الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما الموقف من البعث؟  
سورة سبأ   الآيات 1 - 27


سورة سبأ مكية وآياتها أربع وخمسون، استفتح البيان بالحمد وهو الثناء باللسان على الجميل الإختياري، ولما كان الله أصل كل نعمة ناسب أن يخص بالحمد فقال:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) كل الحمد مستحق لله لأن له كل ما في السموات وكل ما في الأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً في الدنيا، وله سبحانه الثناء في الاخرة وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير بأحوال عباده لا يخفى عليه شيء، ثم ذكر شيئاً من علمه فقال:(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) يعلم ما يدخل في الأرض من ماء ونبات وغير ذلك، وما يخرج منها من نبات وغيره، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر والملائكة والرزق والرحمة، ويعلم ما يصعد في السماء من الملائكة وأعمال العباد وأرواحهم، وهو الرحيم بعباده المؤمنين الغفور لمن تاب إليه منهم، ولما ذكر صفات الجلال والجمال ناسب أن يبين موقف المدعويين منها فقال:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ*لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وقال الذين كفروا بالله لا تأتينا الساعة أبدا لأنهم رأوا استحالة عودة الأموات بسبب تفرقها في الأشخاص، وظنوا أنه يعسر عليه سبحانه إعادتها لا البالي منها ولا جديداً، لأنه إن أعاد جديداً فلماذا يعذبه؟ وإن أعاد البالي فكيف يجمعه؟ مع أنه أشار إلى عظيم قدرته وسعة علمه ما يجعل ذلك أمراً ميسوراً له، وقال الذين كفروا بالله لا تأتينا الساعة أبدا، قل لهم –أيها الرسول- بلى والله لتأتينكم الساعة التي تكذبون بها، لكن لا يعلم وقت ذلك إلا الله، فهو سبحانه عالم ما غاب من أمر الساعة وغيرها لا يغيب عن علمه سبحانه وزن أصغر نملة في السموات كناية عن بعدها، ولا في الأرض كناية عن المكان المظلم، ولا يغيب عنه أصغر من ذلك المذكور ولا أكبر إلا هو مكتوب في كتاب واضح وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ونظير هذه الآية قول لقمان لإبنه (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتي بها الله) لماذا الساعة؟ للحساب وثواب المطيعين وعقاب العاصين، ضرورة الحساب توجب وجود يوم له يظهر فيه فضل الصالحين وزيف المخادعين، هناك يعاقب العصاة ويثيب المطيعين، أثبت الله ما أثبت في اللوح المحفوظ ليجزي الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، أولئك المتصفون بتلك الصفات لهم من الله مغفرة لذنوبهم فلا يؤاخذهم بها ولهم رزق كريم وهو جنته يوم القيامة، لما ذكر القسيم ذكر قسيمه (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ) والذين عملوا جاهدين لإبطال ما أنزل الله من آيات فقالوا عنها سحر، وقالوا عن رسولنا كاهن، ساحر، شاعر، أولئك المتصفون بتلك الصفات لهم يوم القيامة أسوأ العذاب وأشده، وحين تقوم الساعة (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ويشهد علماء الصحابة ومن آمن من علماء أهل الكتاب أن الذي أنزله الله إليك من الوحي المتلو وغير المتلو هو الحق الذي لا مرية فيه، ويرشد إلى طريق العزيز الذي لا يغلبه أحد، المحمود في الدنيا والآخرة، ثم بدأ يذكر وسائلهم التي اتبعوها لصرف الناس عن دين الإسلام، وكان أول هذه الوسائل تشويه الدعوة بنسب الرسول إلى الجنون أو الكذب، أشار إلى الأول بقوله:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) وقال الذين كفروا بالله لبعضهم البعض تعجباً وسخرية مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هل ندلكم على رجل يخبركم أنكم إذا متم وقطعتم تقطيعاً أنكم ستبعثون بعد موتكم أحياء(أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ) وقالوا هل اختلق هذا الرجل على الله كذباً فزعم ما زعم من بعثنا بعد موتنا، أم هو مجنون يهذي بما لا حقيقة له، ليس الأمر كما زعم هؤلاء، بل الحاصل أن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم في العذاب الشديد يوم القيامة وفي الضلال البعيد عن الحق في الدنيا، ثم شرع يقيم لهم الدليل على فساد معتقدهم وصحة ما زعموا أنه باطل، وكأنه بهذا يقلب الدليل عليهم ويقيم الحجة التي لا يستطيعون إنكارها فقال:(أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) أكذب هؤلاء فلم يعلموا علماً يقينياً بالبعث فما بين أيديهم من الأرض فينظروا فيما بين أيديهم من الأرض ويروا ما خلفهم من السماء كيف أن الله المتصرف الوحيد فيهما لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، إن يشأ أن يخسف بهم الأرض من تحت أقدامهم خسفها من تحتهم، وإن يشأ أن يسقط عليهم قطعاً من السماء لأسقطها عليهم، إن في كمال قدرته وعظيم بطشه لعلامة قاطعة لكل عبد كثير الرجوع إلى طاعة ربه، يستدل بهذه الأدلة الكونية على طاعة الله، فالقادر على ذلك قادر على بعثكم بعد موتكم وتمزق أجسادكم. ولما كان الناس لا يؤمنون إلا بالمحسوس ناسب أن يقدم لهم دليلاً حسياً منتزعاً من التاريخ يريهم قدرة الله على الخلق وبطشه بأعدائه، وخير ما يعين على ذلك قصص الأنبياء الذين خبروا الحياة واطلعوا على أسرارها، فهذا داود الذي ألان الله له الحديد يذكره عبرة لمن يعتبر ودليلاً لمن يطلب الدليل، فإذا أعطى داود قدرة فائقة وملكاً عظيماً قادرٌ على إعادة الأموات بعد فنائها (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ*أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ولقد أعطينا داود عليه السلام منا نبوة وملكاً عظيماً، وقلنا للجبال يا جبال رجعي مع داود التسبيح، سخرنا الطير صيرناها له تكرر تسبيحه، وصيرنا له الحديد ليناً ليصنع ما يشاء من أدوات الحرب كالسيوف والدروع، أن اعمل يا داود دروعاً واسعة تقي مقاتليك بأس عدوهم، وصير المسامير مناسبة للحلق فلا تجعلها دقيقة بحيث لا تستقر فيها ولا غليظة بحيث لا تدخل فيها، وأمر داود وأهل بيته وأنصاره فقال اعملوا عملاً صالحاً إني بما تعملون بصير لا يخفى علي من أعمالكم شيء وسأجازيكم عليها، ولما كان داود أباً لسليمان ناسب أن يذكره عقبه ويذكر ما أكرمه به (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ*يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) وسخرنا لسليمان بن داود عليهما السلام الريح تسير في الصباح مسافة شهر، وتسير في المساء مسافة شهر، وسيلنا له عين النحاس ليصنع من النحاس ما يشاء، وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بأمر ربه، والذي يميل من الجن عما أمره الله به عن العمل نذيقه من عذاب النار الملتهبة، يعمل هؤلاء الجن لسليمان ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور عظيمة، وما يشاء من صور وما يشاء من قصاع مثل حياض الماء الكبيرة، وقدور للطبخ الثابتة فلا يتحركن لعظمهن، وقلنا لهم اعملوا يا آل داود شكراً لله على ما أنعم به عليكم، وقليل من عباد الله الشكور، له سبحانه على ما أنعم به عليهم، كان الناس في عهد سليمان يظنون أن الجن يعلمون الغيب كما يظن الناس في أيامنا هذه، فيستعينون بالسحرة على إفساد المجتمع، وكان سليمان عليه السلام كلما ظهر ساحر أخذ كتبه ووضعها تحت منبره حتى لا تصل إليها يد شيطان أو ملحد أو عاصي، وصدق الناس أن الجن يعلمون الغيب فترك داود يحرس جنوده من الجن إلى أن مات وهم يعملون بين يديه، وبقي فترة ميتاً لم يحس به لا الجن ولا الإنس، فحقق الله له ما اراد فقال:(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) فلما حكمنا على سليمان بالموت ما أرشد الجن إلى أنه قد مات إلا حشرة الأرضة، وهي دويبة صغيرة تأكل الخشب، تأكل عصاه التي كان متكئاً عليها، فلما أكلتها انكسر الخشب وسقط سليمان على الأرض، عندها علم الناس علماً يقينياً مستنداً إلى الحس أن الجن لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا يعلمونه لما مكثوا في العذاب المذل لهم وهو ما كانوا عليه من الأعمال الشاقة التي يعملونها لسليمان عليه السلام ظناً منهم أنه حي يراقبهم، من فوائد الآيات:

  • 1- تكريم الله نبيه داود بالنبوة والملك، وتسخير الجبال والطير يسبحن بتسبيحه، وإلانة الحديد له.
  • 2- تكريم الله نبيه سليمان عليه السلام بالنبوة والملك.
  • 3- اقتضاء النعم لشكر الله عليها.
  • 4- اختصاص الله بعلم الغيب فلا أساس لما يدعى من أن للجن أو غيرهم اطلاع على الغيب.
  • 5- الشكر بحفظ النعم.
  • 6- الأمن من أعظم النعم التي يمتن الله بها على خلقه.
  • 7- الإيمان الصحيح يعصم من اتباع إغواء الشيطان بإذن الله.
  • 8- ظهور إبطال أسباب الشرك ومداخله كالزعم أن للأصنام ملكاً أو مشاركة لله في إعانة أو شفاعة عند الله.

ولما قص خبر سليمان عليه السلام وحرصه على تنفيذ ما كلفه الله به وجدّه واجتهاده، ناسب أن يذكر قوماً أنعم عليهم فلم ينتفعوا وأكرمهم فلم يشكروا فقال:(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ*فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ*ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ) أتبع الله ذكر داود وسليمان عليهما السلام، بذكر ما أنعم به على اهل سبأ، إلا أن داود وسليمان شكرا واهل سبأ كفروا، فقال لقد كان لقبيلة سبأ في مسكنهم آية، علامةً ظاهرة على قدرة الله وإنعامه عليهم، وهي جنتان إحداهما عن اليمين والثانية عن الشمال، وقلنا لهم كلوا من رزق ربكم واشكروه على نعمه، هذه بلدة طيبة والله رب غفور يغفر ذنوب من تاب إليه، فأعرضوا عن شكر الله والإيمان برسله فعاقبهم الله بتبديل نعمهم نقماً، فأرسل عليهم سيلاً جارفاً خرب سدّهم وأغرق مزارعهم، وبدّلهم ببستانيهم بستانين مثمرين بثمر مر، وفيهما شجر الأثل، ويسمى النبق، لكنه لم يكن مثمراً إلا بعضه، وهو شيء من السدر قليل، وثمر السدر يسميه العرب النبق، وفي أمثال الخليج من سبق لبق وأكل النبق، ذلك التبديل الحاصل لما كانوا عليه من النعم، بسبب كفرهم وإعراضهم عن شكر المنعم، ولا نعاقب هذا العقاب الشديد إلا الجحود لنعم الله الكفور به سبحانه (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ*فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) وجعلنا بين أهل سبأ في اليمن وبين قرى الشام التي باركنا فيها قرىً متقاربة، وقدرنا فيها السير بحيث يسيرون من قرية إلى قرية دون مشقة حتى يصلوا الشام، فلم تكن بين قراهم أماكن بعيدة عن العمران، وقلنا لهم سيروا فيها ما شئتم من ليل أو نهار في أمن من العدو والجوع والعطش، فبطروا نعم الله عليهم بتقريب المسافات وتيسير الحياة وقالوا ربنا باعد بين أسفارنا بإزالة تلك القرى حتى نذوق تعب الأسفار وتظهر مزية ركائبنا، وظلموا أنفسهم ببطرهم النعمة وإعراضهم عن شكر المنعم، وحسدهم للفقراء منهم، فصيرهم الله أحاديث يتحدث بها الناس من بعدهم، وفرقناهم في البلاد كل تفريق بحيث لا يتواصلون فيما بينهم، إن في ذلك المذكور من الإنعام على أهل سبأ ثم الإنتقام منهم لكفرهم وبطرهم لعبرة لكل صبار على طاعة الله وعن معصيته وعلى البلاء شكور لنعم الله (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ*وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) ولقد حقق عليهم إبليس ما ظنه من أنه يستطيع إغواءهم وإضلالهم عن الحق، فاتبعوه في الكفر والضلال إلا طائفة من المؤمنين فإنهم خيبوا رجاءه بعد اتباعهم له، وما كان لإبليس عليهم من سلطان يقهرهم به على المعصية فيرغبهم في أن يضلوا وإنما كان يزين لهم ويغويهم، إلا أن الله أذن له في إغوائهم ليظهر الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي، ومن يؤمن بالآخرة ومن هو منها في شك فيثاب على ما في الآخرة من نعيم ويعاقب الآخر، على كل حال فالله يحفظ أعمال عباده ويجازيهم عليها، وهاهنا يتحدى القرآن المشركين الذين يعبدون غير الله أن يطلبوا من عابديهم تحقيق شيء فيقول:(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: نادوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله ليجلبوا لكم النفع أو يكشفوا عنكم الضر، فهم لا يملكون وزن ذرة في السموات ولا في الأرض وليس لهم شرك فيها مع الله، وليس لله من معين يعينه فهو غني عن الشركاء وعن من يعينه، من فوائد الآيات:
  • 1- الشكر يحفظ النعم، والجحود يسبب سلبها.
  • 2- الأمن من أعظم النعم التي يمتن الله بها على العباد.
  • 3- الإيمان الصحيح يعصم من اتباع اغواء الشيطان بإذن الله.
  • 4- إبطال أسباب الشرك ومداخله كالزعم بأن للأصنام ملكاً أو مشاركة لله أو إعانة أو شفاعة عند الله.

ولما ادعى المشركون أنهم إنما يعبدون أصنامهم لتشفع لهم عند الله فتقربهم منه، ناسب أن يرد عليهم فقال:(وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ولا تنفع الشفاعة عنده سبحانه إلا بشرطين: الإذن للشافع أن يشفع والرضى عن المشفوع فيه، لذلك قال هنا إلا لمن أذن له، والله لا يأذن بالشفاعة إلا لمن ارتضى لعظمته جل جلاله، ومن مظاهر عظمته أنه إذا تكلم في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعاً لقوله حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم قالت الملائكة لجبريل ماذا قال ربكم؟ قال جبريل قال الحق وهو العلي بذاته وقهره، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، وبعد هذه المقدمات جاء دور الحوار فطرح سؤالاً وأجاب عليه وبنى على الإجابة، ثم طرح سؤالاً آخر وبنى عليه كما بنى على الأول، أما السؤال الأول فقوله:(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) قل لهؤلاء المشركين من يرزقكم من السموات بإنزال المطر ومن الأرض بإنبات الثمرات والزروع والفواكه، قل الله هو الذي يرزقكم منها، وإنا أو إياكم أيها المشركون لعلى هداية أو في ضلال واضح عن الطريق، فأحدنا لا محالة كذلك، ولاشك أن أهل الهدى هم المؤمنون وأن أهل الضلال هم المشركون، وإن ما استخدم هذا النوع من الأدلة يتألف الناس ويصوّب مسارهم وأسلوب اللف والنشر المرتب من الأساليب العربية المعروفة باستخدامه يستطيع المحاور أن يصل إلى هدفه من أقرب طريق، وكون المؤمنين على هدى والمشركين على ضلال أمر واضح لا يشك فيه عاقل، ثم بين لهم أنهم غير مسؤولين عن عمله ولا هو مسؤول عن أعمالهم، وجعل الفعل الأول ماضياً والفعل الثاني مضارعاً، لأن الفعل المضارع يدل على التجدد، والفعل الماضي يدل على الثبات، فمن على الحق ثابت عليه متمسك به، ومن على الباطل متردد (قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) قل لهم –أيها الرسول- لا تسألون يوم القيامة عن ذنوبنا التي ارتكبناها ولا نسأل نحن عما كنتم تعملون، فالحساب علينا وعليكم (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) قل لهم يجمع الله بيننا وبينكم يوم القيامة ثم يقضي بيننا وبينكم بالعدل فيبين المحق من المبطل، وهو الحاكم الذي يحكم بالعدل العليم بما يحكم به، ثم أبطل التعدد وأثبت التوحيد فقال:(قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) قل لهم أيها الرسول أروني الذين جعلتموهم لله شركاء يشركونهم معه في العبادة، كلا ليس الأمر كما تصورتم من أن له شركاء، بل هو الله العزيز الذي لا يغالبه أحد الحكيم في خلقه وقدره وتدبيره. هكذا حاور القرآن المشركين فدحض حجتهم وبين فساد أدلتهم، وأعلن الحق واضحاً ظاهرا، فهل من معتبر يقول الحق ويعمل له، فللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة