الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أيستوي البحران  
سورة فاطر   الآيات 1 - 23


مقاصد السورة عرض مشاهد قدرة الله والإبداع في الخلق وما يدل على وجوب تعظيم الله وخشيته والإيمان به وتذكر نعمه، استفتح البيان فقال:(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كل الحمد مستحق لله لأنه خالق السموات والأرض على غير مثال سابق، والذي جعل من الملائكة رسلاً ينفذون أوامره القدرية ويبلغون رسالته إلى رسله، وقواهم على أداء ما ائتمنهم عليه، فمنهم ذو جناحين وذو ثلاثة وذو أربعة، يطير بها لتنفيذ ما أمر به، يزيد الله ما يشاء في الخلق من حسن، أو قوة، أو صوت، أو عضوٍ، إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، قدرته مطلقة. (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إن مفاتيح كل شيء بيد الله، فما يفتح للناس من رزق وهداية وسعادة فلا أحد يستطيع أن يمنعه، وما يمسكه من ذلك فلا أحد يستطيع إرساله من بعد إمساك الله له، وهو العزيز لا يغالبه أحد الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره، ولما كان الله بهذه المثابة ناسب أن يذكر الإنسان بحاله ويلفته إلى وجوب الخضوع لله وعدم التعالي على أوامره فقالها كلمة صادقة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أمرهم بتذكر النعم التي أنعمها الله عليهم بقلوبهم وبألسنتهم وبجوارحهم، وترجمة ذلك الذكر إلى عمل إيجابي ينفعهم وينفع غيرهم ويدفع عنهم وعن غيرهم، ثم سألهم السؤال هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ينزله عليكم من المطر وغيره، ويرزقكم من الأرض بما ينبته من الثمار والزروع، إذاً ما دام هو الخالق وهو الرازق وهو الذي ابتدأ الإنسان بالنعم فلا معبود بحق غيره، فكيف بعد معرفة هذه الحقيقة تصرفون عن عبادته وتفترون عليه فتزعمون أن لله شركاء، وهو الذي خلقهم ورزقهم، كيف يكون المخلوق شريك الخالق؟ كيف يكون المربوب شريكاً لربه، إنه الغباء بأجلى معانيه وأوضح صوره، من فوائد الايات:

  • 1- مشهد فزع الكفار يوم القيامة مشهد عظيم يورث الإنابة إلى الله.
  • 2- محل نفع الإيمان في الدنيا لأنها دار العمل.
  • 3- عظم خلق الملائكة يدل على عظمة خالقها سبحانه.
ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم يبني ديناً جديداً عماده الإيمان باليوم الآخر، والرسالة لإقامة حياة فاضلة، ناسب أن يدخل على الموضوع من جهة إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فيواسيه ويأخذ بيده، يحضه على الصبر فقال:(وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) وإن يكذبك قومك –أيها الرسول- فاصبر فليس أول من كذبه قومه، فقد كذبت أمم من قبلك رسلهم مثل عاد وثمود وقوم لوط، والأمر لله وحده وإليه ترجع الأمور كلها، فيهلك المكذبين وينصر رسله والمؤمنين، ولما كان الوعد بيوم القيامة وعداً إلهياً ناسب أن يؤكد عليه ويبين الدوافع البشرية التي تدفع إليه فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ*إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) يا أيها الناس إنما وعد الله به من البعث والحساب والجزاء يوم القيامة حق لا شك فيه، أقام عليه الأدلة في مواضع من كتابه مضى كثير منها ويأتي بعد، وإنما يصرف الناس عن الإيمان به مصالحهم الشخصية، تخدعهم لذات الحياة الدنيا وشهواتها عن الإستعداد لذلك اليوم العظيم بالعمل الصالح، لذلك حذرهم أن يغتروا بتزيين الشيطان الباطل فيركنوا إلى الحياة الدنيا، وإنما كان ذلك من الشيطان لأنه عادى آدم وأبناءه، والعدو لا يحب الخير لعدوه، ويجهد في صرفه عن الأمور التي له فيه مصلحة، إن الشيطان لكم أيها الناس عدو دائم العداوة فاتخذوه عدواً بالتزام محاربته، إنما يدعو الشيطان أتباعه إلى الكفر بالله لتكون عاقبتهم دخول النار الملتهبة يوم القيامة، فيأنس بهم في دركات جهنم، ونستخلص من ذلك أن الناس فريقان، جمعهم في قوله:(الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) الذين كفروا بالله اتباعاً للشيطان لهم عذاب قوي، والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات التي تنفعهم وتنفع غيرهم أو تدفع عنهم أو عن غيرهم، لهم مغفرة من الله لذنوبهم، ولهم أجر عظيم منه وهو الجنة. ولما كان الإنسان البعيد من الله المنغمس في الشهوات المعرض عن إعمال عقله فيما يرى ويسمع، يعيش في أوهام يتخيل القبيح حسناً والمضر نافعاً (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) إن من حسن له الشيطان عمله السيء فاعتقده حسناً، ليس كمن زين له الله الحق فاعتقده حقاً، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء لا مكره له، إذا كان كذلك فلا تهلك نفسك أيها الرسول حزناً على ضلال الضالين، إن الله سبحانه عليم بما يصنعون لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، ولما ذكر أن الله هو المتصرف الوحيد في هذا الكون حكمه ماض وإرادته نافذة، ناسب أن يذكر بعض الأدلة الكونية يستدل بها على كمال قدرته فقال:(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) والله الذي بعث الرياح فتحرك السحاب ثم تسوقه بأمر الله إلى بلد لا نبات فيه، فيحيي الله بمائه الأرض بعد جفافها بما ينبته فيها من النبات، فكما أحيا الأرض بعد موتها بما أودعه الله فيها من النبات يكون بعث الأموات يوم القيامة للحساب والجزاء، الثواب والعقاب، ولما أثبت ذلك ناسب أن يبين موقف الناس منه فقال:(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) من كان يريد العزة في الدنيا وفي الآخرة فلا يطلبها إلا من الله، فلله وحده العزة فيهما إليه يصعد ذكره الطيب، وعمل العباد الصالح يرفعه إليه، فيبارك لهم فيه ويثيبهم عليه، وهذا هو الفريق الأول الذي أفاد من حياته فجعلها مركباً للآخرة ومزرعة تثمر له الخير الكثير في الآخرة، وعلى النقيض الذين يمكرون السيئات يدبرون المكائد السيئة، كمحاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وصد الناس عن الإسلام، لهم عذاب شديد في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ومكر أولئك الكفار يبطل ويفسد وكون وباله عليهم، ولا يحقق لهم مقصداً. ثم أقام الدليل على إحاطة علمه وكمال قدرته فقال:(وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) والله الذي خلق أباكم آدم من تراب، ثم خلقكم من نطفة، ثم جعلكم ذكوراً وإناثاً تتزاوجون بينكم، وما تحمل من أنثى جنيناً ولا تضع ولدها إلا بعلمه جل جلاله، لا يغيب عنه من ذلك شيء، وما يزاد في عمر أحد من خلقه، ولا ينقص إلا كان ذلك مسطوراً في اللوح المحفوظ، إن ذلك المذكور من خلقكم من تراب وخلقكم أطواراً، وكتابة أعماركم في اللوح المحفوظ على الله سهل، من فوائد الآيات:
  • 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر أخبار الرسل مع أقوامهم.
  • 2- الإغترار بالدنيا سبب الإعراض عن الحق.
  • 3- اتخاذ الشيطان عدواً باتخاذ الأسباب المعينة على التحرز منه، من ذكر الله وتلاوة القرآن وفعل الطاعة وترك المعاصي.
ولما كانت الأمور تختلف ناسب أن يضرب لها أمثالاً حسية تبين هذا الإختلاف وإن كان ذلك لا يمنع من إفادة الناس من المختلف، فضرب مثلاً لمختلفين في كل منهما فائدة للإنسان أولاً فقال:(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لا يتساوى البحران المراد بالبحرين الماء الكثير، أحدهما البحر المعروف والآخر النهر الكبير، أحدهما عذب شديد العذوبة سهل شربه لعذوبته، والثاني مالح مر لشدة ملوحته لا يمكن شربه، ومن كل من البحرين تأكلون لحماً طرياً هو السمك، وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان تلبسونهما زينةً، وترى السفن تشق بجريها البحر مقبلة ومدبرة طلباً للرزق من فضل الله بالتجارة، تفعلون ذلك وأنتم ترجون أن يكون فيه شكراً لله على ما أنعم به عليكم من نعمه الكثيرة، هذا المثال للبحرين المختلفين، فمع اختلافهما أثمرا ما فيه فائدة مادية ومعنوية لكم أيها المكلفون، وفي ذلك عبرة لكم وفائدة، ففي الإختلاف رحمة ومنفعة للمختلفين ولغيرهم، ولما كان البحران متناقضان مختلفان أثمرا اللؤلؤ والمرجان، وأتاحا للناس الإفادة منهما في حياتهما، ناسب أن يذكر مختلفين من نوع آخر ويدل على الفائدة العملية من اختلافهما فقال:(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) يدخل الليل في النهار فيزيد الليل وينقص النهار، ويدخل النهار في الليل فيزيد النهار وينقص الليل، وجعل لليل آية وللنهار آية، وسخر الشمس والقمر كل منهما يجري فتؤمن الشمس للناس الأوكسجين بواسطة الشجر في النهار، وتؤمن لهم الدفئ وتسهل الحياة، وتحفظ التوازن في الهواء والطبيعة، ويؤمن لهم القمر الحساب لأن العرب كانوا أميين لا يكتبون ولا يحسبون، وبجريان الشمس والقمر تستقيم حياة العرب لموعد مقدّر يعلمه الله وهو يوم القيامة، ذلك الذي ذكر يقدر الله وجوده ويجريه هو الله ربكم له وحده الملك، والذين تعبدونهم من دونه من الأوثان ما يملكون قدر لفافة من نواة تمر كناية عن أقل شيء يمكن أن يملك، فكيف تعبدونهم وتتركون الغني المغني والمعطي والمانع، وتتجهون إلى الفقير الضعيف العاجز الذي لا يملك أي شيء، ثم بيّن أن الأصنام لا تنفع ولا تدفع فقال:(إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) إن تدعوا معبوديكم لا يسمعوا دعاءكم، لأنهم جمادات لا حياة فيها ولا سمع لها، ولو سمعوا دعاءكم على سبيل التقدير لما استجابوا لكم لأنهم عاجزون، ويوم القيامة يتبرؤون من شرككم وعبادتكم إياهم، ولا يخبرك أحد أيها الرسول أصدق من الله سبحانه لأنه عليم ببواطن الأمور مطلع على الخفايا والخبايا، فإذا أخبر أخبر عن علم، ثم يوجه القرآن الخطاب إلى الناس كل الناس فيقول لهم:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ*إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ*وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) يا أيها الناس أنتم المحتاجون إلى الله في كل شؤونكم صغيرها وكبيرها وفي كل أحوالكم، والله هو الغني الذي لا يحتاج إليكم في شيء المحمود على كل حال في الدنيا والآخرة، على ما يقدره لعباده، والدليل قدرته عليكم واحتياجكم إليه، إن يشأ أن يزيلكم بإهلاككم أزالكم، ويأتي بخلق جديد بدلكم يعبدونه لا يشركون به شيئاً، وما إزالتكم بإهلاككم والإتيان بخلق جديد بدلكم بممتنع على الله سبحانه وتعالى، فكل واحد منكم مسؤول عن عمله محاسب عليه، لا يحاسب الله أحداً عن أحد ولا يقبل أن يتكلف أحدٌ بدل أحد، نظم الكون على طريقة فريدة فقال:(وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) فبين أن كل نفس تحمل المسؤولية عن نفسها إن أحسنت أو أساءت، ولا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، بل كل نفس تحمل إثم ذنبها، وإن تدعو نفس مثقلة بحمل ذنوبها من يحمل عنها شيئاً من ذنوبها لا يحمل عنها من ذنوبها أحد شيئاً، ولو كان المدعو قريباً لها، ثم بيّن أن الرسول إنما يخوف من عذاب الله الذين يخافون ربهم وهم غائبون عنه وهو غائب عنهم لا يرونه، فإن خافوا الله في خلوتهم وخافوه وهم لا يرونه فهم لرؤيته أشد خوفاً، وبمراقبته أحرص على طاعته، وإذا أتموا ما كلفهم الله به من واجبات وعلى رأسها الصلاة بأكمل وجوهها وأحسن ما يكون الأداء فهم الذين ينتفعون بتخويف الرسول صلى الله عليه وسلم لهم من الله، ومن تطهر من المعاصي ورأسها وأعظمها الشرك، فإنما يتطهر لنفسه لأن نفع ذلك عائد إليه، فالله الغني عن طاعته وإلى الله الرجوع يوم القيامة للحساب والجزاء، من فوائد الايات:
  • 1- تسخير البحر والأنهار وتعاقب الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر من نعم الله على الناس، لكن الناس تعتاد هذه النعم فتغفل عنها.
  • 2- سفه عقول المشركين حين يعبدون أصناماً لا تسمع ولا تعقل.
  • 3- الإفتقار إلى الله صفة لازمة للبشر، والغنى صفة كمال لله عز وجل.
  • 4- تزكية النفس عائدة إلى العبد، فهو يحفظها إن شاء من الوقوع في المحرمات والمعاصي، أو يضيعها إن شاء بإيرادها موارد التهلكة، إلى أن يوصلها إلى جهنم.
ثم بين الفرق بين معبودات المشركين التي لا تسمع ولا تعقل، وبين المعبود الحق الذي ينفع ويدفع بأمثلة من الواقع، فذكر ثلاثة اشياء وإن شئت قل أربعة:(وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ*وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ*وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ*وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ*إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ) وما يستوي الكافر والمؤمن، لأن الكافر كالأعمى لم يبصر الحق ولا يعرفه، ولا استطاع الإستدلال عليه، والمؤمن عرف الحق واهتدى إليه، لذلك شبهه بالبصير الذي يعرف ما يريد لأن الكفر يشبه الظلمات، والإيمان يشبه النور، ولا مساواة بين الظلمات والنور كما لا مساواة بين الكفر والإيمان، ولأن المكان البارد الهادئ الذي توفر فيه سبل الراحة لا يساوي المكان الحار الذي يعاني فيه أصحابه من أحوال النار وآلامها، ولما كان الأموات لا يدركون قيمة الحياة ولا يعرفون أثرها، ناسب أن يستدل على عدم تساوي هذه الأشياء لعدم تساوي الحياة والموت والأحياء والأموات، فالأحياء يسمعون ويعقلون ويجيبون والأموات لا يسمعون ولا يعقلون، وبالتالي لا يجيبون، فخلص إلى نتيجة مؤداها لا يستوي المؤمنون والكفار، لا يستوي الذين سمعوا داعي الحق واهتدوا به ومن لم يسمع ولم ينتفع، لأن الله يسمع من يشاء ويهديه، والرسول لا يستطيع أن يسمع الكفار الذين أصموا آذانهم عن سماع داعي الحق وأعموا أبصارهم عن رؤية الأدلة، وأشغلوا قلوبهم بحطام الدنيا ومباهجها عن التفكر في نعم الله ونعيمه فأضاعوا دنياهم وأخراهم ولم ينتفعوا ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان مصيرهم كمصير أسلافهم فاللهم جنبنا الزلل ووفقنا للعمل وتقبل منا إنك أنت الغفور الرحيم.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة