الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وصايا الأب منهج حياة 
سورة لقمان   الآيات 1 - 34


سورة لقمان مكيةّ وآياتها أربع وثلاثون آية، من مقاصدها إبراز الحكمة الموافقة للشرع وتذكر لقمان مثلاً لذلك، ولقمان مختلف في نبوته الجمهور على أنه حكيم وليس بنبيّ، لكن حقق الشرع في نفسه وعلّمه ولده. استفتح البيان بالحروف المقطعة وهي ثلاثة وعدها آية كما في الروم، إشارةً إلى أن القرآن وحي الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء ذكر الكتاب بعد الحروف المقطعة مباشرةً كأنه يقول هذه الآيات المنزلة عليك -أيها الرسول- آيات الكتاب الذي ينطق بالحكمة (الم*تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ*هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ*يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) يصف القرآن بأنه هدى، يعني أن فيه هدايةٌ وبيان للذين يعبدون الله كأنهم يرونه، يراقبونه في السر والعلن، وفيه رحمةٌ للذين يحسنون العمل بقيامهم بحقوق ربهم وحقوق عباده، الذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويعطون زكاة أموالهم وهم موقنون بما في الآخرة من بعث وحساب وثواب للعاملين وعقاب لغيرهم، ومن يؤمن بهذا ويحققه في نفسه يستحق الثناء، لذلك قال أولئك المتصفون بتلك الصفات على هدىً من ربهم، تمكنوا منه وحققوه في أنفسهم فاستحقوا الفوز بنيل ما يطلبونه والبعد عما يرهبونه. ولما كان بعض الناس لم يتحققوا بهذه الصفات صفات المحسنين، ولما كان من عادة القرآن أن يذكر القسيم وقسيمه وكان ذكر المحسنين، ناسب أن يذكر الآخرين فقال:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ*وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ولما ذكر صفات المحسنين ذكر صفات المسيئين فقال ومن الناس -مثل النضر بن الحارث- من يختار الأحاديث الملهية ليصرف الناس إليها عن دين الله بغير علم، ويتخذ آيات الله هزواً يسخر منها، أولئك الموصوفون بتلك الصفات لهم عذاب مذل في الآخرة، وإذا تُقرأ عليه آيات الله أدبر مستكبراً عن سماعها كأنه لم يسمعها، بسبب أن في أذنيه صمماً عن سماع الأصوات التي تبين الحق وتدعو إليه، فبشره –أيها الرسول- بعذاب موجع ينتظره، ولما ذكر أول السورة المحسنين أعاد إلى ذكر المؤمنين فقال:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ*خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة ويدخل في ذلك العبادات بجميع أنواعها والمعاملات المختلفة بينهم وبين الله، بينهم وبين الناس، بين بعضهم البعض، (لهم جنات النعيم) اللام لام الإختصاص، لأن الأعمال لا تقبل إلا بشرطين الإيمان والعمل، وسمي جنات النعيم لأنهم يتنعمون فيما أعد الله لهم فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يتنعمون بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ماكثين فيها وعدهم الله بذلك وعداً حقاً لا شك فيه وهو سبحانه العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وشرعه. ولما كان السبب المباشر لاستحقاق العبادة هو الخلق، ناسب أن يذكر خلق السموات على عظم جرمها والأرض وما فيها من نعم فقال:(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ*هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) خلق الله سبحانه وتعالى السموات مرفوعة عن الأرض بغير أعمدة مرئية للعيان، فلربما كان ثمة أعمدة غير مرئية، أو أن الله خلقها مرتفعة عن الأرض بلا أعمدة أصلاً، فالله قادر على كل شيء، ثم إنه ثبّت الأرض بالجبال تثقلها حتى لا تضطرب بكم أيها الناس، وبث فوق الأرض أنواع الحيوانات، وأنزل من السماء ماء المطر فأنبت في الأرض من كل صنف بهيج المنظر ينتفع به الناس والدواب وجميع المخلوقات، ثم امتن فقال هذا المذكور خلق الله فأروني –أيها المشركون- ماذا خلق الذين تعبدون من دون الله، بل الظالمون في ضلال واضح بعيدون عن الحق حيث أنهم يشركون مع ربهم من لا يخلق شيئاً وهم يُخلقون، من فوائد الآيات:

  • 1- طاعة الله تقود إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.
  • 2- تحريم كل ما يصد عن الصراط المستقيم من قول أو فعل.
  • 3- التكبر مانع من اتباع الحق.
  • 4- إنفراد الله بالخلق وتحدي الكفار أن تخلق آلهتهم شيئاً، ولما عجزت عن ذلك بطل أن تكون آلهة.
هذه مقدمة تُعلم الناس توحيد الله وإثبات صفات الجلال والجمال له، وبيان فضله على الخلق لأنه صاحب النعمة الأولى التي أكرم بها خلقه ابتداءً دون أن يفعلوا شيئاً أو يطلبوا شيئاً، ولما كان الآباء أصحاب النعمة الظاهرة على الأبناء وكان واجباً عليهم تربية أبنائهم على المنهج وتقويم سلوكهم وأخلاقهم وفق هذا المنهج لتستقيم حياتهم في مستقبل أيامهم، ناسب أن يذكر قصة لقمان وما أمره به لينتقل منها إلى تأديب إبنه فقال:(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لقد أعطينا لقمان الفقه في الدين والإصابة في الأمور، وقلنا له اشكر -يا لقمان- لربك ما أنعم به عليك من التوفيق لطاعته، ومن يشكر ربه فإنما ينفع نفسه بشكره لله، فيعود فضل شكر الله إلى الشاكر نفسه، فالله غني عن شكر عباده، ومن جحد نعمة الله عليه فكفر به سبحانه فإنما ضرر كفره يعود عليه لا يضر الله شيئاً، لأنه غني عن خلقه جميعا، محمودٌ على كل حال حمده الحامدون أو لم يحمدوه، ثم يذكر لنا القرآن جملة من حكم لقمان التي علمها ابنه لتكون درساً للشباب على مر الليالي وتوالي الأيام، يتعلمون منها ويعلمونها أبناءهم، فيعم الخير وتنتشر الفضيلة في المجتمع فقال:(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) واذكر –أيها الرسول- وقت أن قال لقمان لابنه وهو يرغبه في الخير ويحذره من الشر، يا بني لا تعبد مع الله غيره، إن عبادة معبود مع الله ظلم عظيم للنفس بارتكاب أعظم ذنب يؤدي إلى خلودها في النار، ولما ذكر نصيحة الأب لابنه ووصيته له، ناسب أن يذكر وصية الإبن بأبيه فقال:(وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ*وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ووصينا الإنسان بطاعة أبويه وبرهما في ما لا معصية فيه لله، لأن أمه تحملت في حمله المشاق، حملته في بطنها ملاقية مشقةً بعد مشقة، وقطعته عن الرضاعة في عامين، وقلنا له أشكر لله ما أنعم به عليك من نعم، ثم اشكر لوالديك ما قاما به من تربيتك ورعايتك إلي وحدي المرجع فأجازي كلاً بعمله، وإن بذل الوالدان جهداً ليحملاك على أن تشرك بالله غيره تحكماً منهما ودون دليل فلا تطعهما في ذلك، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وصاحبهما في الدنيا بالبر والصلة والإحسان، واتبع طريق من أناب إليّ بالتوحيد والطاعة، ثم إليّ وحدي يوم القيامة مرجعكم جميعاً فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من عمل وأجازيكم عليه بما تستحقون، وتابع الأب تعليم ابنه العقيدة السليمة والعبادة والأخلاق وحسن التعامل مع الناس وكيف يسير في هذه الحياة وكيف يتصرف فقال:(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) يا بني إن السيئة أو الحسنة مهما كانت صغيرة مثل وزن حبة من خردل، وكانت في بطن صخرة لا يطلع عليها أحد، أو كانت في أي مكان في السموات أو في الأرض فإن الله يأتي بها يوم القيامة فيجازي العبد عليها، إن الله لطيف لا تخفى عليه دقائق الأشياء، خبير بحقائقها وموضعها (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) يا بني أقم الصلاة بأدائها على أكمل وجه، وأمر بالمعروف الذي يعرفه كل أحد، وانهَ عن المنكر الذي تنكره كل النفوس، ولما ألف الناس المنكر أحياناً أو أنفوا من المعروف كان ذلك مظنة الإساءة إليه، لذلك قال واصبر على ما نالك من مكروه في ذلك، إذا ما أمرت به من ذلك مما عزم الله به عليك أن تفعله فلا خيرة لك فيه. ولما كان التكبر على خلق الله في المشي أو في الهيئة يسيء إلى الآخرين، ناسب أن ينهاه أن يتعالى برأسه أو بمشيته فقال:(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ*وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ولا تعرض بوجهك عن الناس تكبراً عليهم وترفعاً عنهم، ولا تمشِ فوق الأرض فرحاً معجباً بنفسك، لأن الله لا يحب كل مختالٍ في مشيته، فخور بما أوتي من نعم، يتكبر بها على الناس ولا يشكر الله عليها، وتوسط في مشيك بين الإسراع والدبيب، مشياً يظهر الوقار ويرشد إلى أنك حسن الأخلاق، ولا ترفع صوتك رفعاً يؤدي إلى قبحٍ وإساءة، متشبهاً أو محاكياً أقبح الأصوات صوت الحمير لارتفاع أصواتها، من فوائد الآيات:
  • 1- لما فصّل سبحانه ما يصيب الأم من جهد الحمل والوضع رغّب في مزيد برّها.
  • 2- نفع الطاعة وضرر المعصية عائد على العبد.
  • 3- وجوب تعهد الأبناء بالتربية والتعليم.
  • 4- شمول الآداب في الإسلام للسلوك الفردي والإجتماعي.

ولما ذكر الوصايا ناسب أن يعمم بعد أن خصص فقال:( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ*وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) ألم تعلموا وتشاهدوا أيها الناس أن الله يسر لكم الإنتفاعَ بما في السموات من شمس وقمر وكواكب، وما في الأرض من دواب وشجر ونبات، وأكمل عليكم نعمه ظاهرةً للعيان كجمال الصورة وحسن الهيئة، وباطنة خفية كالعقل والعلم، ومع وجود هذه النعم فإن من الناس من يجادل في توحيد الله بغير علم مستندٍ إلى وحي من الله أو عقل مستنير أو كتاب واضح منزل من عند الله، كأنه يقول متبعاً هواه غير باحث عن الأدلة ولا مهتم بها، فإن جئت تجادله لتقيم عليه الحجة وتلزمه المنهج رأيته يصد عنك، لطالما رد عليك هؤلاء المجادلون في توحيد الله، إذا دعوتهم أن يتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي المتلو وغير المتلو، قالوا لا نتبعه بل نتبع ما وجدنا عليه أسلافنا من عبادة آلهتنا وتقليد ما كانوا عليه، فرد عليهم القرآن رداً مفحماً تتبعون أسلافكم الجاهلين المتبعين الهوى، ولو كان الشيطان يدعوهم بما يضلهم به من عبادة الأوثان إلى عذاب السعير يوم القيامة. ولما ذكر أولئك المتمردين وقبح فعلهم، ناسب أن يذكر مثالين أحدهما مثال الذي انقاد للحق وقبله وراقبه في حركاته وسكناته، والمثال الآخر للذي تنكّر للحق فقال:(وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) ومن يقبل على الله مخلصاً له عبادته ومحسناً عمله فقد تمسّك بأوثق ما يتعلق به من يرجو النجاة حيث لا يخاف إنقطاع ما أمسك به، وإلى الله وحده مصير الأمور ومرجعها، فيجازي كلاً ما يستحقه، هذا الإنسان مثالٌ لمن استقام على شرع الله ورضيه منهج حياة، وعلى الطرف الآخر (وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ*نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) ومن كفر بالله فلا يحزنك –أيها الرسول- كفره، إلى الله مرجعهم يوم القيامة فيخبرهم بما عملوا من سيئات في الدنيا ويجازيهم عليها، إن الله عليم بما في الصدور لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأقوالهم، يمد لهم في الحياة ويكرمهم بالنعم، يمتعهم قليلاً في هذه الحياة ثم يدخلهم جهنم، إن مدة الحياة قليلة في جانب ما ينتظرهم من عذاب شديد في النار، ولذلك قال:(عذاب غليظ) وإنما كان ذلك لإعراضهم عن الحق واتباعهم الهوى، وتركهم النظر في الكون والإستدلال بالنعمة على المنعم، فلما أعموا أبصارهم عن رؤية الحق وأصموا آذانهم عن سماع داعيه، إستحقوا ما استحقوه، ثم أورد مثالاً لإعراضهم فقال:(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولئن سألت –أيها الرسول- هؤلاء المشركين من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن الله، قل لهم الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم، بل معظمهم لا يعلمون من يستحق الحمد لجهلهم بالمنعم والنعم، ولما كان علم البشر عن الله قليل، ناسب أن يعرفهم بنفسه وعلومه فقال:(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ*وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) لله وحده ما في السموات وما في الأرض، خلقاً وملكاً وتدبيراً، إن الله هو الغني عن جميع مخلوقاته المحمود في الدنيا والآخرة، ولو أن ما في الأرض من شجر قُطّع وبري أقلاماً وجُعل البحرُ حبراً لها، ولو مدها سبعة أبحر ما فنيت كلمات الله لعدم تناهيها، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، حكيم في خلقه وتدبيره، ما خلقكم أيها الناس ولا بعثكم للحساب والجزاء إلا كخلق نفس واحدة وبعثها في السهولة، إن الله سميع لا يشغله سماع صوت عن سماع صوت آخر، بصيرٌ لا يشغله إبصار شيء عن إبصار شيء آخر، وهكذا لا يشغله خلق نفس أو بعثها عن خلقِ أخرى وبعثها، من فوائد الآيات:
  • 1- نعم الله وسيلة لشكره والإيمان به لا للكفر به.
  • 2- خطر التقليد الأعمى وخاصةً في أمور العقيدة.
  • 3- أهمية الإستسلام لله والإنقياد له وإحسان العمل من أجل مرضاته.
  • 4- عدم تناهي كلمات الله.

لما ذكر نعم الله بعامةٍ، ذكر نعمة خاصة يتقلب الناس بها، وذكر نعمةً يحتاجون إليها فقال:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ*ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ألم تر أن الله ينقص من الليل ليزيد في النهار، وينقص من النهار ليزيد في الليل، وقدّر مسار الشمس والقمر اللذان يجريان كل في مداره إلى أمد محدد، وأن الله بما تعملون خبير لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وسيجازيكم عليها، ذلك التدبير والتقدير يشهدان بأن الله وحده هو الحق، فهو حق في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ما يعبده المشركون من دونه هو الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي بذاته وقهره وقوته على جميع مخلوقاته، الذي هو أكبر من كل شيء، ثم ذكر نعمةً عظيمةً لا يستغني عنها أحد في هذه الدنيا فقال:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ألم تعلم أن السفن تجري في البحر بلطفه وتسخيره، ليريكم أيها الناس من آياته الدالة على قدرته سبحانه ولطفه، إن في ذلك لدلالات واضحات على قدرته، لكل كثير الصبر على ما يصيبه من ضراء، شكور بما يناله من نعماء، ولما ذكر البحر وما فيه ناسب أن يذكر غضب البحر وما ينتج عنه فقال:(وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) وإذا أحاط بهم من كل جانب موج مثل الجبال والغمام، دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء والعبادة لأنهم في أمس الحاجة إليه، أيقنوا أنه لا يدفع عنهم هذا البلاء إلا الله فأخلصوا له، فلما استجاب الله لهم وأنقذهم إلى البر وسلمهم من الغرق، فمنهم مقتصد لم يقم بما وجب عليه من الشكر على وجه الكمال، ومنهم جاحد لنعمة الله، وما يجحد بآيات الله إلا كل غدّار مثل هذا الذي عاهد الله لإن أنجاه ليكونن من الشاكرين له، كفور بنعم الله لا يشكر ربه الذي أنعم بها عليه، ثم وجه الخطاب إلى الناس كل الناس يدعوهم إلى الإيمان باليوم الاخر ويبين لهم ما في ذلك اليوم من أهوال لا يعلمها إلا هو، وشدة حاجتهم إلى الله حين يعجز الخلق عن إغاثتهم فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ*إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) يا أيها الناس اجعلوا بينكم وبين عذاب الله حاجزاً يحجز بينكم وبينه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه، وخافوا عذاب يوم لا يغني فيه والد عن ولده، ولا يغني مولود عن والده شيئاً، إن وعد الله بالجزاء يوم القيامة ثابت وواقع لا محالة، فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بما فيها من شهوات وملهيات، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله عليكم وتأخيره العذاب عنكم، إن الله وحده عنده علم الساعة فيعلم متى تقع، وينزل المطر متى شاء، ويعلم ما في الأرحام أذكر هو أم أنثى، أشقي أم سعيد، وما تعلم نفس ما تكسب غداً من خير أو شر، وما تعلم نفس بأي أرض تموت، بل الله هو الذي يعلم ذلك كله، إن الله عليم خبير بكل ذلك لا يخفى عليه شيء، من فوائد الايات:
  • 1- نقص الليل والنهار وزيادتهما، وتسخير الشمس والقمر آيات دالة على قدرة الله سبحانه ونعمٌ تستحق الشكر.
  • 2- الصبر والشكر وسيلتان للإعتبار بآيات الله.
  • 3- الخوف من القيامة يقي من الإغترار بالدنيا، ومن الخضوع لوساوس الشياطين.
  • 4- إحاطة علم الله بالغيب كله.

هكذا انتهت سورة لقمان، فكانت درساً في الفضائل والأخلاق والآداب الإجتماعية، بيّنت حقوق الآباء على الأبناء، وواجبات الأبناء نحو آبائهم، وبيّنت وسائل بر الآباء وأسباب صلاح المجتمع، وحذرت من عوامل خرابه، فرسمت لنا طريقاً واضحاً كيف نعامل أبناءنا ونتعامل مع آبائنا فنكون قدوةً صالحةً يقتدى بنا، اللهم فوفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة