الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما موقف الناس من الرسول  
سورة فاطر   الآيات 24 - 45


بين الله الأدلة على ثبوت صفات الجلال والجمال له، وقرر أن الفرق بين المؤمن والكافر كالفرق بين الحي والميت، ناسب أن يوجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقيم به الحجة على قومه ويقطع عذرهم فقال:(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) إن بعثناك بالأمر الثابت الذي لا شك فيه رسولاً تبشر المؤمنين بما أعد الله لهم من الثواب الكريم، وتنذر الكافرين مما أعد لهم من العذاب الأليم، فتقطع عذر المعتذرين، ومثلما بعثناك كنا نبعث إلى الأمم السابقة رسلاً يبلغونهم عن الله فما من أمة إلا وبعثنا إليها نذيراً يخوفها عذاب الله ويبشرها بثوابه، ولما كان تكذيب الأمم خُلقاً دائماً لها، ناسب أن يرد على من كذب محمداً صلى الله عليه وسلم فقال:(وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ*ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) وإن يكذبك قومك فاصبر فلست أول رسول كذبه قومه، فقد كذبت الأمم السابقة لهؤلاء رسلهم مثل عادٍ وثمود وقوم لوط، جاءتهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة الدالة على صدقهم، وجاءتهم رسلهم بالصحف وبالكتاب المنير لمن تدبره وتأمله، ومع ذلك كفروا بالله ورسله ولم يصدقوهم فيما جاءوا به من عنده، فأهلك الله الذين كفروا فتأمل كيف كان إنكار الله عليهم حيث أهلكهم ولم يبقي لهم أثراً، ولما ذكر الرسالات ناسب أن يذكر دليلاً من الطبيعة القريبة فقال:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ*وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) الهمزة للإستفهام ولم للنفي، فإذا اجتمع الاستفهام والنفي دل على التحقق والتقرير، والرؤية قلبية بمعنى العلم، وإنما ذكر الرؤية لأنها علم انتهى إلى الحس فكان يقينياً، والخطاب للرسول في الدرجة الأولى ولكل قارئ على مر الليالي وتوالي الأيام، أن الله أنزل من السماء ماء المطر فأخرج بذلك الماء ثمرات مختلفاً ألوانها، فيها الأحمر والأخضر والأصفر وغيرها، مع أن أصلها ومخرجها واحد، تراب الأرض وماء السماء، وبعد أن سقى أشجارها منه أثمرت هذه الثمار المختلفة، كما أنه خلق من الجبال طرائق مختلفة بيضٌ تارةً وحمرٌ ثانية وطرائق حالكة السواد ثالثة، وخلق من الناس ومن الدواب ومن الأنعام عنيت الإبل والبقر والغنم، مختلف ألوانه مثل ذلك المذكور، وهذه الحقيقة لا يعلمها إلا من تعلم وسافر في الأرض فتعرف على كل هذه الأشياء، لذلك ختم الآية بقوله إنما يعظّم مقام الله تعالى ويخشاه حق خشيته العالمون به سبحانه، لأنهم عرفوا صفاته وشرعه ودلائل قدرته حق المعرفة فخافوه حق الخوف، لأنه غالب لا يغالبه أحد، غفور لذنوب من تاب من عباده. ولما كان القرآن سبيلاً واضحاً يبين للناس المنهج الذي يجب أن يسلكوه، ناسب أن يمدح قارئيه العاملين بما فيه، ويعدهم بالأجر العظيم فقال:(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ*لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) إن الذين يقرؤون كتاب الله الذي أنزله على رسوله ويعملون بما فيه من الحكم والأحكام، وأدوا الصلاة محافظين عليها بأركانها وشروطها وسننها وهيئاتها على أحسن وجه وأكمله، وأنفقوا مما رزقهم الله على سبيل الوجوب أو الندب فيدخل في ذلك الزكاة وغيرها، أنفقوا ذلك خفية فيما تستحب فيه الخفية، وجهراً فيما يمكن أن يقتدى بهم فيه، فعلوا ذلك وهم يرجون بتلك الأعمال تجارة عند الله لن تكسد، لذلك أقسم أن يوفيهم الله ثواب أعمالهم كاملاً ويزيدهم من فضله، فهو أهل لذلك لأنه غفور لذنوب المتصفين بهذه الصفات، شكور لأعمالهم الحسنة، وفيه تعليم للأمة أن ترد الجميل وتحسن المكافأة، من فوائد الآيات:

  • 1- نفي التساوي بين الحق وأهله من جهة، وبين الباطل وأهله من جهة أخرى.
  • 2- كثرة عدد الرسل عليهم السلام قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم دليل على رحمة الله وعناد الخلق.
  • 3- إهلاك المكذبين سنة إلهية.
  • 4- صفات الإيمان تجارة رابحة وصفات الكفر تجارة خاسرة.
ولما بين الفرق بين الكفر والإيمان والمعصية والطاعة، ناسب أن يبين مصدر المعرفة الأول في هذا الباب عنيت القرآن الكريم فقال:(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) والذي أوحيناه إليك من الفرائض والأحكام والقصص والأمثال هو الحق الثابت الذي لاشك فيه، هو نفسه أنزله الله تصديقاً للكتب السابقة، إن الله لخبير بعباده بصيرٌ يوحي إلى رسول كل أمة ما تحتاج إليه في زماننا، واختلاف الناس في ذلك ناشئ من دوافع شخصية أو إجتماعية او غريزية، لذلك تراه يقسم الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أقسام فيقول:(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ*جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) ثم أعطينا أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين اخترناهم على الأمم القرآن الكريم، فمنهم ظالم لنفسه بفعل المحرمات وترك الواجبات، ومنهم مقتصد بفعل الواجبات وترك المحرمات مع بعض المستحبات، وفعل بعض المكروهات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وذلك بفعل الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات، وذلك المذكور من الإختيار لهذه الأمة وإعطائها القرآن هو الفضل الكبير لا يدانيه فضل، من هنا كان جزاؤه أعظم جزاء وأفضله، أشار إليه بقوله جنات إقامة دائمة يدخلها هؤلاء المصطفون يلبسون فيها لؤلؤاً وأساور من ذهب، ولباسهم فيها حرير، شكروا المنعم وأثنوا عليه (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ*الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) وقالوا بعد دخولهم الجنة الحمد لله الذي أزال عنا الحزن بسبب ما كنا نخافه من دخول النار، إن ربنا لغفور لذنوب من تاب من عباده شكور لهم على طاعته، والدليل أنه الذي أنزلنا دار الإقامة التي لا نقلة بعدها من فضله لا بحول منا ولا قوة، لا يصيبنا فيها تعب ولا عناء، وتلك نعمة عظيمة، وعلى الطرف الآخر قوم جحدوا نعم الله وتنكروا له فقال فيهم:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ*وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور، وهم يصيحون فيها بأعلى أصواتهم يستغيثون قائلين ربنا أخرجنا من النار نعمل عملاً صالحاً مغايراً لما كنا نعمل في الدنيا لننال رضاك ونسلم من عذابك، فيجيبهم الله أولم نجعلكم تعيشون عمراً يتذكر فيه من يريد ان يتذكر فيتوب إلى الله، ويعمل عملاً صالحاً، وجاءكم الرسول منذراً لكم من عذاب الله فلا حجة لكم ولا عذر بعد هذا كله، فذوقوا عذاب النار فما للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي من نصير ينقذهم من عذاب الله أو يخفف عنهم (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بما يخفيه عباده في صدورهم من الخير والشر، من فوائد الآيات:
  • 1- فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم.
  • 2- تفاوت إيمان المؤمنين يعني تفاوت منزلتهم في الدنيا والآخرة.
  • 3- الوقت أمانة يجب حفظها، فمن ضيعها ندم حين لا ينفع الندم.
  • 4- إحاطة علم الله بكل شيء.
(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا) هو الذي جعل بعضكم أيها الناس يخلف في الأرض بعضاً ليختبركم كيف تعملون، فمن كفر بالله وبما جاءت به الرسل فإثم كفره وعقابه عائد عليه، فلا يضر كفره ربه، ولا يزيد الكفار كفرهم عند ربهم إلا بغضاً شديداً، ولا يزيد الكفار كفرهم إلا خسارا، حيث إنهم يخسرون ما كان أعد الله لهم في هذه الجنة لو آمنوا، ثم ينتقل إلى محاورتهم فيقول:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا) ثم أمر رسوله أن يقول لهؤلاء المشركين إشارةً إلى أنه معرض عنهم مشرفاً رسوله بالخطاب، يتولى هو مواجهة القوم، قل أخبروني عن شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله ماذا خلقوا من الأرض، أخلقوا جبالها أخلقوا أنهارها أخلقوا دوابها؟؟ أم أنهم شركاء مع الله في خلق السموات، بل أأعطيناكم كتاباً فيه حجة على صحة عبادتكم لشركائكم، لا شيء من ذلك حاصل بل لا يعد الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي بعضهم بعضاً إلا خداعاً وتمويها، وإن شئت قل كذباً لأن الشركاء لا يملكون شيئاً ولا يقدرون على شيء ولا يعطون شيئاً، والله لم يعط دليلاً على صحة عبادة الشركاء، بل هو وحده المتفرد بالأمر والنهي، المقصود بقضاء الحاجات، لأنه وحده الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) إن الله سبحانه يمسك السموات والأرض مانعاً أيهما من الزوال، ولإن فرضنا جدلاً أنهما زالتا ما أمسكهن أحدٌ بعده، إنه كان حليماً لا يعاجل بالعقوبة، غفوراً لذنوب من تاب من عباده، هكذا يثبت لهم بالدليل الحسي أنه المتصرف الوحيد، وقد كانوا من قبل يتمنون إرسال رسول إليهم ليؤمنوا به ويطيعوه ويحكموا شرعه ويرضوا بحكمه، سجل ذلك فقال:(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا*اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا) حلف الكفار المكذبون أيماناً مغلظة مؤكدة لإن جاءهم رسول من الله ينذرهم عذابه ويدعوهم إلى الإيمان به ليكونُن أكثر استقامة على الحق واتباعاً له من اليهود والنصارى وغيرهما، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً من ربه يخوفهم عذاب الله ما زادهم مجيئه إلا بعداً عن الحق وتعلقاً بالباطل، فلم يوفوا بما أقسموا عليه من الأيمان المؤكدة من أن يكونوا مؤمنين أهدى من اليهود والنصارى وأكثر اتباعاً للحق، وقسمهم هذا بالله على ما أقسموا عليه ليس عن حسن نية وسلامة قصد، بل للإستكبار في الأرض وخداع الناس، ولا يحيط المكر السيء إلا بأصحابه، ثم يسألهم سؤالاً هل ينتظر هؤلاء المستكبرون شيئاً غير أن يصيبهم مثلما أصاب المكذبين قبلهم من الهلاك كما أهلك أسلافهم، إنها سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل، كل من استكبر عن قبول الحق وتكبر عن طاعة الرسول يهلكه الله ولن تجد لسنة الله تحويلاً بأن تقع على غيرهم لأنها سنة إلهية ثابتة لا تتخلى، فإن أردتم الدليل فابحثوا عنه في الجوار، لذلك لامهم أنهم لم يخرجوا من بلادهم يبحثون عن الآثار التي تعرّفهم وتثبّتهم فقال:(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) أكذبوا بالحق فلم يسيروا في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية الذين كذبوا من الأمم قبلهم، قوم صالح وقوم لوط على طريقهم إلى الشام، وقوم هود على طريقهم إلى اليمن وغيرهم، ألم تكن نهايتهم نهاية سوء حيث أهلكهم الله، وكانوا أشد قوة من قريش، وما كان الله ليفوته شيء في السموات ولا في الأرض، إنه كان عليماً بأعمال عباده لا يغيب عنه من أعمالهم شيء ولا يفوته، قدير على إهلاكهم متى شاء وكيف يشاء، فهل من معتبر؟!، من فوائد الايات:
  • 1- الكفر سبب لمقت الله، وطريق للخسارة والشقاء.
  • 2- المشركون لا دليل لهم على شركهم من عقل ولا نقل.
  • 3- تدبير الظالم في تدميره عاجلاً أو آجلا.
وهنا يبلغ التحدي منتهاه وتظهر قوة جبار السموات والأرض وعظمته وحلمه على من عصاه فيقول:(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) ولو يعجل الله العقوبة للناس بما عملوه من المعاصي وما ارتكبوه من الآثام لأهلك جميع أهل الأرض في الحال، وما يملكون من دواب وأموال، ولكنه سبحانه يؤخرهم إلى أجل محدد في علمه وهو يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء، فإذا جاء يوم القيامة فإن الله كان بعباده بصيراً مطلعاً على خفاياهم وخباياهم، لا يخفى عليه منهم شيء فيجازيهم على أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وفي قوله:(بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) تهديد يخلع القلوب من موضعها ويجعل النفس تذهب في فهمه كل مذهب، فما أحوجنا أن نفهم عن القرآن فتستقيم حياتنا، ويصلح حاضرنا، ونسعد في مستقبلنا، فاللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة