الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وكفى الله المؤمنين القتال  
سورة الأحزاب   الآيات 25 - 39


غرّد المنافقون ما شاء الله لهم أن يغردوا وطعنوا في دين الله واستهزؤوا بالمسلمين، ولكن الله كان فوقهم، حقق وعده ونصر عبده وقال هنا:(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) رد الله قريشاً وغطفان والذين معهم مكروبين يملأ قلوبهم الغم لفوت ما أملّوا من القضاء على الإسلام ومحاربة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أنهم لم يظفروا بما أرادوا من استئصال المؤمنين مع ضعفهم وقوة عدوهم وقلتهم وكثرة عدوهم، وكفى الله المؤمنين القتال معهم بما أرسله من الريح وأنزله من الملائكة، وكان الله قوياً عزيزاً لا يغالبه أحد إلا غلبه وخذله، وهنا أخزى الله بني قريظة الذين نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصروا المشركين، وسجّل الوحي ذلك فقال:(وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا*وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) وأنزل الله الذين أعانوهم من يهود قريظة من حصونهم التي كانوا يتحصنون فيها من عدوهم وألقى الخوف في نفوسهم، فريقاً تقتلون أيها المؤمنون وفريقاً تأسرون، ذلك جزاء من يعادي الله ويحارب أولياءه، وملككم الله بعد هلاكهم أرض بني قريظة وحصونها بما فيها من زروع ونخيل ومنازل وأموال، وملككم أرض خيبر التي لم تطؤوها بعد ولكنكم ستطؤونها، وهذا وعد وبشرى للمؤمنين وكان الله على كل شيء قديراً لا يعجزه شيء، وهكذا انتهى حديث القرآن عن غزوة الأحزاب ليثبت لنا بالدليل أن الله قادرٌ لا يعجزه شيء، ينصر أولياءه ما استنصروا به، ويخذل أعداءه ما تمردوا عليه، بعد أن أصلح العلاقات بين أفراد المجتمع ناسب أن يعود إلى بيت النبوة فيصلحه من داخله، إذ كان صلاح البيت وصلاح الأسرة أساس لصلاح المجتمع، وباستقامة أهل البيت يستقيم عامة الناس، لذلك سنرى القرآن يتحدث مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وعنهن فيقول:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا*وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) لهذه الآيات قصة، إذا بينتها وضحت الآيات فأقول، رغب زوجات النبي كسائر نساء العالم أن يكون لهم ما لأي زوجة من النفقة والعيش الرغيد، وكانت الحياة شاقة عليهن يعانين من ضيق المكان وكثرة الزوار والقلق المستمر، فطلبن النفقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبن أن يوسع عليهن في ذلك، ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعطيهن فيرضيهن، فاعتزلهن شهراً في مشربة له وهي غرفة منفصلة لأنهن اتفقن عليه، وبعد شهر نزلت هذه الآية، فبدأ بعائشة قال إني سائلك سؤالاً فلا تجيبي عليه حتى تستأمري أبويك، وخيرها على ما تضمنته الآية، قالت أفيك أستأمر أبويّ؟؟ لا والله أختار الله ورسوله، وهكذا فعل سائر الزوجات، فهذه الآية تحدد المشكلة وتبين حلها في آيتين، إن كنتن تردن الحياة الدنيا وما فيها من زينة فتعالين أمتعكن بما تمتع به المطلقات، وأطلقكن طلاقاً لا إضرار فيه ولا إيذاء، وإن كنتن تردن رضا الله ورضا رسوله، وتردن الجنة في الدار الآخرة، فاصبرن على حالكن، فإن الله أعد لمن أحسن منكن بالصبر وحسن العشرة أجراً عظيماً، فرضين كلهنّ بذلك وهذا هو السبب الذي لأجله حصرهن عليه ومنعه من الزواج بغيرهن، ثم أدبهن فأحسن وكان لطيفاً رقيقاً فقال:(يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) علو المكانة يجعل للإنسان مسؤولية عظيمة لأن الناس يقتدون به ويسيرون على نهجه، وهاهنا يقول يا نساء النبي من يأت منكن بمعصية ظاهرة تعرف وتنتشر بين الناس يضاعف لها العذاب يوم القيامة ضعفين لمكانتها ومنزلتها ولصيانة جناب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تلك المضاعفة على الله سهلةً يسيرة، وفي مقابل ذلك (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) ومن تدم على طاعة الله ورسوله منكن وتعمل عملاً صالحاً مرضياً عند الله نعطها من الثواب ضعف غيرها من سائر النساء، وأعتدنا لها في الاخرة رزقاً كريماً، فالحسنة بعشر أمثالها والسيئة تضاعف عليهن ضعفين لعلو منزلتهن ورفعة شأنهن، من فوائد الآيات:

  • 1- تزكية الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شرف لهم.
  • 2- عون الله ونصره لعباده من حيث لا يحتسبون إذا اتقوا الله.
  • 3- سوء عاقبة الغدر على اليهود الذين ساعدوا الأحزاب.
  • 4- اختيار أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضا الله ورسوله دليل على قوة إيمانهن.
ولما هددهن بمضاعفة العقاب وبزيادة الثواب ناسب أن يذكر لهن السبب الذي لأجله ضوعفت السيئة ضعفين وزيد في أجر الحسنة فقال:(يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا*وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا*وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) يا نساء النبي محمد صلى الله عليه وسلم لستنّ في الفضل والشرف مثل سائر النساء، بل أنتن في الفضل والشرف بالمنزلة التي لا يصل إليها غيركن إن امتثلتن أوامر الله واجتنبتن نواهيه، فلا تلنّ القول وترققن الصوت إذا تكلمتن مع الأجانب من الرجال، فيطمع بسبب ذلك من في قلبه مرض النفاق وشهوة الحرام، وقلن قولا بعيداً عن الريبة بأن يكون جداً لا هزلاً بقدر الحاجة بلا زيادة، وأثبتن في بيوتكن فلا تخرجن منها بغير حاجة، ولا تظهرنّ محاسنكنّ صنيع من كنّ قبل الإسلام من النساء حيث كنّ يبدين ذلك إستمالة للرجال، وأدمن الصلاة على أكمل وجه وأعطين زكاة أموالكنّ وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله أن يذهب عنكم الأذى والسوء يا أزواج رسول الله يا أهل بيته، ويريد أن يطهّر نفوسكم بتحليتها بفضائل الأخلاق وتخليتها عن رذائلها تطهيراً كاملاً لا يبقى معه أو بعده دنس، واذكرن ما يقرأ في بيوتكنّ من آيات الله المنزلة على رسوله ومن سنّة رسوله المطهرة، إن الله كان لطيفاً بكنّ حين امتنّ عليكنّ بأن جعلكنّ في بيوت نبيه، خبيراً بكنّ حين اصطفاكنّ أزواجاً لرسوله واختاركنّ أمهات لجميع المؤمنين من أمّته. ولما ذكر أزواج النبي ووعظهنّ وبيّن لهنّ مكانته، ناسب أن يبيّن مكانة المسلم بعامة ومن له مكان أو مكانة في المجتمع فقال:(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) إن الذين استسلموا لله بكليتهم فحكموا الله في أنفسهم وأموالهم وإخوانهم وأزواجهم من الرجال والنساء، والمؤمنين الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والمؤمنات، والذين ترجموا الإيمان إلى عمل من الرجال والنساء فأطاعوا الله وامتثلوا ما أمر به وانتهوا عما نهى عنه، والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ووفوا بما وعدوا الله الرجال منهم والنساء، وتحملوا في ذلك المشاق فصبروا على البلاء من الرجال والنساء، وذلوا بكليتهم لله، رضوا بأمره وحكمه وعملوا بطاعته وأخرجوا بعض أموالهم للمحتاجين فخففوا من حاجتهم وجبروا كسرهم، والذين أدوا العبادات البدنية طائعين راضين رجالهم ونساؤهم، والذين حفظوا حدود الله وحافظوا على فروجهم فلم يعتدوا بها، وذكروا الله كثيراً في السرّ والعلن، في الخلوة والجلوة، بينهم وبين الله وبينهم وبين بعضهم البعض، وبينهم وبين جميع أفراد المجتمع، فتذللوا لله وصدقوه وتصدّقوا ببعض أموالهم وأطاعوه وأطعنه، وصدقوا في إيمانهم وصبروا على الطاعة وعن المعصية وعلى البلاء، وتصدّقوا بأموالهم في الفرض والنفل وصاموا لله فرضاً ونفلا، وحفظوا فروجهم فستروها عن الكشف أمام من لا يحل له النظر إليها، وبالبعد عن فاحشة الزنا ومقدماتها، وذكر الله كثيراً بألسنتهم وقلوبهم سراً وعلانية، أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً يوم القيامة، من فوائد الآيات:
  • 1- أدّب الله المرأة أن تلتزم الجد في أقوالها وأفعالها، فلا تكسّر صوتها ولا تذل نفسها لغيرها بل تلازم حالة الجد والوضوح.
  • 2- لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه فضلٌ عظيم.
  • 3- التساوي بين الرجال والنساء قائم في العمل والجزاء إلا ما استثناه الشرع لكل منهما.
ولما ذكر زوجات النبي أشار إلى واحدة لم تكن وقت نزول الآية زوجة، ولكنها صارت فيما بعد فأدبها وأدب بها واستخلص من قصتها عبرة لمن يعتبر على مر الليالي وتوالي الايام فقال:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا) ولا يصح لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله حكماً فيهم بأمر ما أن يكون لهم اختيار في قبوله أو رفضه، هذه الآية تذكرني بزينب بنت جحش إحدى أمهات المؤمنين، تذكرني بزيد ابن حارثة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وسلم في قصة سأذكرها في الآية التالية، وقد خطب له زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفضت، فلما نزلت هذه الآية وما فيها من وعيد قبلت في الظاهر لأنه لم يكن باستطاعتها رفض الأمر، لأنه قال فيها ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل عن الصراط المستقيم ضلالاً واضحاً، قبلت في الظاهر ولم تقبل في الواقع، كانت تتعالى على زيد ظناً منها أنه عبد، ولم يكن ولكنه خطف من أهله وبيع بيع العبيد فاشتراه قريب خديجة لخديجة، فلما تزوجت بالنبي استوهبه منها، قالت أعطيكه على أنك إن أعتقته كان ولاءه لي، فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها لا أريد، قالت خذه واعمل به ما شئت فأخذه صاحب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رفيق أسفاره إلى أن التقى بأبيه وأخيه وعمه، فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده إليهم وأخبروه أنه حر ابن حر، وعرضوا عليه ما يريد من مال، فقال عليه الصلاة والسلام أو خيراً من ذلك؟ قالوا ما هو؟ قال أدعو زيداً فأخيره فإن اختاركم فهو لكم وإن إختارني فما أنا بالذي يختار على من اختاره. دعا رسول الله زيداً وقال هل تعرف هؤلاء؟ قال زيد هذا أبي وهذا أخي وهذا عمي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم جاؤوا ليأخذوك إلى ديارهم، فردّ عليهم زيد لا أريد ذلك، قالوا أترضى الرق على الحرية؟ أترضى أن تكون عبداً على أن تكون حراً؟ قال زيد العبودية مع هذا الرجل خير من الحرية معكم، هنا تحركت العاطفة في نفس النبي وبادل زيداً حباً بحب، قال أيها الناس اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه فدعي من ذلك الوقت زيد ابن محمد على ما كان جارياً في الأعراف قبل الإسلام وزوجه ابنة عمته، ولما رفض أهلها نزلت الآية المتقدمة، فخضعوا إذ كان محمدٌ قد نُبئ ولم يكن باستطاعتهم مخالفة أمره شرعاً، ولكن قلب زينب لم يرض عن هذه الزيجة وكانت تتعالى عليه وتنظر إليه كأنه عبد، وكان ذلك يؤلمه ففكر في طلاقها، وبث شكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بعزمه على طلاقها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وقد علم أنه إن طلق زيد زينب فسيتزوجها محمد لإبطال ما كان سائداً قبل الإسلام من أن زوجة الإبن المتبنى كزوجة الإبن الصلبي، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخر ذلك ما استطاع، وهكذا عانى زيد من زوجته ما عانى إلى أن ضاقت به الحياة فطلقها، ثم طلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها له بعد أن قضت عدتها، فذهب ليخطبها له، لم يوجهها بوجهه ولكنه أخبرها بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزواج بها ووجهه إلى الجهة المقابلة، إذ كان لا يحل له أن ينظر إلى امرأة يريد النبي الزواج بها، وفي أثناء ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كانت الآيات التالية قد نزلت وصارت زوجة للنبي قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وهكذا بقي زيد ابن حارثة مع رسول الله إما بصفته ابناً له أو عبداً أو مولى، لم يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وها هو الآن يشرع في قصة زيد مع زينب ويفصّل ما أجمل فيقول:(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) اذكر يا محمد صلوات الله وسلامه عليك الوقت الذي كنت تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه أنت بالعتق والتبني، والمقصود بهذه الآية زيد ابن حارثة رضي الله عنهما، حين جاءك مشاوراً في شأن طلاق زوجته زينب بنت جحش تقول له أمسك عليك زوجك ولا تطلقها، واتقِ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتكتم في نفسك – أيها الرسول - ما أوحى الله به لك من زواجك بزينب خشية من الناس إذ كان زيد إبنه بالتبني والأعراف تمنعه من الزواج بزوجة إبنه، والله سيظهر طلاق زيد لها ثم زواجك منها، فالله أولى أن تخشاه في هذا الأمر، فلما طابت نفس زيد ورغب عنها وطلقها زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين إثم في التزوج بزوجات أبنائهم بالتبني، إذا طلقوهن وانقضت عدتهن وكان أمر الله مفعولاً لا مانع له ولا حائل دونه، وبهذا نعلم أن القصة التي يتداولها الناس من أن محمداً صلى الله عليه وسلم زار زيداً في بيته ولم يكن موجوداً وكانت زينب تغسل فقال سبحان مقلب القلوب، فلما رجع زيد أخبرته فذهب إلى النبي وقال له إن شئت أن تتزوج زينب طلقتها لك واعتدت، فهذا أمر مكذوب لا أصل له لأن زينب إبنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفها معرفة جيدة، ولو رغب الزواج بها لفعل قبل أن يزوجها زيداً، ولكنه إنما تزوجها بأمر الله لأن أحداً ما مهما أوتي من قوة لا يستطيع أن يقف في وجه العامة، يغيّر ما ألفوه ويخالف ما التزموه، والذين حملوا الآيات على حب النبي زينب مخطؤون من عدة وجوه لا أطيل ببيان أخطائهم، ولكني أتمسك بظاهر النص الذي ذكر العلة التي لأجلها زوج زينب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني قوله:(زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) فالقرآن نص على السبب وقرر أنما قدر الله كائن لا محالة، ويؤكد هذا المعنى ويقويه قوله:(مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا*الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) ما كان على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من إثم أو تضييق فيما أحل الله له من نكاح زوجة ابنه بالتبني وهو في ذلك يتبع سنّة الأنبياء قبله، فليس هو صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل في ذلك، وكان ما يقضي الله به من إتمام هذا الزواج وإبطال التبني، وليس للنبي فيه رأي أو خيار قضاءً نافذاً لا مردّ له، لأنه عبد ورسول يبلغ ما أوحي إليه لا يستطيع أن يتمرد على مولاه لشدة خوفه منه وحبه له وخضوعه لأمره ونهيه، إسمعه يقول هؤلاء الأنبياء يبلغون رسالات الله المنزلة عليهم إلى أممهم ولا يخافون أحداً إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يلتفتون إلى ما يقوله غيرهم عندما يفعلون ما أحل الله لهم، وكفى بالله حافظاً لأعمال عباده ليحاسبهم عليها ويجازيهم بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر، من هنا كان اتباع الرسول واجب على الناس يتأسون به، يسيرون سيره، يطيعون أمره، ويحكمونه ويرضون بحكمه، فاللهم وفقنا وسددنا وثبتنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة