الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

تهديدٌ ووعيد 
سورة الأحزاب   الآيات 59 - 73


لما أوعد الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، ناسب أن يذكر ما يمنع إيذاء المؤمنات فبدأ بما يستر المرأة عن أعين المنافقين فقال:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) يا أيها النبي قل لأزواجك ولبناتك وقل لنساء المؤمنين يرخين عليهن من الجلابيب التي يلبسنها حتى لا تنكشف منهن عورة أمام الأجانب من الرجال، ليكون للمرأة المسلمة لباسها الخاص بها تعرف به فلا تلوكها الألسنة ولا يسيء إليها مغرض، ذلك أقرب أن يعرف أنهن حرائر فلا يتعرض لهن أحد بالإيذاء كما قد يتعرض للإيماء إذ كانت الأمة تخرج سافرةً فتعرف أنها من الإيماء، وكان الله غفوراً لذنوب من تاب من عباده رحيماً بهم، ولما كان المنافقون رأس حربة يحاول أعداء الإسلام استغلالهم لمحاربة المسلمين وإشاعة الفتنة في المجتمع الإسلامي، ناسب أن يهددهم ويتوعدهم فقال:(لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا*مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا*سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) لإن لم ينته المنافقون عن نفاقهم وإضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام، والذين في قلوبهم فجور بتعلقهم بشهواتهم، والذين يأتون بالأخبار الكاذبة في المدينة، ليغرينك الله بهم، أي لنأمرنك أيها الرسول بمعاقبتهم، ولنسلطنك عليهم ثم لا يساكنونك في المدينة إلا قليلاً من الزمن لإهلاكهم أو طردهم منها بسبب فسادهم في الأرض، حالة كونهم ملعونين مطرودين من رحمة الله في أي مكان ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا لنفاقهم ونشرهم الفساد في الأرض، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، إنها الطريقة التي يطهر الله بها الأرض من شر المنافقين إذا أظهروا النفاق وهي طريقة ثابتة لن تجد لها أبداً تغييراً، من فوائد الآيات:

  • 1- علو منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله.
  • 2- حرمة إيذاء أولياء الله وإيذاء المؤمنين دون سبب.
  • 3- النفاق سبب لنزول العذاب بصاحبه.

ولما ذكر سنته في إلحاق الأذى بالمكذبين والمنافقين ناسب أن يشير إلى عذاب آخر لجميع العصاة وثواب للمطيعين في يوم عظيم يقوم فيه الناس لرب العالمين فذكر الساعة (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) يسألك المشركون –أيها الرسول- سؤال إنكار وتكذيب، ويسألك اليهود أيضاً سؤال إحراج عن الساعة متى وقتها؟ قل لهؤلاء وأولئك علم الساعة عند الله ليس عندي منه شيء، ثم وجّه الخطاب إلى النبي فقال له وما يشعرك أيها الرسول لعل الساعة تكون قريبة، ولما ذكر الساعة ناسب أن يذكر ما أعد لأهل معصيته من العذاب الدائم جزاء ما أقدمت أيديهم فقال:(إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا*خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا*يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا*وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا*رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) أخبر سبحانه أن الله طرد المنافقين والكافرين من رحمته وهيأ لهم يوم القيامة ناراً ملتهبة تنتظرهم يمكثون في عذاب تلك النار المعدة لهم أبداً، لا يجدون فيها ولياً ينفعهم ولا نصيراً يدفع عنهم عذابها، يوم القيامة تقلب وجوههم في نار جهنم يقولون والحسرة تحرق قلوبهم والندم يأكل أكبادهم يا ليتنا في حياتنا الدنيا أطعنا الله بإمتثال ما أمرنا به واجتناب ما نهانا عنه، وأطعنا الرسول فيما جاءنا به من ربه، بدل ذلك جاؤوا بحجة واهية باطلة فقالوا ربنا إنا أطعنا رؤساءنا وكبراء أقوامنا فأضلونا عن الصراط المستقيم، فهم السبب أرادوا أن يحملوا المسؤولية غيرهم علهم ينجون، ربنا إجعل لهؤلاء الرؤساء والكبراء الذين أضلونا عن الصراط المستقيم ضعفي ما جعلت لنا من العذاب لإضلالهم إيانا، واطردهم من رحمتك طرداً عظيما، ولما آذى المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطاولوا عليه وضيقوا صدره وأقلقوا خاطره ناسب أن يذكر له مثلاً يقتدي به يكون عوناً له على الصبر ومؤنساً له في وحشته، لكنه لم يسقه سياق المثل أو الدعوة إلى الإقتداء، ولكن وجّه فيه الخطاب إلى المؤمنين لتكون القدوة هي المؤسس والمشجع للإقتداء لا الكلمة فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا) يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم لا تؤذوا رسولكم فتكونوا مثل الذين آذوا موسى كعيبهم له في جسده، فبرأه الله مما قالوا، فتبين لهم سلامته مما قالوا فيه، وكان موسى عند الله وجيهاً لا يرد طلبه ولا يخيب مسعاه، وختم السورة بما يدل على أن كل مكلف محاسب على ما يقوله مجازى به، فمهما استقام على الشرع والتزم المنهج وفقه الله للخير فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم اتقوا الله فاعملوا بما شرعه لكم، إمتثلوا أمره واجتنبوا ما نهاكم عنه، وقولوا قولاً صواباً صدقاً، قال عليه الصلاة والسلام على مثل الشمس فاشهد وإلا فدع، وكأنه بهذا يتابع حديثه مع الذين آذوا موسى فاتهموه بالباطل وأساؤوا إليه، وبيّن أن الشهادة يجب أن تكون على أمر واضح لا لبس فيه، فتكون حجة قطعية يقينية، لذلك أمرهم أن يقولوا قولا سديداً موافقاً للحق، صدقاً، يقينياً، ولا يوزعوا التهم جذافاً، ثم بين لهم أنهم ان اتقوا الله وقالوا قولاً صواباً أصلح الله لهم أعمالهم وتقبلها منهم، ومحا عنهم ذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، ثم وضع قاعدةً كلية أو قضية كلية عامةً بأن من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً لا يدانيه أي فوز لأنه فوز برضى الله في الدنيا والآخرة ودخول الجنة. ولما كان الحديث عن الآخرين فيه نوع من الأمانة، إذ كان استعمالاً للكلمة في الموضع المناسب وواجب المؤمن لابد من أن يكون نابعاً من الشرع، فبين أن الأمانة يقصّر فيها كثير من الناس فقال:(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا*لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) يخبر الله تعالى أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبت كل واحدة منهن أن تحتملها مع عظم جرمها وقوة بدنها، ومعنى إيبائها أن تحمل الأمانة أنها أدت ما كلفها الله به راضية لا تسأل على من أمطر ولا تسأل على من أشرق ولا تسأل لمن أنبت، وفي هذا تعريض بجهل الإنسان حين قال:(وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ) فلم يؤدها ولو أداها لما كان حاملاً لها، ومعنى حمل الإنسان لها أنه قصّر فبدل أن يعطي الأموال لصاحبها وضعها في جيبه، لأنه متمكن في الظلم غارقٌ في بحره، غافلٌ أو جاهلٌ بما ينتظره من عذاب، فالسموات خفن من عاقبة حمل الأمانة والإنسان لم يخف، لأن ما انطوت عليه نفسه من الأنانية وحب الذات والجهل بعاقبة عمله جعله يضع الأمور في غير موضعها، فيعود عليه ذلك بالعقوبة في الآخرة والخسارة في الدنيا، وإنما حملها الإنسان بقدر الله ليظهر بذلك فضل الصالحين وزيف المخادعين، إلى ذلك أشار بقوله ليعذب الله المنافقين من الرجال والمنافقات من النساء الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فيكشف زيفهم ويبين عيبهم، والمشركين من الرجال والمشركات من النساء على نفاقهم وشركهم بالله، وليتوب الله على المؤمنين والمؤمنات الذين أحسنوا حمل الأمانة فأدوا التكاليف التي كلف الله بها على أكمل وجه، وكان الله غفوراً لذنوب من تاب من عباده رحيماً بهم، من فوائد الآيات:
  • 1- اختصاص الله بعلم الساعة.
  • 2- العاصي يحاول أن يلقي تبعة عمله على غيره عله ينجو بنفسه.
  • 3- شدة تحريم إيذاء الأنبياء بالقول أو الفعل.
  • 4- عظم الأمانة التي تحملها الإنسان.

وهكذا تمت سورة الأحزاب، فطوفت بنا في ما حوته من حكم وأحكام، فكانت روضة فيها من كل الثمار والأزهار، وكانت مجلساً حافلاً بالأخبار، وكانت منهجاً يعلم الناس الصبر والإعتبار، فاللهم وفقنا وسددنا وارزقنا تلاوة كتابك آناء الليل وأطراف النهار.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة