي بما يصلح له ويبين أهم وظائفه فقال:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا*وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا*وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا*وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) يا أيها النبي إنا بعثناك إلى الناس كافة شاهداً عليهم بأن بلغتهم ما أرسلت به إليهم، فالشاهد هو الذي يخبر عن علم، ومبشراً للمؤمنين منهم بما أعد الله لهم من الجنة وما فيها من نعيم، والمبشر هو الذي يخبر الخبر المؤثر في البشرة، ومخوفاً الكافرين مما أعد الله لهم من عذاب إن هم أصروا على باطلهم وتمسكوا به ولم يقلعوا عنه، وبعثناك داعياً إلى توحيد الله وطاعته بأمره، وبعثناك مصباحاً منيراً يستنير به كل من يريد الهداية، وأطلق المصباح وأراد النور الصادر عنه، لأن القرآن إذا انعكس على سلوك المسلم أضاء الطريق للناس في القدورة، فبين لهم السبيل الأمثل الذي يقيم حياتهم ويقوّم سلوكهم ويصوّب مسارهم ويسدد خطاهم على طريق الخير والمحبة والرحمة، ثم أمره بإخبار المؤمنين بالله وبرسوله الذين يعملون بما شرعه لهم بما يسّرهم في الدنيا والاخرة، وهو ما أعده الله لهم من الأجر العظيم فضلاً عظيما يشمل نصرهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة بدخول الجنة والتمتع بنعيمها، ونهاه أن يطيع الكافرين والمنافقين فيما يدعونه إليه من صد الناس عن دين الله، وأمره أن يعرض عنهم، فلعل ذلك أن يكون أدعى لأن يؤمنوا بما جاءهم به، وأمره أن يعتمد على الله فيفوض أمره كله إليه، ويلتجأ إليه ينصره ويستنصر به على أعدائه، وذيّل الآية بجملة فعلية فيها معنى التوكل والثقة مع التخطيط وحسن الإختيار، فيعتمد عليه العباد في جميع أمورهم في الدنيا والآخرة. ولما وفّى القول في الأحكام التعبدية المتعلقة بالرسالة والنبوة والولاية، ناسب أن يعود إلى الأحكام التكليفية فيذكر حكماً لم يذكره أول القرآن وتركه مدة طويلة فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا) إنها المطلقة قبل المسيس، كان ذكرها في سورة البقرة، لكن بقي شيء واحد لم يذكره هناك فذكره هنا، فقال يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا عقدتم على المؤمنات عقد نكاح ثم طلقتموهن قبل الدخول بهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، ونفى هنا العدة بجميع صورها أكانت بالإقراء أو بالشهور، لأن الغرض الأساسي من العدة العلم ببراءة أرحامهن لعدم البناء بهن، وأمر فقال فمتعوهن بأموالكم حسب وسعكم جبراً لخاطرهن المنكسر بالطلاق، وخلوا سبيلهن بتطبيقهن حتى ينطلقن إلى أهليهن دون إيذاءٍ لهن، فإن الله أوصى بالمطلقة قبل المسيس خيراً ولو طلقت بعد العقد مباشرةً حفاظاً على الحياة العامة بين الناس، فلا يساء إلى مخلوق ولا يعاقب من لم يذنب، فتنتشر المودة بين جميع أفراد المجتمع. ولما ذكر حق الزوجات: زوجات المؤمنين في النفقة والسكنة وحسن العشرة، ناسب أن يذكر حكم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان لزوجاته أحكام تتعلق بهن فقال:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ الَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا*تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) يخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن أزواجه أربعة أصناف، الأول الممهورات وإليها الإشارة بقوله أبحنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهن مهورهن، هذا هو الصنف الأول، والصنف الثاني ما ملكت بمينه مما أفاء الله به عليه من السبايا، لأن كسب الجهاد أطيب كسب وأحسنه، ولأنها لم تكن ذات زوج فتحنّ إليه، ولأن النبي يختار منهن ما يليق بمقام النبوة، والصنف الثالث القرابات وإليه الإشارة بقوله وأحللنا لك نكاح بنات عمك وبنات عماتك ونكاح بنات خالك ونكاح بنات خالاتك، لكن بشرط اللاتي هاجرن معك من مكة إلى المدينة، وبهذا ثبت أن أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي لم تحل له، وقد عرض عليها الزواج فقالت أنا لا أنظر إليك كزوج ولكن أنظر إليك كأخ، وأثبتت الآية أنها لا تحل له لأنها لم تهاجر معه على أنه كان يودها ويزورها وينام في بيتها، والصنف الرابع لم يستخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه الإشارة بقوله:(وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وأحللنا لك أن تنكح امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك من غير مهرٍ إن أردت أن تنكحها، ونكاح الهبة خاصٌ به صلى الله عليه وسلم لا يجوز لغيره من الأمة، وبيّن أنه علم ما أوجبه على المؤمنين بشأن زوجاتهم حيث لا يجوز أن يتجاوزا أربع نسوة، وما شرعه لهم في شأن إيمائهم حيث أن لهم أن يستمتعوا بمن شاؤوا منهن دون تقييد بعدد، وأبحنا لك ما أبحنا مما ذكر مما لم نبحه لغيرك، فلا يكون عليك ضيق ومشقة، وكان الله غفوراً لمن تاب من عباده رحيماً بهم، تؤخر أيها الرسول من تشاء تأخيره عن قسمه من نسائك فلا تبيت معها، وتضم إليك من تشاء منهن فتبيت معها، ومن طلبت أن تضمها ممن أخرتهن فلا إثم عليك في ذلك، ذلك التخيير والتوسيع لك أقرب أن تقر به أعين نسائك، وأن يرضين بما أعطيتهن جميعهن: لعلمهن أنك لم تترك واجباً ولم تبخل بحق، والله يعلم ما في قلوبكم –أيها الرجال- من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وكان الله عليماً بأعمال عباده لا يخفى عليه منها شيء، حليماً لا يعاجلهم بالعقوبة، يفسح لهم علّهم يتوبون إليه، من فوائد الآيات:

  • 1- الصبر على الأذى من صفات الداعي للناجح.
  • 2- يندب للزوج أن يعطي مطلقته قبل الدخول بها بعض المال جبراً لخاطرها.
  • 3- خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بجواز نكاح الهبة وإن لم يحدث منه.
أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت جئت أهب نفسي إليك، فصعّد فيها النظر وصوبه ثم طأطأ رأسه فجلست، فلما طال جلوسها قام أحد الصحابة فقال يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، قال هل عندك من شيء قال لا والذي بعثك بالحق. قال إذهب إلى أهلك فالتمس شيئاً، فذهب ورجع فقال لا والله ما وجدت شيئاً قال إذهب والتمس ولو خاتماً من حديد، فرجع وقال ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إيزاري فلها نصفه، قال ما تصنع في إيزارك، إن لبِسته لم يكن عليك منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليها منه شيء، ثم جلس فلما طال جلوسه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك من القرآن شيء قال سورة كذا وكذا، قال إذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن، قم فعلمها عشرين آية، الشاهد في هذا الحديث أن التي وهبت نفسها كانت واحدة وأن النبي لم يأخذها لأن المرأة حين تهب نفسها تكون ذات جرأة لا تليق بمن تكون أماً للمؤمنين، وهذا الحكم يدل على فضل أمهات المؤمنين على ما سنبينه بعد إن شاء الله. ولما فصّل القول في زوجات النبي وأظهرن تعلقهنّ به وحرصهنّ على رضائه وطاعته، حصرهنّ به وقصره عليهنّ فقال:(لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) لا يجوز لك –أيها الرسول- أن تتزوج بنساء غير زوجاتك اللاتي هن في عصمتك، ولا يحل لك أن تطلقهن، أو تطلق بعضهن لتأخذ غيرهن من النساء، ولو أعجبك حسن من تريد أن تتزوج بها من النساء غيرهن، لكن يجوز لك أن تتسرى بما ملكت يمينك من الإيماء دون حصر في عدد محدد، وكان الله على كل شيء حفيظاً، وهذا الحكم يدل على فضل أمهات المؤمنين فقد منع طلاقهنّ والزواج عليهنّ، ولما ذكر أحكاماً تتعلق بالنبي وبأهل بيته بيّن أن البيت مكان خلوة الإنسان فيه يستريح من عناء الحياة وأعبائها، يخلو بنفسه أو بزوجه، ناسب أن يكون لبيت النبوة أدب خاص يليق به، وله قصةٌ نذكرها بعد الآيات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا*إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) لهذه الآية قصة أوجزها فيما يلي: عقد النبي صلى الله عليه وسلم على زينب بنت جحش وأولم للناس وكان البيت صغيراً، جلست أم المؤمنين ووجهها إلى الحائط ودخل الناس عشراً عشراً كلما فرغ جماعةٌ دخلت جماعة، فلما كان آخرهم جلسوا ولم يخرجوا، خرج النبي فلم يخرجوا، ذهب إلى زوجاته وعاد ولم يخرجوا، دخل المنزل فلم يخرجوا، إلى أن قضوا وطرهم من الجلوس في بيت النبي فخرجوا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل الستارة، وكان أنس بالباب فنزل الستار بين أنس والرسول صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآيات المتقدمة يؤدب فيها المؤمنين ويحدد أوقات زيارة بيت النبي صلى الله عليه وسلم ودواعيها وكأنه يقول للناس إن لم يكن داعٍ فاتركوا رسول الله يستريح في بيته ولا تزعجوه بزيارته فيه فهو معكم في المسجد، يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع الله لهم من الحكم والأحكام لا تدخلوا بيوت النبي إلا بعد أن يأذن لكم بدخولها بدعوتكم إلى طعام، ولا تطيلوا الجلوس تنتظرون طبخ الطعام ونضجه، لكن إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا ولا تمكثوا بعده يستأنس بعضكم بحديث بعض أو بحديث النبي، إن ذلك المكث كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فيستحيي أن يطلب منكم الإنصراف، والله لا يستحيي أن يأمر بالحق فأمركم بالإنصراف عنه حتى لا تؤذوه صلى الله عليه وسلم بالمكث، والإستحياء بدايته خجل واحمرار وجه وهذا مستحيل على الله لأنه من صفات الحوادث ونهايته ترك العمل المستحيا منه، وهذا جائز على الله تعالى، ومعنى (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) لا يترك بيان الحق لأي سبب، ولما ذكر دخول البيت ذكر ما يناسب ذلك من الحاجات التي قد تدعو إلى الإلتقاء بأمهات المؤمنين فقال وإذا طلبتم من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حاجة مثل آنية أو نحوها أو سماع حديث وغير ذلك فاطلبوا حاجتكم تلك من وراء ستر ولا تطلبوها منهنّ مواجهةً حتى لا تراهن أعينكم صوناً لهن لمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلكم الطلب من وراء ستر أطهر لقلوبكم وأطهر لقلوبهنّ حتى لا يتطرق الشيطان إلى قلوبكم وقلوبهنّ بالوسوسة وتزيين المنكر، وما صح ولا استقام لكم أيها المؤمنون أن تؤذوا رسول الله بأي نوع من أنواع الإيذاء ولو بالمكث للحديث في بيته، ولا يصح لكم أن تتزوجوا نساء النبي بعد موته فإنهن أمهات المؤمنين فلا يجوز لأحد أن يتزوج أمه، إن ذلك الإيذاء ومن صوره نكاحكم نساءه من بعد موته، إن ذلكم حرامٌ ويعد عند الله إثماً عظيماً، إن تظهروا شيئاً من أعمالكم أو تستروه في أنفسكم فلن يخفى على الله منه شيء لأن الله كان بكل شيء عليماً، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأقوالكم، وسيجازيكم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر، من فوائد الايات:
  • 1- عظم مقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه حتى عاتب الصحابة في المكث في بيته الذي كان يؤذيه.
  • 2- ثبوت صفات العلم والحلم لله تعالى.
  • 3- الحياء من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.
  • 4- صيانة مقام أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يمتد إليهن النظر للزواج بعد النبي، وما حصل من المستعيذة التي طلقها النبي عند الدخول إليها برأت نفسها فأخبرت أنه لم يضرب عليها خباءً ولا دعيت للمؤمنين أماً.
ولما فرض الحجاب عليهنّ ومنع من النظر إليهنّ ناسب أن يبين محارمهنّ الذين يجوز لهنّ الكشف عليهم فقال:(لّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) لا إثم عليهنّ أن يراهن ويكلمهنّ دون حجاب آباؤهنّ وأولادهنّ وإخوانهنّ وأبناء إخوانهنّ وأبناء أخواتهنّ من النسب أو الرضاعة، ولا إثم عليهنّ أن يكلمهنّ دون حجاب النساء المؤمنات وما ملكت أيمانهن من العبيد والإيماء، ثم وجّه الخطاب إليهنّ فقال واتقين الله فيما أمر به ونهى عنه فهو مشاهد لما يظهر منكن ويصدر عنكن. ولما قرر أنه ما صح ولا استقام للمؤمنين أن يؤذوا رسول الله وكان ذلك عامّاً، ناسب أن يذكر السبب فبينه هنا فقال:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء والإستغفار، ومن الناس الدعاء، ومعنى الآية أن الله يثني على محمد عند ملائكته، وملائكته يدعون له ويثنون عليه لما سبق معنا من دعاء الملائكة لبني آدم في سورة غافر، وهذا دعاء خاص بالنبي، وفي الحديث والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ثم أمر المؤمنين أن يصلوا عليه ويسلموا تسليماً، يدعون له بالسلامة من كل ما لا يليق به ويسلمون عليه شاكرين صنيعه الذي لا يقدر بمال، ولما ذكر الصلاة وهي في جملتها دعاء وثناء ناسب أن يذكر الإيذاء بأنه نقيضها فقال:(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) لما أمر بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إيذائه، فذكر الإيذاء بالقول أو بالفعل فأوعدهم أن يبعدهم من رحمته ويطردهم من جناب قدسه في الدنيا والآخرة، وأخبر أنه أعد لهم في الآخرة عذاباً مذلاً جزاءً على ما اقترفوه من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد فإن إيذاء الله لا يتصور إلا على سبيل المجاز عن طريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمعنى يؤذون أولياء الله، وبهذا يتطابق مفهوم الآية ومنطوق قوله:(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) ففي الآية الأولى لا يتصور أن يكتسب الله أو رسوله ما يوجب الإيذاء، ولذلك قيده في الآية الثانية فقال والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول أو بالفعل بغير ذنب اكتسبوه من جنايةٍ توجب ذلك الإيذاء فقد احتملوا كذباً وإثماً ظاهراً. بقي مما يتعلق بأحكام النساء آية الحجاب ولصلتها بالحديث عن المنافقين سأتركها إلى القسم الأخير، وبعد هذا البيان في أحكام زوجات النبي وحقوقهن وواجب المسلمين نحو رسول الله وما أدب به المؤمنين يجوز لنا أن نسأل الله أن يوفقنا أن نكون منهم، ننصرهم ونستنصر بهم.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة