الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الربا والمجتمع الفاضل 


      عاش العرب أمة متفرقة تعبد الأصنام وتأكل الميتة وتسيء الجوار، يأكل القوي فيها الضعيف، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، فدعاهم إلى عبادة الله وحده؛ لأن من يعبد إلاهاً يكون ذا شخصية وسلوك واحد ولاؤه وانتماؤه واحد، ثم بدأ إصلاح المجتمع من القاعدة من الشباب لأن الشباب هم المستقبل، وأشد الناس حاجة اليتيم الذي فقد أباه، فقد من يرعاه ويحميه، فلو قسا الناس عليه لنشأ حاقداً على المجتمع، يسهل استغلاله أسوأ استغلال لأنه موضوع قابل بسبب ما استقر في نفسه من كراهية للناس وحقد عليهم، لذلك اهتم القرآن بتأمين الحاجات الضرورية لأصحاب الحاجات، لينشأوا على الحب والتناصح، فيكونون نواة المجتمع الصالح الذي يعرف كل فرد من أفراده واجباته، يؤديها محتسباً راجياً الجزاء من الله لأنه ربي تربية صالحة فنشأ على الحب والتعاون.

    هذا حال بناء لمجتمع جديد لبنة لبنة، فما السبيل إلى إصلاح مجتمع قائم فشت فيه الأنانية وحب المال والسعي إلى تحصيله سعي الأم الحانية على طفلها الغائب عنها لتضمه إلى صدرها وتبثه شوقها، مجتمع انقلبت فيه المعايير وتغيرت أسماء المحرمات، فالخمر مشروبات روحية، والزنى سياحة، والربا فائدة، والسرقة والمخادعة شطارة، والقوة والتسلط مقاومة وممانعة ووطنية. كمثل ما كان أيام الجاهلية مجتمع المتناقضات الذي حوله القرآن إلى خير مجتمع قائماً على ثلاث دعائم: الإيمان بالله، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فكيف تمَّ له ما أراد؟.

    سلك القرآن الكريم التربية العملية، والمتابع لمسيرة الوحي الإلهي في التربية يجد أنه حرم الخمر في مراحل عدة،
 1
    - عقد مقارنة بين صنع الله تحويل اللبن من بين الفرث والدم، فاللبن أبيض، والفرث أصفر ذو رائحة، والدم أحمر، ومع ذلك يخرج الله اللبن سائغاً للشاربين، والإنسان يحول الطيب إلى خبيث: يحول بعض ثمرات النخيل والأعناب إلى خمر، يذهب بالعقل ويحول إلى ما يشبه ما لا عقل له، مُلغياً خير ما وهب الله وكرم به، ثم بين لهم أنه لو سُلم أن في الخمر فوائد ففيها ضرر أكبر من نفعها، فهل يقدم عاقل على عمل ضرره أكبر من نفعه؟! ولما أخطأ مصل سكران في صلاته نهاهم عن آداء الصلاة وهم سكارى، ولما وصل الصحابة إلى درجة من النضج عالية، بين لهم مفاسد الخمر الدينية والدنيوية ونهاهم عن الاقتراب منه بأن يكونوا مجانبين لها، وأوعدهم وحذرهم، فأجابوه إلى ما طلب وامتنعوا عن شربها راضين. مقبلين مقتنعين. إذا كان ضرر الخمر خاصاً بالشارب الذي ينفق ماله ليُذهب به عقله فيعيش بلا عقل، فإن المتعامل بالربى وما في معناه يلحق الضرر بالمجتمع وبنفسه فخطر التعامل بالربا على الفرد والمجتمع عظيم؛ لذلك حرص القرآن الكريم على تربية المؤمنين عملياً تارة بالمنطق السليم حين عقد مقارنة بين الربا والصدقة، فإعطاء الربا فيه تقوية للظالم على الظلم وإضاعة للمال لأنه صرفٌ له فيما حرم الله لما يترتب على إعطائه من ضرر وفساد؛ لذلك قال الله (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ).

    فإعطاء الزكاة فيه تطهير للنفس من الشح والأثرة وحب المال وفيه الصدق مع الله، والإخلاص، وتطهير للمال من الحسد وتعليم للفقير أن يبذل المال في الوجوه التي حدد الله المعطي الإعطاء فيها، ويعلم المعطي والآخذ الإخلاص والصدق والتحاب والتناصر والتناصح، ومع توالي الليالي والأيام تقوى العلاقة بين المعطي والآخذ ليصيرا وحدة واحدة، وتتضاعف المودة بينهما، ويكون المال بينهما وسيلة لا غاية، وفي اليد لا في القلب.

    ثم حذر الناس من أكل الربا بطريقة حسية وصورة تقشعر من هولها الجلود وترجف القلوب ذلك أنه أخبر أن آكل الربا لا يقوم من قبره يوم القيامة إلا قياماً كقيام المصروع، لأن أكل الربا ربا في بطونهم فكبرت إلى حد يمنع صاحبه من القيام فكلما قام وقع، والناس يمرون عليه وربما داسه بعضهم، صورة مُنفِّرة تجعل العاقل يفكر ألف مرة قبل أن يمد يده إلى أخذ الربا أو إعطائه، لما يرى من حال آكل الربا والمتعامل به يوم القيامة، وعندي أن الآية تبين حال المتعامل بالربا أخذاً وعطاءاً وما يعانيه من تخبط (أي سير على غير هدى) في تعاملاته، وقلق واضطراب لأنه خالف شرع الله واعتقد حل ما حرم الله، ولأن مال الربا ممحوق ترى المتعامل به في قلق دائم وخوف مستمر، المال في قلبه ملأ عليه حياته، وآكل الربا لا تسمح نفسه بالمال، فقد رأينا ثقيفاً طلبوا ما لهم من ربا بعد تحريمه ورفضوا إعطاء ما عليهم وقادهم ذلك إلى أن طلبوا من الرسول أن يمتعهم بالعزى سنة ليأخذوا ما يهدى إليها، أبعد هذا جهل؟ ولما كان الربا يسوق الناس إلى الطمع ويمكن طائفة من الاستيلاء على الثروة العامة والتحكم في موارد الدولة وبالتالي ظلم الناس والإساءة إليهم بتعطيل الأعمال اليدوية البسيطة، والصناعة الخفيفة، وتوسيع الهوة بين طبقات المجتمع، وجعل الناس يبحثون عن المال بكل ما أوتوا من قوة، وتنتفي روح التعاون في المجتمع وتفشو الأنانية والتسلط بين أفراده.

    إن الله أوعد آكل الربا بالحرب فقال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ما ذاك إلا لخطره وأثره على الفرد والمجتمع، ولما تعفف المسلمون عن أكل الربا لأنه محرم شرعاً ألبسته طائفة من المتعاملين به ثوب الدين ليموهوا على العامة فسموه عوائد، واستعانوا على باطلهم بطائفة من المنتسبين إلى العلم الذين لا خبرة لهم بالمعاملات المصرفية وأولوهم شرف الإشراف عليها من خلال النظر في العمومات دون التعمق في الخبايا والخفايا والتشريف في الشرع تكليف، فعلى المشرَّف أن يكون ذا نظر ثاقب وبصيرة مستنيرة، وأن يكون متقناً فقه المعاملات عالماً بخفاياه وخباياه، وأن يباشر المعاملات المصرفية بنفسه لا بالواسطة، إضافة إلى ما تقدم يجب أن يكون العامل والمتعامل مع البنك الإسلامي بصيراً بعلم الاقتصاد حتى لا ينخدع فيخدع غيره.

    قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد، ألا وهي القلب.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة