الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

موسى بين المولد والبعثة  
سورة القصص   الآيات 1 - 25


مقاصد السورة ذكر الموازين الحقيقية للقوى من خلال إظهار قدرة الله وسنته بنصرة المستضعفين وإهلاك المستكبرين، آياتها ثمان وثمانون آية مكيّة، استفتحها بالحروف المقطعة وكانت ثلاثة وعدها آية، يقال فيها ما قيل في الحروف المقطعة من أنها وردت للتحدي والإعجاز، فكأن القرآن يقول للعرب هذا القرآن من جنس الحروف التي تتكلمون بها، فإن كانت دعوتكم صادقة فعارضوه ولو بسورة، والدليل ذكر القرآن بعد الحروف المقطعة بالمعنى هنا وليس باللفظ (طسم*تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)لما ذكر الحروف قال هذه آيات القرآن الواضح ذي الحجة المبنية على الأدلة القطعية، يذكر الحقائق كما هي، بيّنٌ في نفسه مبينٌ لغيره من الحكم والأحكام والتشريعات، بدأ بقصة موسى عليه السلام مع فرعون فقال:(نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) نقرأ عليك خبر موسى وفرعون ملتبساً بالحق مبيناً له الذي لا مرية فيه لقوم يؤمنون، إن أراد بالمؤمنين المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا إشكال لأن القرآن نزل عليهم وبلغتهم، وإن أراد بالمؤمنين اللفظ العام فلأنهم هم الذين ينتفعون بما فيه من الأحكام والآداب، يقبلون عليه لأنه من عند الله، ومهما يكن فالقرآن يقص على المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ما كان من أمر فرعون وموسى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) إن فرعون طغى في أرض مصر وتسلط فيها على أهلها، وصيّرهم طوائف فرّق بينها يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل، بقتل ذكور أولادهم واستبقاء نسائهم للخدمة إمعاناً في إذلالهم، إنه كان من المفسدين في الأرض بالظلم والطغيان والتكبر (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ*وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) ونريد أن نتفضل على بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون في أرض مصر، بإهلاك عدوهم، وإزالة الإستضعاف عنهم، وجعلهم أئمة يقتدى بهم في الحق، ونجعلهم يرثون أرض الشام المباركة بعد هلاك فرعون، كما صرّح بذلك حين قال:(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) وفي الآية تسلية للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يستضعفون بضربهم وحصارهم ومحاولة التسلط عليهم، إذ كان المشركون يمثلون فرعون في أذية المؤمنين، فكأنه يلمح إلى أن العرب مؤمنين سينتصرون على المشركين وتقوم لهم دولة الحق التي يعيش الناس فيها آمنين، يظللهم عدل الإسلام ومراقبة الرحمن، من فوائد الآيات:

  • 1- الإيمان والعمل الصالح سبب النجاة من الفزع يوم القيامة.
  • 2- الكفر والعصيان سبب في دخول النار.
  • 3- تحريم القتل والظلم والصيد في الحرم.
  • 4- النصر والتمكين عاقبة المؤمنين.
ونريد أن نمكن لهم في الأرض المؤمنون من أهل مكة والمؤمنون بموسى، فنجعلهم أصحاب السلطان في مكة ومصر، ونري فرعون ومسانده الأكبر في الملك هامان وجنودهما المعاونين لهما في ملكهما ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم، وانقضائه على يد مولود ذكر من بني إسرائيل، وتهديد لقريش لتقلع عن ظلم المسلمين وتكف عن أذيتهم، ثم شرع في ذكر قصة موسى في أيامه الأولى ليبين أن الله إذا أراد أمراً أمضاه، فلا يستطيع أحد أن يوقفه أو يرده، فإنه جل جلاله مسبب الأسباب والمتصرف في هذا الكون، وسترى في القصة كيف أن الله ألهم أم موسى أعمالاً تبقي على حياته وتحققها ونصرها في النهاية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) لما بين مصير ملك فرعون وما سيكرم به موسى وقومه، ذكر نشأة موسى عليه السلام إلى أن بعثه الله رسولاً فقال وألهمنا أم موسى عليه السلام أن أرضعيه حتى إذا خشيتي عليه من فرعون وقومه أن يقتلوه فضعيه في صندوق وارميه في نهر النيل، ذلك أن بقاء موسى في بيت أمه الإسرائيلية نجاته محتملة وموته مؤكد، ووجوده خارج بيتها هلاكه محتمل ونجاته مؤكدة، لذلك قارنت أم موسى بين أن تبقيه في بيتها أو تضعه في الصندوق وتلقيه في نهر النيل، فاختارت الثانية ثقةً منها بالله وإنجاز وعده، وهذه قمة الإيمان، ألم تر أن الله قال لها ولا تخافي عليه من الغرق ولا من فرعون، ولا تحزني بسبب فراقه لك، إنا مرجعونه إليك حياً ومصيروه من رسل الله الذين يبعثهم إلى خلقه، وضعته في الصندوق واتخذت له وسائل الحماية التي تمنع دخول الماء إلى الصندوق وتحميه فترة من الزمن إلى أن يصل إلى بيت فرعون، وألقته في النهر فساقه النهر إلى بيت فرعون فوصل إلى عدوه ولكن الله مقلب القلوب ومقدّر الأقدار ألقى محبة موسى في قلب فرعون، فقد أراد أمراً وأراد الله أمراً، فمضت إرادة الله (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) فامتثلت إلى ما ألهمها الله من وضعه في صندوق ورميه في النهر، فعثر عليه آل فرعون فأخذوه ليتحقق ما أراده الله من أن موسى سيكون عدواً لفرعون يزيل الله ملكه على يده، جالباً لحزنهم فاللام في (ليكون) يسميها أهل النحو لام العاقبة، وهي في الأصل لام التعليل، ففرعون التقط موسى لأمر آخر سأبينه، لكن كان عاقبة ذلك أن موسى كان عدواً له وحزناً، إن فرعون وهامان وزيره وأعوانهما كانوا آثمين بسبب كفرهم وطغيانهم وفسادهم، ولما وصل موسى إلى بيت فرعون ألقى الله حبه في قلب امرأة فرعون، إذ كانت تشكو صعوبة الحياة بلا ولد، فما إن رأت الولد حتى انشرح صدرها له وتمنت أن لو كان ابناً لها، وعبّرت عن ذلك بقولها (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) ولما أراد فرعون قتل موسى ظناً منه أنه من بني إسرائيل، قالت له امرأته هذا الولد مصدر سرور لي ولك، لا تقتلوه لعله ينفعنا بالخدمة أو نتخذه ولداً بالتبني وهم لا يعلمون ما سيؤول إليه ملكهم على يده، ولما علمت أم موسى أن ابنها صار في بيت فرعون فقدت صوابها وهمت أن تذهب إلى قصر فرعون تسأله أن يطلق لها ابنها وترجوه أن لا يقتله، وعبّر القرآن عن شدة جزعها على ابنها وخوفها أن يصيبه مكروه بأبلغ عبارة (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وأصبح قلب أم موسى عليه السلام خالياً من أي أمر من أمور الدنيا إلا من أمر موسى عليه السلام، فلم تعد تصبر حتى قاربت أن تظهر أنه ولدها من شدة التعلق به، لولا أن الله ثبتها وقوى يقينها وهو المعبّر عنه بقوله:(ربطنا على قلبها) وإنما كان ذلك بتثبيتها وتصبيرها لتكون من المؤمنين المتوكلين على ربهم، الصابرين على ما يقضي به، ماذا تصنع الأم؟ ما السبيل إلى أن تطمئن على ولدها؟ من يأتيها بخبره وما كان من أمره في بيت فرعون، يأتي الجواب في قوله:(وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) وقالت أم موسى لأخته اتبعي أثره فيما يفعل به، فأبصرت به عن بعد حتى لا يكشف أمرها، وفرعون وقومه لا يشعرون أنها أخته وأنها تتفقد خبره. وإذا أراد الله أمرا سبب أسبابه وجعله أمراً طبيعياً لا يحس به أحد، طفلٌ يبكي يريد أن يأكل ولا يقبل أن يأكل من أحد، أنظر كيف سبب الله الأسباب (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) امتنع موسى بتدبير من الله عن الرضاع من النساء، فلما رأت أخته حرصهم على إرضاعه قالت لهم هل أرشدكم إلى أهل بيت يقومون بإرضاعه ورعايته وهم له ناصحون، لم تقل لهم إنها أخته ولا أنها ستذهب به إلى أمه أو تدعو أمه إليه، لكن تحدثت عن أمه كأنها لا تعرفها، علهم يقبلون منها ما أرادوا، شدة بكاء الطفل وشفقة فرعون صاحب القلب القاسي على موسى وزوجه دفعتهما إلى القبول بعرض المرأة، وهكذا صدقت النبوءة الأولى على أمل أن يتحقق ما بعدها (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ردّ الله موسى إلى أمه لتقر عينها برؤيته عن قرب سالماً معافى آمناً تأمن عليه، ولا تحزن بسبب فراقه ولتعلم أن وعد الله بإرجاعه إليها حق لا مرية فيه، ولكن أكثرهم لا يعلمون بهذا الوعد، لأن هذا الوعد كان بين أم موسى ورب العالمين، ولا أحد يعلم من الحاضرين أنها أمه، فالأمر كان سراً بين أم موسى وأخته لا أحد غيرهما إلا الله يعلم الحقيقة ويعلم تدبير الله، من فوائد الآيات:
  • 1- تدبير الله لعباده الصالحين بما يسلّمهم من مكر أعدائهم.
  • 2- تدبير الظالم يؤول إلى تدميره.
  • 3- قوة عاطفة الأمهات تجاه أبنائهن.
  • 4- جواز استخدام الحيلة المشروعة للتخلص من ظلم الظالم.
  • 5- وعد الله واقع محقق لاشك في ذلك.
وهكذا تربى موسى في بيت فرعون وتحت رعايته، ترعاه أمه دون أن يعلم بذلك أحد حتى شبّ (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ولما ذكر الله مبدأ موسى ذكر مرحلة شبابه فقال ولما بلغ سن اشتداد البدن واستحكم في قوته أعطيناه فهماً وعلماً في دين بني إسرائيل قبل نبوته، وكما جزينا موسى على طاعته نجزي المحسنين في كل زمان ومكان، ذلك أنه قد تعلّم من أمه أنه من بني إسرائيل وأنهم مستضعفون من مصر وأن مصيرهم مقيّد بما يعمله لمساعدتهم في خروجهم من مصر سالمين وتخليصهم من ظلم فرعون وتسلطه (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) ودخل موسى المدينة في وقت راحة الناس في بيوتهم إما وقت القيلولة أو وقت انهماكهم في مصالحهم الشخصية، القرآن قال في وقت غفلة من أهلها، لم يتنبه إليه أحد والأقرب أن تكون وقت القيلولة، فوجد فيها رجلين يتخاصمان ويتضاربان، أحدهما من بني إسرائيل قوم موسى عليه السلام والآخر من أهل مصر من قوم فرعون أعداء موسى، فطلب الذي هو من قومه إلى موسى أن يعينه على الذي هو من أهل مصر أعدائه، فحاول نجدته ومساعدته، فضرب موسى المصري بقبضة يده فقتله بتلك الضربة لقوتها، لكن القرآن لم يصرّح بذلك بل قال:(فوكزه) والوكز ضرب خفيف لكن قوة موسى أدت إلى قتل المصري، قال موسى عليه السلام هذا من تزيين الشيطان وإغرائه، نسب ذلك إلى الشيطان تأدباً مع الله وحكم على الشيطان بحكمين إنه عدو مضل لمن اتبعه، واضح العداوة فما حصل من موسى بسبب عداوته وبسبب أنه يريد إضلال موسى، لكن المؤمن إذا وقع منه الخطأ سارع إلى التوبة على حد قوله تعالى:(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) هاهو موسى يتوجه إلى الله داعياً ربه معترفاً بما حصل منه، رب إني ظلمت نفسي بقتل هذا المصري دون ذنب ودون قصد مني فاغفر لي، فبين الله لنا مغفرته لموسى إنه هو الغفور لمن تاب من عباده الرحيم بهم (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). ولما استغفر موسى ربه من زلته التي وقع فيها، ناسب أن يطلب من الله أن يوفقه أن يكون صالحاً، وعاهد الله أن لا يناصر ظالماً على ظلمه فقال:(قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) ثم واصل الخبر عن دعاء موسى الذي قال فيه رب بسبب ما أنعمت علي به من القوة والحكمة والعلم، فلن أكون معيناً للمجرمين على إجرامهم، ونام الليلة (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ) نفس الشخص وجده في اليوم التالي يتقاتل مع آخر من أهل مصر، أصبح في المدينة خائفاً مرتبكاً ماذا يحدث؟ فإذا الذي طلب منه العون بالأمس والنصر على عدوه من أهل مصر يستعين به مرة أخرى، غضب موسى وقال له إنك لذو غواية وضلال واضح، لكنه خاف عليه من المصري وأشفق أن يصيبه المصري بأذى، فهم بنصرته بعد ذلك، خافه الإسرائيلي وقال له:(فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) فما إن أراد موسى أن يبطش بالذي هو عدو لهما المصري، ظن الإسرائيلي أن موسى يريد البطش به عندما سمعه يقول:(إنك لغوي مبين) فقال موسى أتريد أن تقتلني مثلما قتلت نفساً بالأمس لا تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض تقتل الناس وتظلمهم وما تريد أن تكون ممن يصلحون بين المتخاصمين، وهنا انتشر الخبر إذ كان عسكر فرعون يبحثون عن القاتل ليأخذوه فيقتلوه به، فانتدب مؤمن آل فرعون نفسه مدافعاً عن الحق ناصرٌ لأولياء الله محذر موسى إذ كان يعلم أو يظن أن القاتل موسى، سجّل القرآن ذلك فقال:(وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) ولما انتشر الخبر جاء رجل من أقصى المدينة مسرعاً إلى موسى شفقةً عليه وخوفاً أن يصيبه مكروه، فقال يا موسى إن الأشراف من قوم فرعون يتشاورون بقتلك فاخرج من البلد إني لك من الناصحين، شفقةً مني عليك ورحمةً من أن يدركوك فيقتلوك، ولعل هذا الرجل هو نفسه المذكور في سورة غافر، الذي دافع عن موسى وجادل أشراف مصر (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فامتثل موسى أمر الناصح، فخرج من البلد خائفاً على نفسه يترقب ماذا يحدث له، داعياً ربه رب نجني من القوم الظالمين فلا يصلوا إلي بسوء، من فوائد الآيات:
  • 1- الإعتراف بالذنب من آداب الدعاء.
  • 2- الشكر المحمود هو ما يحمل العبد على طاعة ربه والبعد عن معصيته.
  • 3- أهمية المبادرة إلى النصح خاصةً إذا ترتب عليه إنقاذ مؤمن من الهلاك.
  • 4- وجوب اتخاذ أسباب النجاة، والإلتجاء إلى الله بالدعاء.
مضى موسى عليه السلام على وجهه لا يدري أين يذهب، همه أن يبتعد ما استطاع عن سلطان فرعون مصر، وأقرب بلد إليه مدين لعله توجه إليها على هدىً أو لا (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ) سار مقبلاً بوجهه جهة مدين، التجأ إلى الله وقال عسى ربي أن يرشدني إلى خير طريق فلا أضل عنها، وفي هذا إيماءٌ إلى أنه يبحث عن الأمن والأمان والنجاة من كيد فرعون، ومضى على وجهه حتى وصل إلى ماء مدين (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) ولما وصل ماء مدين الذي يستقي منه أهل مدين الماء، وجد جماعةً من الناس يسقون مواشيهم، ووجد من دونهم امرأتين تحبسان أغنامهما عن الماء حتى يسقي الناس، قال لهما موسى ما شأنكما لا تسقيان مع الناس؟ قالتا له عادتنا نتأنى فلا نسقي حتى ينصرف الرعاة، حذراً من مخالطتهم، وأبونا شيخٌ كبير السن لا يستطيع أن يسقي فاضطررنا لسقي غنمنا (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) فرحمهما فسقى لهما أغنامهما، ثم انصرف إلى الظل فاستراح فيه ودعا ربه معرّضاً بحاجته، قال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير، مسافرٌ غريب لا أهل عنده ولا مؤنس، لا من يرفق به، مهدد من بطش الملك، بحاجة إلى رحمتك يارب فارحمني، خذ بناصيتي لما فيه صلاحي، إرأف بي وارحمني، كان الرد سريعاً، أدركته رحمة الله، ما إن أتم كلامه حتى أجاب الله دعاءه، فهيأ له الأمن والأمان والأنس والزوجة والعمل والمأوى، ما أجمل قوله تعالى:(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فلما ذهبتا أخبرتا أباهما به، فأرسل إحداهما إليه تدعوه، فجاءته وهي تمشي على إستحياء لأنها امرأة تدعو شاباً إلى بيت أبيها، لكن بررت له السبب، قالت إن أبي يدعوك أن تأتيه لأجل أن يجزيك أجرك على سقيك لنا، فلما جاءه وأخبره خبره قال له مطمئناً إياه لا تخف نجوت من القوم الظالمين فرعون وجماعته، فإنهم لا سلطان لهم على مدين فلا يستطيعون أن يصلوا إليك بأذى، فماذا كان من أمر موسى مع الرجل الصالح حفيد أو قريب نبي الله شعيب، ماذا سيفعل معه؟ هل سيعيش معه؟ ماذا سيعمل؟ ما أثر الإقامة في مصر مع هذا الرجل وبنتيه؟ ننظر ما سيكون علّنا نجد في ذلك عبرة، فاللهم فقهنا ونور أبصارنا وبصائرنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة