الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أدب الحوار  
سورة النمل   الآيات 45 - 93


ولما تمت قصة ملكة سبأ ودخلت مع المؤمنين تابعت سليمان مسلمة لله، ناسب أن يذكر قصة قوم على النقيض، إنهم قوم صالح الذين رفضوا المعجزة الواضحة وتمسكوا بكفرهم وباطلهم وناصروا الباطل على الحق، فقال:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ*قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ*وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ*قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) يخبر أنه بعث إلى ثمود رجلاً منهم في النسب هو صالح عليه السلام، وملخص دعوته اعبدوا الله وحده، فانقسموا تجاه تلك الدعوة طائفتان مؤمنة تناصر صالحاً وأخرى كافرة يتنازعون على الحق، قال لهم صالح لم تطلبون تعجيل العذاب قبل الرحمة؟ هلا تطلبون المغفرة من الله لذنوبكم رجاء أن يرحمكم، قال له قومه في تعنت عن الحق تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين، قال لهم صالح ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله وحده علمه، لا يخفى عليه منه شيء، بل أنتم قوم تختبرون بما يبسط لكم من الخير وبما ينالكم من الشر، وكان في مدينة الحجر "مدائن صالح" تسعة رجال يفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي ولا يصلحون فيها بالإيمان والعمل الصالح، قال بعضهم لبعض ليحلف كل واحد منكم بالله لنأتينه في بيته ليلاً فلنقتلنه ثم لنقولن لولي دمه ما حضرنا قتل صالح وأهله، وإنا لصادقون فيما قلنا، ثم قاموا بتنفيذ ما دبروا من تبييت لصالح عليه السلام من مكيدة خفية وإساءة عظيمة (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ*فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ*فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) دبروا مكيدة خفيّة لقتل صالح وأتباعه من المؤمنين، ورد الله عليهم مكرهم بنصرة صالح وإنجائه من مكرهم وإهلاك الكافرين من قومه وهم لا يعلمون بذلك، فتأمل أيها الرسول كيف كان مآل تدبيرهم ومكرهم! أنا استأصلناهم بعذاب من عندنا فهلكوا عن آخرهم، فتلك بيوتهم قد انهدمت جدرانها على سقوفها وبقيت خالية من أهلها بسبب ظلمهم، إن فيما أصابهم من العذاب بسبب ظلمهم لعبرةً لقوم يؤمنون، وما آمنوا إلا بعدما اعتبروا بالآيات (وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وأنقذنا الذين آمنوا بالله من قوم صالح عليه السلام وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فها قد قضى على قوم صالح بسبب كفرهم واستهزائهم بنبيهم وعزمهم على قتله، وهي ذنوب في ذنب واحد لكن عدالة الله تعاقب كل مذنب بعقاب يناسب ذنبه، فهؤلاء لما أرادوا القضاء على النبي قضى عليهم وأنقذ المؤمنين بالله لملازمتهم تقوى الله في المأمورات والمنهيات. أما قوم لوط فربما كانوا أشد شراً منهم لأن شرهم متعدد، وشر القوم قاصر إلى حد ما (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ*أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ*فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) واذكر أيها الرسول لوطاً حين قال لقومه مبيناً خطأهم موبخاً لهم على فعلهم القبيح، أتأتون الخصلة القبيحة في أنديتكم جهاراً يبصر بعضكم بعضاً، ثم فصّل لك الخصلة فأبدل من الأول أإنكم لتأتون الرجال على سبيل الإشتهاء دون النساء لا تريدون إعفافاً ولا ولداً وإنما قضاء شهوة بهيمية، بل أنتم قوم تجهلون ما يجب عليكم من الإيمان والطهر والبعد عن المعاصي، فما كان لقومه من جواب إلا قولهم أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناسٌ يتنزهون عن الأقذار والأنجاس، قالوا ذلك استهزاءً بآل لوط الذين لا يشاركونهم فيما يرتكبون من الفواحش، بل ينكرون عليهم ارتكابها، فسلمناه وسلمنا أهله إلا امرأته حكمنا عليها أن تكون من الباقين في العذاب لتكون من الهالكين (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ*وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ) وأمطرنا عليهم حجارةً من السماء فكان مطراً سيئاً مهلكاً لمن خوفوا بالعذاب ولم يستجيبوا، وهكذا نزل بهم ما أوعدهم به ردعاً لأمثالهم ممن يفعل فعلهم، ليكونوا عبرة لأولي الألباب. ولما حان وقت الجدال أدب الله المؤمنين فبين لهم أمثل طريقة للجدال، فبدأ بذكر المقدمات ثم حاور القوم وبنى على الشيء مقتضاه فكان جدالاً مقنعاً وحجج ملزمة واضحة (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) قل أيها الرسول الحمد لله على نعمه، وأمان منه من عذابه الذي عذب به قوم لوط وصالح، وسلام على عباده الذين اصطفى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وبعد فالله المعبود بحق الذي بيده ملكوت كل شيء خير أما يعبده المشركون من معبودات لا تملك دفعاً ولا ضراً، قطعاً الله خير لأنه أوجد من العدم وربى بالنعم وخلق كل ما يحتاج إليه الإنسان قبل أن يخلقه، ثم خلق الإنسان وسخّر له جميع مخلوقاته (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) أمن خلق السموات والأرض على غير مثال سابق وأنزل لكم أيها الناس من السماء ماءً، ماء المطر فأنبتنا لكم به حدائق ذات حسن وجمال، ما كان لكم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق لعجزكم عن ذلك، فالله هو الذي أنبتها، أمعبود فعل هذا مع الله!! لا بل هم قوم ينحرفون عن الحق فيسوون الخالق بالمخلوقين ظلماً وعدواناً، فلا مخلوق يساوي الخالق، بل هم قوم يعدلون وهي على أحد معنيين: الأول يساوون أي يعادلون الخالق بالمخلوق وهذا ظلم ما بعده ظلم، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل وهذا نوع آخر من الظلم كان الأولى بهم أن لا يفعلوه، فلو استقاموا ما أشركوا، ولو ميزوا بين الخالق والمخلوق ما سووا بينهما، ثم انتقل إلى السؤال الثالث (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أمن صيّر الأرض مستقرة ثابتة لا تضطرب بمن عليها، وصيّر داخلها أنهاراً تجري وصيّر لها جبالاً ثوابت، وصيّر بين البحرين المالح والعذب فاصلاً يمنع اختلاط المالح بالعذب حتى لا يفسده، أمعبود فعل ذلك مع الله لا بل معظمهم لا يعلمون، ولو كانوا يعلمون ما أشركوا بالله أحداً من مخلوقاته، ثم سأل السؤال الرابع (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ) أمن يجيب من ضاق عليه أمره، واشتد إذا دعاه، ويرفع ما يقع بالإنسان من مرض وفقر وغيرهما، ويميت ويحيي يصيركم خلفاء في الأرض يخلف بعضكم بعضاً جيلاً بعد جيل، أمعبود يفعل ذلك مع الله لا قليلاً ما تتعظون وتعتبرون، سؤال خامس (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ولو علموا لتذكروا ولو تذكروا لما أشركوا، أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ما ينصبه لكم من معالم ونجوم، ومن يبعث الرياح مبشرات بقرب نزول المطر الذي يرحم الله به عباده، أمعبود يفعل ذلك مع الله!! تنزه الله وتقدس عما يشركون به من مخلوقاته، من فوائد الآيات:

  • 1- الإستغفار من المعاصي سبب لرحمة الله.
  • 2- التشاؤم بالأشخاص والأشياء ليس من صفات المؤمن.
  • 3- عاقبة التمالؤ على الشر والمكر بأهل الحق سيئة.
  • 4- إعلان المنكر أقبح من الإستتار به.
  • 5- لجوء أهل الباطل للعنف عندما تحاصرهم حجج الحق.
  • 6- رابطة الزوجية دون الإيمان لا تنفع في الآخرة.
  • 7- ترسيخ عقيدة التوحيد من خلال التفكير في نعم الله.
  • 8- كل مضطر من مؤمن أو كافر فإن الله قد وعده بالإجابة إذا دعاه.

ولما حاورهم بتلك الأسئلة وانتقل من دليل إلى دليل أوضح منه وأيسر للتسليم به، ناسب أن يسألهم سؤال لا يستطيع أحد أن يرد عليه لأنه لا أحد يقدر عليه فقال:(أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ملخص السؤال من يبدأ الخلق في الأرحام مرحلة مرحلة، ثم يحييه بعدما يميته، ومن يرزقكم من السماء بالمطر المنزل من جهتها ويرزقكم من الأرض بالنبات الذي ينبته فيها، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين هاتوا حججكم على ما أنتم عليه من الشرك إن كنتم صادقين فيما تدعون من أنكم على الحق، طبيعي أنه لا أحد يفعل ذلك لا مع الله ولا دونه، بل الذي يفعل ذلك كله هو الله وحده لا شريك له، فإن ادعيتم خلاف ذلك فاتوا بالدليل إن كنتم صادقين في دعواكم، ثم وضع قاعدة كليّة (قُل لّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) قل أيها الرسول لا يعلم الغيب من في السموات من الملائكة ولا من في الأرض من الناس، ولكن الله وحده هو الذي يعلمه، وما يعلم جميع من في السموات ومن في الأرض متى يبعثون للجزاء إلى الله، ثم سألهم سؤالاً يبين جهلهم وغباءهم وقصر نظرهم فقال:(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ) هل تتابع علمهم بالآخرة فأيقنوا بها لا بل هم في شك وحيرة من الآخرة، بل قد عميت بصائرهم عنها (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ*لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) وقال الذين كفروا مستنكرين أئذا متنا وصرنا تراباً وعظاماً أيمكن أن نبعث أحياء؟! لقد وعدنا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين، لقد وعدنا نحن ووعد آباؤنا من قبل أننا نبعث جميعاً فلم نر تحقيقاً لذلك الوعد، ما هذا الوعد الذي وعدناه جميعاً إلا أكاذيب الأولين التي دونوها في كتبهم، يأتي الجواب:(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) قل أيها الرسول لهؤلاء المنكرين للبعث سيروا في أي جهة من الأرض فتأملوا كيف كانت نهاية المجرمين المكذبين فقد أهلكناهم لتكذيبهم به (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) ولا تحزن بسبب إعراض المشركين عن دعوتك ولا يضيق صدرك من كيدهم فالله ناصرك عليهم منجزٌ لك ما وعدك (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) ويقول الكفار المنكرون للبعث من قومك: متى يتحقق ما تعدنا به أنت والمؤمنون من العذاب إن كنتم صادقين فيما تدعونه من ذلك؟ قل لهم أيها الرسول عسى أن يكون اقترب لكم بعض ما تستعجلون به من العذاب، فإن جاء أو جاء وقته لا تستطيعون رده، لكن من نعمة الله عليكم أن يؤخره ليفسح لكم في التوبة (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) وإن ربك أيها الرسول لذو فضل عظيم على الناس لأنه يترك معاجلتهم بالعذاب مع ما هم عليه من الكفر والمعاصي ولكن معظم الناس لا يشكرون الله على ما ينعم به عليهم، وإن ربك ليعلم ما تضمر قلوب عباده وما يظهرونه، لا يخفى عليه شيء من ذلك وسيجازيهم عليه (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ*إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) إن هذا القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم يقص على بني إسرائيل أكثر ما يختلفون فيه ويكشف إنحرافاتهم وأعمالهم السيئة التي عملوها من أيام فرعون إلى آخر الزمان، من فوائد الآيات:
  • 1- علم الغيب مما اختص به الله فادعاؤه كفر.
  • 2- الإعتبار بالأمم السابقة من حيث مصيرها وأحوالها طريق النجاة.
  • 3- إحاطة علم الله بأعمال عباده.
  • 4- تصحيح القرآن لانحرافات بني إسرائيل وتحريفهم لكتبهم.

ثم بيّن شأن القرآن ومكانته فقال:(وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) وإن هذا القرآن شأنه أنه جاء هادياً للمؤمنين من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي، وسبيلاً للحصول على الرحمة، فإن من قرأ منه حرفاً أثابه الله عشر حسنات، ومن نفذ حكمه وأحكامه فاز في الدنيا والآخرة، ثم قال:(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) إن ربك أيها الرسول يقضي بين الناس مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة بحكمه العدل، ويرحم المؤمن ويعذب الكافر، وهو الغالب الذي لا يغلب ينتقم من أعدائه ولا يغلبه أحد، وهو الذي لا يلتبس عليه محق من مبطل، وبعد فمهما يكن من أمر فتوكل على الله، إن كنت صحيحاً أو مريضاً فتوكل على الله، إن كان معك أنصاراً أو كنت وحيداً فتوكل على الله، لماذا يأتيك الجواب (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ*إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ*وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) فتوكل على الله واعتمد عليه في جميع أمورك لأنك على الحق الواضح، وإعراض الكفار عن دعوتك وتركهم إجابتك إنما سببه أنفسهم لا أنت، فإن قلوبهم ماتت وأبصارهم كلّت وعقائدهم انحرفت، فشابهوا الأموات وأنت لا تستطيع أن تسمع الموتى الذين ماتت قلوبهم بسبب الكفر بالله، ولا تسمع فاقدي السمع ما تدعوهم إليه إذا رجعوا معرضين عنك، لأن الأصم قد تسمعه بالإشارة، لكن إذا أدار ظهره لك لا يمكنك أن تدعوه إلى شيء، أضف إلى هذا أنك أيها الرسول لا تستطيع أن تهدي العمي الذين عميت بصائرهم عن الحق فلم يميزوا بينه وبين الضلال، فاصبر على ما ابتلاك الله به سيأتي الوقت الذي يجعلهم يسمعونك ويبصرونك ويطيعونك، فلا تحزن عليهم وتتعب نفسك، لا تسمع دعوتك إلا ممن يؤمن بآيات الله فهم منقادون لأوامر الله، ثم ذكر معجزة تكون علامة من علامات القيامة فقال:(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ) وإذا وجب العذاب وثبت عليهم بإصرارهم على الكفر وانغماسهم في المعاصي، ولم يبق من الصالحين على الأرض أحد ربما بقي الأشرار من الناس، أخرج الله لهم عند اقتراب القيامة علامة من علاماتها الكبرى وهي الدابة، تكلمهم بما يفهمون أن الناس كانوا بآيات الله المنزلة على نبيه لا يصدقون بها، وفي قراءة "تَكلِمهم" أي تجرحهم وهي علامة لكفرهم بالله عز وجل، ثم بيّن أنه يجمع من كل أمة فوجاً فقال:(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ*حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ) اذكر أيها الرسول يوم نحشر من كل أمة من الأمم جماعةً من كبرائهم ممن يكذب بآيات الله، يرد أولهم إلى آخرهم ثم يساقون إلى الحساب، وقوله يوزعون أي يدفعون بشدة، ويستمر سوقهم حتى إذا وصلوا مكان حسابهم قال لهم الله عز وجل أكذبتم بآياتي الدالة على توحيدي والمشتملة على شريعتي التي أمرت الناس باتباعها ولم تحيطوا بها علما، ظانين أنها باطلة يسوغ لكم تكذيبها، أم ماذا كنتم تعملون بها!! حاروا وداروا ووقع عليهم العذاب بسبب ظلمهم بالكفر بالله وتكذيب آياته، فهم لا يتكلمون مدافعين عن أنفسهم لعجزهم عن ذلك وبطلان حجتهم. ولما ذكر الكتاب ناسب أن يذكر بعض الأدلة الكونية ومقدمات الساعة فقال:(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ولما كانوا ينكرون البعث نبههم الله بما يدل عليه في حياتهم، وهو نومهم الذي هو بمنزلة الموت، واستيقاظهم الذي هو بمنزلة البعث فقال ألم ينظر هؤلاء المكذبون بالبعث أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه بالنوم، وصيرنا النهار مضيئاً ليبصروا فيه فيسعوا إلى أعمالهم، إن في ذلك الموت المتكرر والبعث بعده لعلامات واضحة لقوم يؤمنون، تمضي الليالي والأيام إلى أن ينتهي عمر الإنسان فيسافر من هذه الدنيا، يبقى في البرزخ وقتاً لا يعلمه إلا الله، ثم يوقظ من رقدته، أشار إلى ذلك (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) اذكر أيها الرسول يوم ينفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من استثناه الله من الفزع تفضلاً منه، وكل من مخلوقات الله يأتونه في ذلك اليوم مطيعين مقبلين ذليلين (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) وترى الجبال في ذلك اليوم تحسبها ثابتة لا تتحرك وهي في الواقع تسير بسرعة كسير السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، إنه خبير بما تفعلون لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وسيجازيكم عليها، من فوائد الآيات:
  • 1- أهمية التوكل على الله.
  • 2- تزكية النبي صلى الله عليه وسلم بأنه على الحق الواضح.
  • 3- هداية التوفيق بيد الله وليست بيد الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • 4- دلالة النوم على الموت والإستيقاظ على البعث.
هناك يظهر العمل وما يستحقه صاحبه أشار إلى ذلك بقوله:(مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ*وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) من جاء يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح فله الجنة وهم آمنون بتأمين الله لهم من فزع يوم القيامة، ومن جاء بالكفر والمعاصي فلهم النار يلقون فيها على وجوههم، ويقال لهم توبيخاً وإهانة لهم هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي، ثم بيّن ما أمره الله به في خاصة نفسه فقال:(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ*وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ) قل لهم أيها الرسول إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة مكة الذي حرّمها فلا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد، ولا يقتل صيدها ولا يقطع شجرها، وله سبحانه ملك كل شيء، وأمرت أن أكون من المستسلمين لله المنقادين له بالطاعة، وأمرت أن أتلو القرآن على الناس، فمن انتفع بتلاوته فاهتدى بهديه وعمل بما فيه فنفع نفسه جازاه الله خيراً، ومن انحرف عما فيه وأنكره ولم يعمل بما فيه فقل إنما أنا من المنذرين، أخوفكم عاقبة ذلك لتستقيموا على الجادة، أنذركم عذاب الله وليس بيدي هدايتكم ولا أستطيع أن أجبركم على شيء، فالعبادة والإيمان والطاعة يجب أن تكون نابعةً من ذات العابد المطيع، وختم السورة بقوله:(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وقل أيها الرسول الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، سيريكم آياته في أنفسكم وفي السماء والأرض، وفي الرزق فتعرفونها معرفة ترشدكم إلى الإذعان للحق، وليس ربك أيها النبي بغافل عما تعملون بل هو مطلع عليه لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم عليه. هكذا انتهت سورة النمل بما تضمنته من حكم وأحكام تنفع عباد الله فتصرفهم عن باطلهم، تثبتهم على الصراط المستقيم، تأخذ بنواصيهم إلى طاعة الله، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة