الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

إثنان حق لا ريب فيه  
سورة سبأ   الآيات 28 - 54


أنكر المشركون البعث الجسماني وشككوا في نبوة الرسول ورسالته، فكان لازماً للقرآن أن يدافع عن رسول الله فيلزم المكذبين الحجة ويقيم الأدلة التي تثبت البعث والرسالة فقال:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) وما بعثناك أيها الرسول إلا للناس لتكفهم عن الباطل وتلزمهم بالحق الذي لاشك فيه لتبشر أهل التقوى بالجنة وتخوف أهل الكفر والفجور من النار، ولكن معظم الناس لا يعلمون ذلك، فلو علموه وثبت لديهم لآمنوا به واحتكموا إليه، لكن طمع الإنسان وغروره وحبه لمصالحه الشخصية يدفعه إلى إنكار الحق، لذلك أنكروا على الرسول قوله واستبعدوه (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ) يقول المشركون مستعجلي العذاب الذي يخوفون به متى هذا الوعد بالعذاب إن كنتم صادقين فيما تدعون من أنه حق، ودليل شكهم إستخدامهم لحرف "إن" الذي يفيد الشك في الفعل الذي دخل عليه، كأنهم يعرضون بهم فيكذبونه، لذلك أعرض الله عنهم وشرّف رسوله بالخطاب وكلفه أن يقول لهم قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: لكم ميعاد يوم محدد لا تتأخرون عنه ساعة ولا تتقدمون عنه ساعة، وهذا اليوم هو يوم القيامة، والمراد بالساعة مقدار معين من الوقت قل أو كثر، لا الساعة المعروفة في أيامنا، ثم بين حال الناس مع وضوح الأدلة كيف أنهم لا ينظرون في الدليل ولكن يتمسكون بباطلهم حتى تقع الواقعة ويكون الحساب ولا رجعة بعده (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) وقال الذين كفروا بالله لن نؤمن بهذا القرآن الذي يزعم محمد أنه منزل عليه، ولن نؤمن بالكتب السماوية السابقة واللاحقة، هكذا أصروا على باطلهم وواجهوا الرسول صلى الله عليه وسلم بما يكره، واستمروا على ذلك حتى انقضت حياتهم، وكأنه في هذه الآيات يعجب الرسول صلى الله عليه وسلم من حالهم، ولو ترى أيها الرسول وقت يكون الظالمون محبوسون عند ربهم يوم القيامة للحساب يتراجعون الكلام بينهم، يلقي كل منهم المسؤولية واللوم على الآخر، يقول الأتباع الذين استضعفوا لسادتهم الذين استضعفوهم في الدنيا، لولا أنكم أضللتمونا لكنا مؤمنين (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ*وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال المتبوعون الذين استكبروا عن قبول الحق للتابعين الذين استضعفوهم: أنحن منعناكم عن الهدى الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، لا بل كنتم ظلمة وأصحاب فساد وإفساد، ضللتم وأضللتم، وقال المتبوعون الذين استضعفهم سادتهم لمتبوعيهم المستكبرين عن الحق، بل صدنا عن الهدى مكركم بنا، بالليل والنهار حين كنتم تأمروننا بالكفر بالله وبعبادة مخلوقين من دونه، وأخفوا الندامة على ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا حين شاهدوا العذاب وعلموا أنهم معذبون، وجعلنا الأصفاد في أعناق الكافرين لا يجزون هذا الجزاء إلا بما كانوا يعملون في الدنيا من عبادة غير الله وارتكاب المعاصي على اختلافها. إنها السنن والناس هم الناس، فكل أمة أرسل الله إليها رسولاً قابلته المقابلة نفسها، وطعنوا عليه بكل وقاحة، لذلك تراه يسلي النبي فيقول:(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ*وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) يؤدب الرسول صلى الله عليه وسلم ويواسيه ويأخذ بيده فيقول حين كذبه قومه ذكره الله أن التكذيب هو مذهب الأمم السابقة، من قبله صلى الله عليه وسلم فقال ما بعثنا في قرية من القرى من رسول يخوفهم عذاب الله إلا قال المنعمون فيها من أصحاب السلطان والجاه والمال، إنا بما بعثتم به أيها الرسل كافرون، وقال أصحاب الجاه هؤلاء متبجحون مفتخرون نحن أكثر أموالاً وأكثر أولاداً، وما زعمتم من أننا معذبون كذب، فلسنا بمعذبين في الدنيا ولا في الآخرة. حقيقة طالما كررها القرآن هي أن المال نعمة ابتلائية، فالله يعطي الخلق المال في هذه الدنيا يبتليهم به، وقد يمنعهم إياه إبتلاءً لهم، فالحياة الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء لذلك تراه يشرف نبيه بالخطاب ويعرض عن المخالفين فيقول:(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ*وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) قل –أيها الرسول- لهؤلاء المغرورين بما أوتوا من النعم، ربي سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء اختباراً له أيشكر أم يكفر، ويضيقه على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يتسخّط، ولكن معظم الناس لا يعلمون أن الله حكيم، لا يقدر أمراً إلا لحكمة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، ويتابع البيان وليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها هي التي تقودكم إلى رضوان الله والجنة، ولكن من آمن بالله وعمل عملاً صالحاً حاز الأجر المضاعف، فالأموال بإنفاقها في سبيل الله والأولاد بدعائهم له، فأولئك المؤمنون العاملون الصالحات لهم ثواب مضاعف، لما عملوه من حسنات وهم في المنازل العلية من الجنة آمنون من كل ما يخافونه من العذاب والموت وانقطاع النعيم، ولما ذكر القسيم ناسب أن يذكر قسيمه، فبين أن الكفار الذين يبذلون غاية جهدهم في صرف الناس عن آيات الله ويسعون في تحقيق أهدافهم الشخصية أو المادية خاسرون في الدنيا معذبون في الآخرة، ثم بين أن توسيع الرزق أو تضييقه لحكمة وبحكمة فقال:(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) قل أيها الرسول إن ربي سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ويضيقه على من يشاء منهم، وما أنفقتم من شيء في سبيل الله فالله سبحانه وتعالى يخلفه عليكم في الدنيا بإعطائكم ما هو خير منه، وفي الآخرة بالثواب الجليل والله هو خير الرازقين، فمن طلب الرزق فليلجأ إليه سبحانه، من فوائد الايات:

  • 1- تبرأ الأتباع والمتبوعين بعضهم من بعض، لا يُعفي كلاً من مسؤوليته.
  • 2- الترف مبعد عن الإذعان للحق والإنقياد له.
  • 3- المؤمن ينفعه ماله وولده، والكافر لا ينتفع بهما.
  • 4- الإنفاق في سبيل الله يؤدي إلى إخلاف المال في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة.

ولما تحدث عن الجزاء والثواب والعقاب، ناسب أن ينقل الناس إلى أرض المحشر ليسأل الملائكة سؤالاً يبكّت به عابديهم ويقيم الحجة على من يعبد غير الله ويقطع عذره فقال:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ*قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ*فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) اذكر –أيها الرسول- يوم يحشرهم الله جميعاً أي مجتمعين، ثم يقول للملائكة توبيخاً للمشركين وتقريعاً لهم، أهؤلاء كانوا يعبدونكم في الحياة الدنيا من دون الله، رد الملائكة تنزهت وتقدست أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم بل كان هؤلاء المشركون يعبدون الشياطين يتمثلون لهم أنهم ملائكة فيعبدونهم من دون الله معظمهم بهم مؤمنون، وهكذا وقعت الواقعة وحصل الفراق يوم الحشر والحساب، في ذلك الموقف لا يملك المعبودون لمن عبدوهم في الدنيا من دون الله نفعاً ولا يملكون لهم ضراً، ويقول الحق للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، وهكذا نقلنا إلى الآخرة وأرانا ما هو كائن، حجة واضحة أنه المستحق للعبادة، وأن لا أحد يستحق العبادة غيره لأنه وحده المتصرف في هذا الكون، بيده الأمر كله وله الحكم وإليه ترجعون، ثم أعادنا إلى الدنيا ليرينا حال الناس بعد هذه الموعظة القيمة فقال:(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ*وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ) أصر الكافرون على الكفر وتكذيب الرسل وعبادة غير الله معه أو دونه، دأبهم التشكيك في النبوة والرسالة والوحي المتلو والبعث والجزاء، وكلما قرأ عليهم القرآن المنزل على رسول الله وما فيه من الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة قالوا ما هذا الرجل الذي بهذا القرآن إلا رجل يريد أن يصرفكم عما عليه آباؤكم، واتهموا القرآن زوراً بأنه كذب مختلق على الله، وقال الذين كفروا بالله للقرآن لما جاءهم من عند الله ليس هذا إلا سحراً واضحاً لتفريقه بين المرء وزوجه والإبن وأبيه، أقوال قالوها بلا دليل ولا حجة، وما أعطيناهم من كتب يقرؤونها حتى ترشدهم أن هذا القرآن كذب اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، وما أرسلنا إليهم قبل إرسالك أيها الرسول من رسول يخوفهم من عذاب الله، لكنها منهجية اتبعها الناس عبر العصور، وخُلق تخلقوا به فلم يتخلفوا عنه، فالأولون والآخرون على نفس الطريق، أقوياءهم وضعافاءهم، أغناياءهم وفقراءهم، فهاهم الأقوام أقوى وأغنى من العرب، كذبوا الرسل كالعرب (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) وكذبت الأمم السابقة مثل عاد وثمود وقوم لوط، وما وصل المشركون من قومك إلى معشار ما وصلت إليه الأمم السابقة من القوة والمنعة والمال والعدد، فكذب كل منهم رسوله، فما نفعهم ما أوتوا من المال والقوة والعدد، فوقع بهم عذاب الله، فانظر أيها الرسول كيف كان إنكار الله عليهم، وكيف كان عقاب الله لهم، ثم أمرهم أن يقفوا وقفة متأنية يتأملون فيها ما نزل من القرآن وينظرون في شخصية النبي وما يتحلى به من الأخلاق، ليعلموا حقيقة ثابتة مبنية على أدلة قطعية فقال:(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) قل لهؤلاء المشركين إنما أشير إليكم وأنصحكم بخصلة واحدة هي أن تقوموا متجردين من الهوى لله سبحانه، إثنين اثنين، أو منفردين، ثم تتفكروا في سيرة صاحبكم وما علمتم من عقله وصدقه وأمانته، لتتبينوا أنه صلى الله عليه وسلم ليس به جنون، ما هو إلا محذر لكم بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا إلى الله من الشرك به وعبادة غيره، لا أطلب منكم على ذلك عوض إنما أنا ناصح أمين، جل ما أطلبه بينه في قوله:(قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) قل لهؤلاء المشركين المكذبين ما سألتكم من ثواب أو أجر على ما جئتكم به من الهدى والخير فهو لكم، ليس ثوابي إلا على الله وحده، وهو سبحانه على كل شيء شهيد، فهو يشهد أني بلغتكم ويشهد على أعمالكم فيوفيكم جزاءها كاملاً غير منقوص، ثم شرع ببيان بعض صفات الألوهية فبدأ بقوله:(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) ولما أقام الحجة على أهل الباطل والشرك بيّن أن ذلك سنته، فكلف الرسول أن يتولى مخاطبة المشركين إيذاناً بإعراضه عنهم وتشريفاً لرسول الله باختصاصه بالمخاطبة والتكليف، إن ربي يسلط الحق على الباطل فيبطله، وقال مرةً فيدمغه أي يصيب دماغه، وهو علام الغيوب لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض، ومن ذلك أعمال عباده يحصيها عليهم ليحاسبهم بها يوم القيامة، من فوائد الآيات:
  • 1- التقليد الأعمى للآباء صارف عن الهداية.
  • 2- التفكير مع التجرد من الهوى وسيلة للوصول إلى القرار الصحيح والفكر الصائب.
  • 3- الداعية إلى الله لا ينتظر الأجر من الناس، إنما ينتظره من رب الناس.
ثم بين قوة الحق وثباته واستمراره وانه دائماً منتصر على الباطل لأنه مؤيد من الله فقال:(قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) أمره أن يقول للمشركين المكذبين قولاً صريحاً لا مرية فيه ولا شك، جاء الحق الذي هو الإسلام لله والتسليم له، وزال الباطل الذي لا يبدو له أي أثر أو قوة، ولا يعود إلى نفوذ لأنه لا حقيقة له في نفسه ولا يمكنه مقاومة الحق، ثم بين حجة واضحة تثبت صدق دعواه وتدلل أنها دعوة حق، كيف لا وهو متمسك بها ناصر لها مؤيد من مرسلها (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) شرف النبي صلى الله عليه وسلم فكلفه أن يوجه إليهم الخطاب، ولم يشرفهم بتوجيه الخطاب إليهم إيذاناً بأنه معرض عنهم لإعراضهم عن شرعه، إن ضللت عن الحق فيما أبلغكم فضرر ضلالي قاصر علي لا ينالكم منه شيء، وإن اهتديت إليه فبسبب ما يوحيه إلي ربي سبحانه وتعالى، إنه سميع لأقوال عباده قريب لا يتعذر عليه سماع ما أقول، وكأن القيامة قامت أو أوشكت فنقلنا القرآن إلى ذلك الموقف العظيم يبين لنا صدق الرسول وقوة حجته، ويبين لنا من ينجو في ذلك اليوم ومن يهلك فقال:(وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ*وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ) ولو ترى أيها الرسول إذ فزع هؤلاء المكذبون حينما عاينوا العذاب يوم القيامة فلا مفر لهم منه، ولا ملجأ يلتجؤون إليه، وأخذوا من مكان قريب سهل التناول لأول وهلة، لو ترى ذلك لرأيت أمراً عجباً، عندها صرحوا بالإيمان فهل ينفعهم مع إصرارهم على الكفر في حياتهم الدنيا، وقالوا حين رأوا مصيرهم ورأوا يوم القيامة رأي عين آمنا بيوم القيامة، وكيف لهم تعاطي الإيمان وتناوله وقد بعد عنهم مكان قبول الإيمان وزمانه بخروجهم من دار الدنيا التي هي دار تكليف وعمل إلى الدار الآخرة التي هي دار جزاء ولا عمل، قال في موضع آخر (لا ينفع نفس ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) وقال هنا:(وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) كيف يحصل منهم الإيمان ويقبلوا وقد كفروا في الحياة الدنيا، ويروون بالظن من جهة بعيدة، فهم عاجزون عن إصابة الحق ويطلقون في الرسول صفات لا حقيقة لها ولا واقعة، وفي قرارة أنفسهم ينكرونها، ومع ذلك يقولونها وينشرونها ساحرٌ، كاهنٌ، شاعر، في ذلك الموقف وقفوا عاجزين تأكل قلوبهم الحسرة والندامة (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) ومنع المكذبون من الحصول على ما يشتهونه من ملذات الحياة ومن التوبة من الكفر والنجاة من النار، والعودة إلى الدنيا كما فعل بأمثالهم من الأمم المكذبة من قبلهم، إنهم كانوا في شك مما جاء به الرسل من توحيد الله والإيمان بالبعث، شك باعث على الكفر، فلم تنفعهم نصيحة ولا ردهم تخويف ولا اعتبروا بمصير غيرهم، فاللهم نور أبصارنا وبصائرنا فلا نضل ولا نخزى.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة