الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ثلاث وثلاث 


   إن التمادي في أكل الحرام وشرب الحرام يورث ثلاثاً مهلكات: شح مطاع وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه. فالشح: بخل مع حرص، منه ما هو جِبليّ يجب التخلص منه، من هنا ذيّل الله الآية التي مدح فيها الأنصار (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فهؤلاء الأكابر استطاعوا أن يتخلصوا من الداء العضال الشح المطاع فكان المال في أيديهم لا في قلوبهم، كان المال عندهم وسيلة لإسعاد الناس والتخفيف عنهم، بينما نرى المنافقين على النقيض من ذلك، (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً ● أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) فالشحيح بخيل بالواجب حريص على المال يبخل به في وقت الحاجة فقوله (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) عن أن يمدوا إليكم أيديهم بالعون فيما تمس الحاجة إليه، ما ذاك إلا لمبالغة في حب المال والبخل به في وقت اشتدت الحاجة فيه إلى الإنفاق استعداداً لرد العدو المتربص، والشح يدفع بصاحبه إلى الوقوع في المحرم يجعل الفاعل يقع في جملة من الأخلاق والأفعال الذميمة: الجبن عن مقاتلة العدو، والخوف الشديد منه، الإساءة إلى المؤمنين في أوقات الأمن، والتقاعس عن بذل الخير في وقت الحاجة، فالشح منعهم من أداء ما يجب عليهم، فإذا صار الشح الحكم والحاكم المطاع صارت الحياة معه صعبة عسيرة، وهوى متبع: الهوى ميل النفس إلى الشهوة، وسمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوي السقوط من علو إلى سفل، والهاوية هي النار، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) ولأنه اتبع هواه وقع في الضلال لأن الله أعمى بصيرته (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) إن الآية تبين حال متبع الهوى أبلغ بيان فهو غائب عن العلم لأنه لم ينتفع بما وهبه الله من آلات تعين على معرفة الحق وترغّب فيه، أما وقد أهملها ومال إلى الهوى وأعرض عن الحق فأعرض الله عنه، وقد حذر الله أولياءه من إتباع الهوى فقال لداوود (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) لأن الحق والباطل نقيضان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان وأوعد الأمة في شخص النبي وعيداً يبقى أثره على مر الليالي والأيام فقال (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) وإنما جمع الأهواء تنبيهاً على اختلافها، فإن لكل مخلوق هوى غير هوى الآخر، ثم إن هوى كل واحد لا يتناهى، من هنا كان إتباع أهواء الناس نهاية الضلال والحيرة، لأنه لا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، وأضل منه من يتبع أهواء غيره، ثم إن من يتبع الهوى يعجب بنفسه وبعقله وفكره، فلا يرى لأحد فضل عليه، بل يرى نفسه هي المتفضلة، فلا يسمع لأحد، ولا يقبل من أحد، ولعل الواقع يصدق أن هذه الثلاثة أعني الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب المرء بنفسه توقع الفرد في الهلاك، وبالتالي تفرق الكلمة، ويختلف الاجتهاد ويتنافر الناس، لأن كل أحد لا يسمع لأحد ولا يقبل من أحد، لأن الكل يعتبر نفسه الإمام الأوحد الذي لا مثيل له، من حقه أن يطاع، هل بعد هذا من مهلك، فما المنجي إن كان من منجي؟ ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب فهي ثلاث منجيات هي الدواء الشافي مما تسبب الهلاك خشية الله في السر والعلانية، الخشية خوف يشوبه تعظيم وكثيراً ما ينشأ عن علم بما يخشى منه لذلك خص الله بها العلماء  (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فحصرها بهم وقصرها عليهم، وألحق بهم طالب العلم الذي يقرب من الله فقال يصف الأعمى (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ● وَهُوَ يَخْشَى) ووصف الله قوماً فقال:   ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد ٍ● هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ● مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) وما حصل له ما حصل إلا نتيجة تعلم ومعرفة بالله وما يجب له، وراقبه في السر والعلانية لأن جميع تصرفاته نابعة عن إيمان ومراقبة. ومن هذه حاله لا يظلم ولا يبخل ولا يحقد ولا يتطاول، وبهذا تقوى آصرة المودة بين جميع أفراد المجتمع.

    ولما كان المال قوام الحياة به تستقيم وعليه يتوقف صلاحها؛ لذلك كانت الصفة الثانية متممة للأولى القصد في الفقر والغنى، والقصد الاستقامة مع الشرع: التوسط بين الإفراط والتفريط، فالجود بين البخل والإسراف؛ لذلك مدح الله عباد الرحمن فقال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) والتوسط في الفقر والغنى يقيم المجتمع على قواعد ثابتة فيعيش الناس في راحة بلا دَين مرهق بل ينفق بقدر الحاجة، بعيداً عن المحرم، والثالثة: العدل في الرضى والغضب، العدل ضربان: عدل مطلق يقتضي العقل حسنه، ويجب بذله لمستحقه أياً كان أكان صديقاً أم عدواً، أكان المعطي راضٍ أم ساخط وقد أمر الله المؤمنين أن يعدلوا مع كل الخلق ولا يظلموا أحداً وعدل عرف بالشرع أنه عدل، كالقصاص وما في معناه وما يلحق به، مما في تركه أحياناً تألف وتأليف: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ) فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه، والشر بأقل منه، فحين تستقيم أخلاق الناس على هذا تقوى المودة، وتجتمع الكلمة، ويعم الخير والسعادة جميع أفراد المجتمع؛ والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة