الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين رسالتين  
سورة القصص   الآيات 26 - 50


وصل موسى إلى بيت الرجل الصالح فقص عليه قصته، من لدن أن كان في قصر فرعون إلى أن قتل المصري وعاش خائفاً إلى أن كان بأرض مدين، فطمأنه الرجل الصالح بنجاته من القوم الظالمين، فلا سلطان لفرعون مصر على مدين، فهو أعجز من أن يناله بسوء، كأنه قد تقرر بقاؤه في بيت الرجل الصالح مع بناته، فبحثت إحداهما عن منفعة لها تزيل عنتها من العمل خارج البيت، فاقترحت على أبيها اقتراحاً (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) قالت إحدى ابنتيه أظنها نفسها التي ذهبت إليه على استحياء تدعوه إلى بيت أبيها، لعلها لما لمست فيه من طيب معشر وحسن خلق وقوة في الدين وأمانة في العمل، فأرادت من أبيها أن يستأجره ليرعى غنمهم لجمعه بين القوة والأمانة، فبالقوة يؤدي ما كلف به، وبالأمانة يحفظ ما ائتمن عليه، ولاشك أن راعي الغنم خلوق لطيف حسن المعشر مع زوجه وأولاده، أعجبت الفكرة الأب فبادر إلى التنفيذ (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) قال أبوهما مخاطباً موسى عليه السلام إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين على أن يكون مهرها أن ترعى غنمنا ثماني سنين، فإن أكملت المدة عشر سنين فهذا تفضلٌ منك، لأن التعاقد إنما هو على ثماني سنين، وما فوقها تطوع، لا أريد بهذا أن ألزمك ما فيه مشقة عليك، ستجدني -إن شاء الله- من الصالحين الذين يوفون بالعقود ولا ينقضون العهود (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) قال موسى عليه السلام ذلك الذي بيني وبينك على ما تعاقدنا عليه، فأي الأمدين عملت لك ثماني أو عشر سنوات أكون قد وفيت بما علي فلا تطالبني بزيادة والله وكيل على ما تعاقدنا عليه، رقيب عليه، من فوائد الآيات:

  • 1- الإلتجاء إلى الله طريق النجاة في الدنيا والآخرة.
  • 2- حياء المرأة المسلمة سبب كرامتها وعلو شأنها.
  • 3- مشاركة المرأة بالرأي واعتماد رأيها إن كان صواباً أمر محمود.
  • 4- القوة والأمانة صفتا المسؤول الناجح.
  • 5- جواز أن يكون المهر منفعةً تعود إلى المرأة بوجه ما، فزواجها بموسى حقق لها راحةً من العمل في الرعي والسقي، وهذه مسألة مختلف بها في شرعنا، لأن في شرعنا المهر حق خالص للمرأة لا يشاركها فيه أب ولا أخ ولا أحد، فلعلها من شرع من قبلنا الذي سكت عنه القرآن والله أعلم.
تزوج موسى وأقام في بيت الرجل الصالح المدة التي قضى الله أن يمضيها، وسكت القرآن عن الباقي فيسعني أن أسكت، وإن ورد في القصص الإسرائيلي أشياء أمسك عن ذكرها لأن فيها تشويهاً لوصف رجل ظاهر الصلاح زكاه القرآن وأقر بصلاحه، فالله أعلم بالحقيقة، وحدودنا القرآن نراقبه فيما نكتب ولا نبحث فيما سكت عنه، مضت المدة وهمّ بموسى بالرحيل فأخذ زوجته ومضى إلى مصر لأن أهله هناك (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) كان البرد شديداً فاحتاج إلى النار يتدفأ بها، واحتاج إلى نور يخفف من ظلام الليل، فالغيم قد ستر النجوم ما أدى إلى ضياع موسى عن الطريق، وفي شدة حاجته إلى النار والنور أبصر من جانب الطور ناراً، قال لأهله اثبتوا إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بخبر يرشدني إلى الطريق الذي أضعته، أو آتيكم بشعلة من النار توقدون بها ناراً لعلكم تستدفئون من البرد، بقيت زوجه حيث أمرها وذهب إلى النار أو النور، فرأى الشجرة مضاءة من أسفلها إلى أعلاها لكنها لا تحترق، أمر عجيب!! إنه نور وليس ناراً، نور يهديه إلى ما يجب عليه فعله ويبين له المنهج الذي يعرف به الطريق المستقيم الذي يجب أن يسير عليه، وفي غمرة دهشته وتعجبه ناداه رب العزة (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) فلما جاء موسى النار التي أبصرها ناداه ربه سبحانه من جانب الوادي الأيمن في الموقع الذي باركه الله بتكليمه لموسى من الشجرة، أي يا موسى إني أنا الله رب المخلوقات كلها (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ) وأن اطرح عصاك فطرحها موسى إمتثالاً لأمر ربه، فلما رآها تتحرك كأنها حية في سرعتها ولّى هارباً خوفاً منها، قال هنا تهتز كأنها جان والجان نوع من الحيات السريعة، وقال في طه (حية تسعى) فهي لا تتعارض مع ما ورد في الشعراء وغيرها، المهم أن موسى خاف منها، هذه العصا التي يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه تنقلب حية حقيقية تتحرك وتضطرب في سرعة عجيبة، ولّى هارباً خوفاً منها ولم يرجع من هربه، فناداه ربه يا موسى أقبل ولا تخف فإنك من الآمنين منها ومن غيرها مما تخاف، ثم قال له رب العزة (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) معجزة ثانية أدخل يدك اليمنى في فتحة قميصك مما يلي الرقبة، تخرج بيضاء من غير برص، فأدخلها موسى فخرجت بيضاء كالثلج، ثم قال له واضمم يدك ليهدأ خوفك، فضمها موسى إليه فذهب عنه الخوف، فهذان المذكوران حجتان مرسلتان من ربك إلى فرعون والأشراف من قومه إنهم قومٌ خارجون عن طاعة الله بالكفر وارتكاب المعاصي، رأى موسى التشريف وأيقن أنه لابد أن يتبعه تكليف، كيف يذهب إلى فرعون؟ كيف يواجه الفاسقين؟ لابد أن يبحث عن وسيلة أو حيلة يتخلص بها من هذه المهمة الصعبة (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) قال موسى متوسلاً إلى ربه إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلوني به إن جئتهم لأبلغهم ما أرسلت به، فكّر موسى بوسيلة أخرى يدفع بها خوفه ويكون له أنيس يرافقه في الرحلة المرعبة، فلربما أجبره الله أن يذهب وهو خائف، فأن يذهب برفقة أخ له يشد من أزره ويقوي معنوياته ويكون إلى جانبه، تابع موسى كلامه (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) وأخي هارون هو أبين مني كلاماً، ثابت الجنان هادئ المزاج، قليل الإنفعال، يحسن مواجهة المخالف، فابعثه معي معيناً يرافقني في كلامي إن كذبني فرعون وقومه، إني أخاف أن يكذبوني كما هي عادة الأمم التي بعثت إليها الرسل من قبلي فكذبوهم، طمأن الله موسى (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) قال الله مجيباً دعوة موسى سنقويك يا موسى ببعث أخيك معك رسولاً معيناً، ونجعل لكما حجة وتأييداً فلا يصلون إليكما بسوء تكرهانه بسبب آياتنا التي أرسلناكم بها، أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين المنتصرون، من فوائد الايات:
  • 1- الوفاء بالعقود شأن المؤمنين.
  • 2- تكليم الله لموسى ثابت على الحقيقة، لأن الله خلق في موسى القدرة على سماع الكلام النفسي وخلق فيه العلم الضروري على أنه يكلم الله.
  • 3- حاجة الداعي إلى من يؤازره وينصره على العدو، يقوي معنوياته ويؤنس وحشته.
  • 4- أهمية الفصاحة بالنسبة للدعاة ليعبروا عن ما يريدون بيسر ووضوح.
قبل موسى المهمة وتوكل على الله ومضى إلى فرعون يدعوه، طوى القرآن هذا الجانب من القصة ليرينا موسى بين يدي فرعون يبلغه الرسالة ويدعوه إلى الإيمان فبماذا أجابه؟! (فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) فلما جاءهم موسى عليه السلام بآياتنا واضحات قالوا ما هذا إلا كذب مختلق، اخترعه موسى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأقدمين، إنها السنن دائماً يعترض القوم على النبي بهذا الإعتراض، لكن موسى كان حكيماً صبوراً عرّض بهم دون أن يجرحهم (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وقال موسى مخاطباً فرعون ربي يعلم المحق الذي جاء بالرشاد من عنده سبحانه، ويعلم من تكون له العاقبة المحمودة في الآخرة، إنه لا يفوز الظالمون بمطلوبهم ولا ينجون من مرهوبهم، رد فرعون على موسى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) وقال فرعون مخاطباً الأشراف من قومه يا أيها الملأ ما علمت لكم من معبود غيري، فأشعل لي يا هامان على الطين حتى يشتد فابن لي به بناءً عالياً رجاء أن أنظر إلى معبود موسى وأقف عليه، وإني لأظن أن موسى كاذب فيما يدعيه أنه مرسل من عند الله إليّ وإلى قومي، إنه الكبر بأجلى صوره وأوضح معانيه، لذلك ناسب أن ينص القرآن عليه فقال:(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ) واشتد تكبر فرعون هو وجنوده واستعلوا في أرض مصر بغير موجب من الحق، وأنكروا البعث وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون يوم القيامة للحساب والثواب أو العقاب، فوجب عليهم العذاب واستحقوا الإنتقام (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ*وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ*وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) أخذت الملائكة فرعون وأخذت معه جنوده فطرحوهم في البحر غرقى حتى هلكوا جميعا، فتأمل أيها الرسول كيف كان مآل الظالمين ونهايتهم، فقد كان مآلهم ونهايتهم الهلاك، وجعلهم الله قدوةً للطغاة والضلال الذين يدعون إلى النار بما يبيتونه من كفر وضلال، ويوم القيامة لا ينصرون بإنقاذهم من العذاب بل يضاعف لهم العذاب بما سنّوه من سنن سيئة ودعوا إليه من ضلالة يكتب عليهم وزر عملهم بها ووزر من اتبعهم في العمل بها، وأتبعناهم زيادةً على عقوبتهم في هذه الدنيا خزياً وطرداً يوم القيامة، هم من المذمومين المبعدين عن رحمة الله، وهكذا أخزى الله أهل الباطل ونصر أهل الحق، مكّنهم في الأرض وأثابهم في الآخرة، وكان من نعم الله على بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون أن أنزل على موسى وحياً متلواً يبيّن الحلال والحرام ويوضح الطريق ويثبّت المنهج (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ولقد أعطينا موسى التوراة من بعد ما أرسلنا إلى الأمم السابقة رسلنا فكذبوهم فأهلكناهم بسبب ذلك، وجعلنا في التوراة ما يبصّر الناس بما ينفعهم فيعملون به وما يضرهم فيتركونه، وضمنّاها إرشادهم إلى الخير ورحمةً لما فيها من خيري الدنيا والآخرة، لعلهم يتذكرون نعم الله عليهم فيشكرونه ويؤمنون به، من فوائد الآيات:
  • 1- رد الحق بالشبه الواهية شأن أهل الطغيان.
  • 2- التكبر مانع من اتباع الحق.
  • 3- سوء نهاية المتكبرين من سنن رب العالمين.
  • 4- للباطل أئمته ودعاته وصوره ومظاهره.
ثم بين أن القرآن من عند الله أوحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم وضمنه الإخبار بالغيب دليلاً على صدق النبي ودعوته لاتباع منهجه فقال:(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ*وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ*وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ما كنت أيها الرسول حاضراً بجانب الجبل الغربي بالنسبة لموسى عليه السلام حين أنهينا إليه الأمر بإرساله إلى فرعون وملئه، وما كنت من الحاضرين حتى تعلم خبر ذلك فتقصه على الناس، فإن ما تخبرهم به هو من وحي الله إليك، فإن بينك وبين موسى قروناً أشار إليها بقوله أنشأنا أمماً وخلائق من بعد موسى فتباعد عليهم الزمن حتى نسوا عهود الله، وما كنت مقيماً في أهل مدين تقرأ عليهم آياتنا ولكنا أرسلناك من عندنا فأوحينا إليك خبر موسى وإقامته في مدين فأخبرت الناس بما أوحي إليك من ذلك، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى وأوحينا إليه ما أوحينا حتى تخبر بذلك ولكن أرسلناك رحمةً من ربك للناس فأوحينا إليك خبر ذلك لتنذر قوماً ما جاءهم رسول من قبلك ينذرهم لعلهم يتعظون فيؤمنون بما جئتهم به من عند الله سبحانه، ثم بين الحكمة من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب، إنها إقامة الحجة وقطع العذر حتى لا يقول العرب لو أرسلت إلينا رسولاً لآمنا، فبين لهم أنهم متمرسون بالكذب، متمسكون بالباطل متبعون الهوى، وأن القرآن إنما جاء لينقذهم من باطلهم ويردهم إلى الحق السوي فقال:(وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) ولولا أن تنالهم عقوبة إلهية بسبب ما هم عليه من الكفر والمعاصي فيقولوا محتجين بعدم إرسال رسول إليهم، هلا بعثت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونعمل بها، ونكون من المؤمنين العاملين بأمر ربهم، لولا ذلك لعاجلناهم بالعقاب لكنا أخرنا عنهم حتى نعذر إليهم ببعث رسول يقيم الحجة ويوضح المنهج ويبين الطريق المستقيم فيقطع العذر، تمنوا الرسول فهل آمنوا به؟ ماذا كان من أمرهم؟ فلما جاء قريشاً محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة من ربه سألوا يهود عنه فلقنوهم الحجة، فقالوا هلا أعطي محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطي موسى من الآيات الدالة على أنه رسول من ربه، كاليد والعصى، قل أيها الرسول رداً عليهم ألم يكفر اليهود بما أعطي موسى من قبل، قالوا في التوراة والقرآن إنهما سحران يعضد أحدهما الآخر، وقالوا إنا بكل من التوراة والقرآن كافرون، لله دره ما أقواه وأوضح حجته يرد الباطل ويفحم الخصم، بما لا يستطيع جواب (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) قل أيها الرسول لهؤلاء جيئوا بكتاب منزل من عند الله أهدى سبيلاً من التوراة والقرآن، فإن فعلتم إتبعته إن كنتم صادقين فيما تدعون من أن التوراة والقرآن سحران تظاهرا، كيف يكون من عند الله ثم يكون أهدى من كتب الله الذي أنزله أولاً على موسى وثانياً على محمد صلى الله عليه وسلم، كيف يكون أهدى من القرآن ذلك لا يكون، ومع ذلك فللخصم أن يجادل وواجبنا أن نرد عليه فنفحمه على أن القرآن كفانا مؤنة ذلك حين قال:(فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فإن لم تستجب قريش لما دعوتهم إليه من المجيء بكتاب أهدى من التوراة والقرآن منزل من عند الله، فأيقن أن تكذيبهم بهما ليس عن دليل، وإنما هو عن اتباع الهوى، ولا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله سبحانه، إن الله لا يوفق للهداية والرشاد القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم بالله، من فوائد الآيات:
  • 1- نفي علم الغيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أطلعه الله عليه.
  • 2- إندراس العلم بتطاول الزمن.
  • 3- تحدي الكفار بالإتيان بما هو أهدى من وحي الله إلى رسله.
  • 4- ضلال الكفار بسبب اتباع الهوى لا بسبب اتباع الدليل.
وبعد، فإن الإسلام يكمل الديانات السابقة، يوضح ما أشكل فيها ويفصل ما أجمل ويزيد البيان، وهكذا أثبت القرآن أنه يؤيد التوراة فيما دعت إليه من حق ويسلط الضوء على ما فيها من خلاف ويواجه المنكرين بحجة واضحة قوية، يبين أنهم إنما يعارضون الدين لأنه يعارض أهواءهم وأنه ليس عندهم من دليل حسي أو عقلي ولا حجة واضحة تدل على ما ذهبوا إليه، فاللهم نور أبصارنا وصوّب مسارنا ووفقنا لفهم القرآن والعمل به.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة