الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

النبيون والميثاق  
سورة الأحزاب   الآيات 1 - 24


تركز السورة على عناية الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وحماية جنابه وأهل بيته (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا*وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا*وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) استفتح البيان بحرف النداء للبعيد لينبه الغافلين ويوقظ النائمين ويثبت المطيعين، وجعل المنادى (أي) وهو اسم موصول من صيغ العموم، وجعل الهاء للتنبيه وخص النبي بعنوان النبوة بالنداء، لأنه أمر واجب الإتباع لا تجوز مخالفته ولا الإعراض عنه، أمره أن يثبت ومن معه من المؤمنين على تقوى الله في السر والعلن، بإمتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويخصه وحده بالخوف فلا يطع الكافرين والمنافقين فيما تهوى نفوسهم فيضغطوا عليه ليحقق لهم أمانيهم، لأنه ملتزم أمر الله والله في ما يأمر عليم بما يكيده الكفار والمنافقون لنبيه حكيم في خلقه وتدبيره، ولما كان تنفيذ ما يأمر الله به مقدم على كل أمر، ناسب أن يؤكد عليه فقال واتبع ما ينزله عليك ربك من الوحي، إن الله كان بما تعملون خبيراً لا يفوته من ذلك شيء، وسيجازيكم على أعمالكم، ثم لفت نظره إلى وجوب الإعتماد على الله وحده في أموره كلها وكفى به سبحانه حافظاً لمن توكل عليه من عباده. ولما كان للكلام نسبتان نسبة ذهنية ونسبة خارجية، وكان الصدق يتضمن ثبوت النسبتين الذهنية والخارجية للكلام، فإن إختل أحدهما لم يعد صدقاً، ناسب أن يذكر ثلاثة أشياء اختلفت فيهما النسبتان، فبين أنها أباطيل لا حقيقة لها، الأولى كانوا يقولون لمحمد قلبان فأبطل هذه المقولة ومقولتين أخريين إحداهما إن أحدهم إذا قال لزوجته هي عليه كظهر أمه حرمت عليه، وكان ذلك عندهم تحريماً مؤبداً، فأبطل ذلك كله وبدأ بالأولى لأنها حسية فقال لم يجعل الله قلبين في صدر رجل واحد لأن القلب وظيفته ضخ الدم، وقلب واحد يكفي في هذا، فربما سبب القلبان إنفجاراً في الشرايين نتيجة ارتفاع ضغط الدم، وبنى على ذلك أنه لم يجعل الزوجات بمنزلة الأمهات، فالزوجة أبعد ما تكون عن الأم، ليخلص إلى الثالثة، وما جعل الإبن بالتبني بمنزلة الإبن الصلبي، فجمع بين الثلاثة، أما الأول فيأباه الحس، وأما الثاني فيأباه العقل، وأما الثالث فتأباه الفطرة، فجمع في الاية بين الحس والعقل والفطرة، وبيّن أن ادعاء أن يكون للرجل قلبين وأن شبّه زوجه بأمه وأن يأتي لرجل من الطريق أفيتبناه وينسبه إليه ابن فيصير ابناً حقيقياً له، وقرر أن ذلك كذب محض ودعوى لا دليل عليها حين قال:(مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّلائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) فقوله:(بأفواهكم) كلام صادر من الفم لا يتفق والنسبة الذهنية، فأغنى بهذه الكلمة عن تجريحهم والتعريض بهم، وأكد هذا المفهوم بقوله آخر الآية:(وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) فثبت أن هذه الثلاثة لا دليل عليها ولا مستند لها، وأكد على ذلك حين قال:(ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) إنسبوا من تزعمون أنهم أبناؤكم إلى آبائهم الحقيقيين، فنسبتهم إليهم هي العدل عند الله، فإن لم تعلموا لهم أباء تنسبونهم إليهم فهم إخوانكم في الدين، ومحرروكم من الرق، فنادوا أحدهم بيا أخي أو يا ابن عمي، ولا إثم عليكم إذا أخطأ أحدكم فنسب دعيّاً إلى مدعيه، ولكن تأثمون عند تعمد النطق بذلك، وكان الله غفوراً لمن تاب من عباده رحيماً بهم حيث لم يؤاخذهم بالخطأ، فإن جئت تسأل من أحق الناس بالبر وأولاهم بالإتباع يأتيك الجواب:(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) النبي محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم في كل ما دعاهم إليه، ولو كانت أنفسهم تميل إلى غيره وزوجاته صلى الله عليه وسلم بمنزلة أمهاتٍ لجميع المؤمنين، في وجوب التعظيم والإحترام وغض البصر، لا في الخلوة والسفر وما تتمتع به الأم الحقيقية، فيحرم على أي مؤمن أن يتزوج إحداهن بعد موته صلى الله عليه وسلم، لأن الله يقول:(وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا) وذوو القرابة بعضهم أحق ببعض في الإرث في حكم الله من أهل الإيمان والهجرة في سبيل الله، ذلك أنهم كانوا يتوارثون بالدار والإسلام فيما بينهم في صدر الإسلام، ولما استقر الأمر في المدينة وفتحت مكة صاروا يتوارثون فيما بينهم بالقرابة والمصاهرة، ونسخ توارثهم بعد ذلك بالدار والإيمان، وفي قوله إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم من غير الورثة معروفاً من إيصاء لهم وإحسان إليهم فلكم ذلك، كان ذلك الحكم في اللوح المحفوظ مسطوراً فيجب العمل به، من فوائد الآيات:

  • 1- رفع المؤاخذة بالخطأ عن هذه الأمة.
  • 2- وجوب تقديم مراد النبي صلى الله عليه وسلم على مراد الأنفس.
  • 3- علو مكانة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحرمة نكاحهن من بعده لأنهن أمهات المؤمنين.
  • 4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الأمة في الجملة.

ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ناسب أن يبين أنه ليس بدعاً من الرسل ولكنه رسول مقدم فيهم ذا مكانة رفيعة يشاركه فيها وقد يرجح عليه أولي العزم من الرسل فقال:(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا*لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) اذكر -أيها الرسول- إذ أخذنا من الأنبياء عهداً مؤكداً أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئاً، وأن يبلغوا ما أنزل إليهم من الوحي، وأخذناه على وجه الخصوص منك يا محمد ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، أخذنا منهم عهداً مؤكداً على الوفاء لما ائتمنوا عليه من تبليغ رسالات الله، أخذ الله هذا العهد المؤكد من الأنبياء ليسأل الصادقين من الرسل عن صدقهم تبكيتاً للكافرين، وأعد الله للكافرين به وبرسله عذاباً موجعاً هو نار جهنم. ولما ذكر التكليف ناسب أن يذكر تشريفاً مع تكليف من نوع آخر، نعمة أنعم الله بها على المسلمين في وقت كانوا في أمس الحاجة إليها، تقوي إيمانهم وتزيد يقينهم، إنها غزوة الأحزاب أو الخندق وما فيها من معجزات أو كرامات فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا*إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع، اذكروا نعمة الله عليكم حين جاءت المدينة جنود الكفار متحزبين على قتالكم وساندهم المنافقون واليهود، فبعثنا عليهم ريحاً هي ريح الصبا التي نصر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثنا جنوداً من الملائكة لم تروها فولىّ الكفار هاربين لا يقدرون على شيء، وكان الله بما تعملون بصيراً لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على أعمالكم، ثم بين مقدار هذا الجيش وإحاطته بالمدينة كإحاطة السوار بالمعصم فقال حين جاءكم الكفار من أعلى الوادي ومن أسفله من جهتي المشرق والمغرب حينها مالت الأبصار عن كل شيء إلا عن النظر إلى عدوها، ووصلت القلوب إلى الحناجر من شدة الخوف، وتظنون بالله الظنون المختلفة، فتارةً تظنون النصر وأخرى يطرأ عليكم اليأس، ذلك أن المسلمين لم يتعودوا مواجهة عدوٍ بهذه الكثرة، وإذا كان للمدينة حماية طبيعية من ثلاث جهات فإن الجهة الرابعة كان فيها خطر عظيم إستطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه بفكرة الخندق التي فعلها بإشارةٍ من سلمان الفارسي، وهذا يدل على أن الحكمة ضالة المؤمن أنا وجدها إلتقطها، ولإن كانت خنادق الفرس تملأ ماءً فتحميهم من العدو، فإن الماء في المدينة عزيز، وكان الخندق مفاجأة فعلت فعلها في أنفس المشركين، ويصور القرآن حال المسلمين وما يعانون، ويصف حركات أفراد المجتمع المختلفة فيقول:(هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا*وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا) هنالك في ذلك الموقف أعني في غزوة الخندق اختبر المؤمنون بما لاقوه من اجتماع أعدائهم عليهم واضطربوا إضطراباً شديداً من شدة الخوف، وتبين بهذا الإختبار المؤمن والمنافق، الصادق والمخادع، وفي هذه الغزوة غرّد المنافقون تغريدات كشفت زيفهم وخداعهم وحقدهم على المسلمين، يومئذٍ قال المنافقون وضعاف الإيمان الذين كان في قلوبهم شيء من الشك ما وعدنا الله ورسوله من النصر على عدونا والتمكين لنا في الأرض إلاّ باطلاً لا أساس له، وما كانوا ليصرحوا بهذا دون أن يشتد بهم الخوف حين عجزوا عن الذهاب إلى الخلاء بسببه، حتى قال قائلهم يعدنا محمد بالنصر والتمكين وأحدنا يعجز عن الذهاب لحاجته (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا) واذكر أيها الرسول حين قال فريق من المنافقين لأهل المدينة يا أهل يثرب واختاروا هذا الإسم لأنه الإسم القديم للمدينة المنورة قبل الإسلام، فكأنهم يتخلون عن المدينة وطيبة والدار وما ورد من أسمائها ببركة مقام الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، قال فريق من المنافقين لأهل المدينة يا أهل يثرب لا إقامة لكم عند سفح "سلع" قرب الخندق، فارجعوا إلى منازلكم ويطلب فريقٌ من المنافقين الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصرفوا إلى بيوتهم بدعوى أن بيوتهم مكشوفة للعدو والحق أنها ليست كذلك، وإنما يريدون بهذا الإعتذار الكاذب للفرار من العدو، وأراد الله فضح المنافقين وكشف زيفهم فقال:(وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا) يدعون أن بيوتهم مكشوفة وأن العدو قد يفجؤهم فينبغي عليهم أن يبقوا في بيتهم لحراسته والدفاع عنه، ولو دخل عليهم العدو المدينة من جميع نواحيها وسألهم العودة إلى الكفر والشرك بالله لأعطوا عدوهم ذلك وما احتبسوا عن الردة والنقوص إلى الكفر إلا قليلاً، لأن بشاشة الإيمان وحلاوته لم تخالط قلوبهم، مع أنهم عاهدوا الله من قبل أن لا يفروا من قتال عدو (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا) ولقد كان هؤلاء المنافقون عاهدوا الله بعد فرارهم يوم أحد من القتال لإن أشهدهم الله قتالاً آخر ليقاتلن عدوهم ولا يفروا خوفاً منه، ولكنهم نكثوا وكان عهد الله مسؤلاً عما عاهد عليه وسوف يسأل هؤلاء عنه، من فوائد الآيات:
  • 1- منزلة أولي العزم من الرسل.
  • 2- تأييد الله لعباده المؤمنين عند نزول الشدائد.
  • 3- خذلان المنافقين للمؤمنين في المحن.

ثم تفرّغ القرآن لمناقشة المنافقين ودحض حججهم عن طريق الحوار فقال:(قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لّا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلا*قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) قل أيها الرسول لهؤلاء لن ينفعكم الفرار إن فررتم من القتال خوفاً من الموت أو من القتل لأن الآجال مقدرة، وإذا فررتم ولم يحن أجلكم فإنكم لا تستمتعون في الحياة إلا زمناً قليلا، قل لهم أيها الرسول من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ما تكرهونه من الموت أو القتل، أو أراد بكم ما ترجونه من السلامة والخير، لا أحد يمنعكم من ذلك، ثم بين أنهم لا يجدون لهم من دون الله ولياً يتولى أمرهم ولا نصيراً يمنعهم من عقاب الله لهم. ولما كان بعض المنافقين يعملون على إضعاف جماعة المسلمين والفت في عضدهم شفقة منهم على الأعداء، ناسب أن يذكر لهم شيئاً من ذلك لأمرين: الأول أن يبين لهم إحاطة علمه بما في السموات والأرض، والثاني أن يكشف المنافقين فيعريهم ويفضحهم عسى أن يقلعوا عن النفاق فقال:(قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلا*أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) قد يعلم الله المثبطين لغيرهم منكم المحرضين على ترك القتال أو الفرار عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقائلين لإخوانهم تعالوا إلينا لا تقاتلوا معه حتى لا تقتلوا، فإنا نخاف عليكم القتل، وهؤلاء المخذّلون لا يأتون الحرب ولا يشاركون فيها إلا نادراً، ليدفعوا عن أنفسهم العار لا لينصروا الله والرسول، ثم وصفهم بصفات أشحة عليكم بخلاء عليكم معشر المؤمنين، بأموالهم فلا يعينونكم ببذلها وبخلاء بأنفسهم فلا يقاتلون معكم، وبخلاء بمودتهم فلا يوادونكم، فإذا جاء الخوف عند ملاقاة العدو رأيتهم ينظرون إليك أيها الرسول تدور أعينهم من الجبن مثل دوران عيني من يعاني سكرات الموت، فإذا ذهب الخوف عنهم واطمأنوا آذوكم بالكلام بألسنة حداد: سليطة قاسية، أشحة على الغنائم يبحثون عنها، أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يؤمنوا حق الإيمان فأبطل الله ثواب أعمالهم وكان ذلك الإبطال يسيراً على الله، ثم بيّن حال المنافقين بالحرب والسلم وفي الأوقات المختلفة فوصفهم وصفاً دقيقاً يبين الحق الذي لا مرية فيه فقال:(يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلا) يظن هؤلاء الجبناء أن الأحزاب المجتمعة لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقتال المؤمنين لن يذهبوا حتى يستأصلوا المؤمنين، وإن قدّر أن جاء الأحزاب مرة أخرى لقتال أهل المدينة يود هؤلاء المنافقون أنهم خارجون من المدينة مع الأعراب يسألون عن أخباركم، ماذا حدث لكم بعد قتال عدوكم؟ ولو كانوا فيكم أيها المؤمنون ما قاتلوا معكم إلا قليلاً، فلا تبالوا بهم ولا تأسوا عليهم، ثم ذكر مثلاً يقتدى به ومثالاً يسار على نهجه فقال:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) لقد كان لكم فيما قاله رسول الله وقام به وفعله قدوة حسنة فقد حضر بنفسه الكريمة وباشر الحرب فكيف تبخلون بعد ذلك بأنفسكم عن نفسه؟ ولا يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من كان يرجو اليوم الآخر ويعمل له وذكر الله كثيراً، وأما الذي لا يرجو اليوم الآخر ولا يذكر الله كثيراً فإنه لا يتأسىّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن سألت ما كان حال المؤمنين حين عاينوا الأحزاب أتاك الجواب:(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) لما عاين المؤمنون الأحزاب المجتمعة لقتالهم، قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله من البلاء والمحن والنصر، وصدق الله ورسوله في هذا فقد تحقق وما زادهم معاينتهم للأحزاب إلا إيماناً بالله وانقياداً له، من فوائد الآيات:
  • 1- الآجال محددة لا يقربها قتال ولا يبعدها هروب منه.
  • 2- التثبيط عن الجهاد في سبيل الله شأن المنافقين دائماً.
  • 3- الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة المؤمنين في أقواله وأفعاله.
  • 4- الثقة بالله والإنقياد له من صفات المؤمنين.

تعود بنا الذكريات إلى غزوة أحد حين وقف أنس ابن النضر يواجه الأعداء والأصدقاء بثقة وثبات، وقد أشيع إن محمداً قد مات فقال إذا كان محمد قد مات فإن رب محمد لم يمت، إذا كان محمد قد مات فما قيمت الحياة بعد محمد، يا قوم قوموا نقاتل على ما قاتل عليه رسول الله ونموت على ما مات عليه رسول الله، ذكره هنا وإن لم يتقدم له ذكرٌ ليشيد بفضله ويبين أنه تبوء مكانة عالية ومنزلة رفيعة فقال:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا*لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) من المؤمنين رجال عظام كان فعلهم كقولهم، صدقوا الله فوفوا بما عاهدوه عليه من الثبات والصبر على الجهاد في سبيل الله، فمنهم من مات أو قتل في سبيل الله كأنس ابن النضر الذي وقف موقفاً رائعاً في غزوة أحد، وثبت ثبات الأبطال، إعتذر عن صنع قومه وتبرأ من صنع المشركين، ومن هؤلاء من ينتظر الشهادة في سبيل الله، وما غيّر هؤلاء المؤمنون ما عاهدوا الله عليه مثل ما فعل المنافقون بعهودهم، ليجزي الله الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه بصدقهم ووفائهم بعهودهم، ويعذب المنافقين الناقضين لعهودهم إن شاء بأن يميتهم قبل التوبة من كفرهم، أو يتوب عليهم بأن يوفقهم للتوبة قبل موتهم، وكان الله غفوراً لمن تاب من ذنوبه رحيماً به. وحين نذكر أنس ابن النضر نذكر رجلاً يقتدى به، رجلٌ وقف موقف صدق دافع عن الإسلام حتى الرمق الأخير، عندما أُخرج من بين القتلى وجدوا به بضعاً وثمانين أو بضعاً وتسعين ما بين ضربة سيف أو طعنة رمح، تشوهت هيئته ولم يعرفوه إلا ببنانه، عرفته أخته الربيّع، لذلك أشاد به هنا كما أشاد به في سورة آل عمران، ومهما يكن فبذكر الصالحين تتنزل الرحمات، ونختم هذا الجزء سائلين الله أن يفقهنا في دينه ويرزقنا العمل بما علمنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة