الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الإسلام فطرة الله  
سورة الروم   الآيات 30 - 60


لما أقام الدليل على قدرته ووحدته وسعة علمه وأثبت أن الغيب معلوم لديه، ناسب أن يأمر بالإستقامة على الدين الحق فقال:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) مهما يكن من أمر فتوجه بكليتك -أيها الرسول- أنت ومن معك للدين الذي وجهك الله إليه، مائلاً عن جميع الأديان إليه، دين الإسلام الذي فطر عليه الناس، لا تبديل لخلق الله لأنه قال في الحديث:"خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين"، ذلك الدين المستقيم في نفسه الذي لا اعوجاج فيه، مقوّم السلوك، مصوّب المسار، مسدد الطريق، ولكن معظم الناس لا يعلمون أن الدين الحق هو هذا الدين الذي رضيه الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس كل الناس أن يرجعوا إليه سبحانه للتوبة من ذنوبهم وأن يتقوا الله فيمتثلوا جميع أوامره ويمتنعوا عن جميع نواهيه، ويؤدوا الصلاة على أكمل وجه ولا يكونون من المشركين الذين ينقاضون الفطرة فيشركون مع الله غيره في عبادته وطاعته، ولما كان في قوله:(وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إبهام فسّره (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) نهى المسلمين أن يكونوا من المشركين الذين بدلوا دينه ففرقوا بين أوامر الله ونواهيه، قبلوا بعضها ورفضوا بعضها، آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وانقسموا فرقاً وأحزاباً جماعات متفرقة كل حزب منهم بما هم عليه مسرورون يرون أنهم وحدهم على الحق وأن غيرهم على الباطل، من فوائد الايات:

  • 1- خضوع جميع الخلق لله قهراً أو اختياراً.
  • 2- دلالة النشأة الأولى على البعث واضحة المعالم.
  • 3- اتباع الهوى يضل ويُطغي.
  • 4- الإسلام دين الفطرة السليمة.
ثم بين حال الناس مع ما يصيبهم من الخير والشر، فبيّن أنهم يلجؤون إلى الله في أوقات الشدة، يطلبون منه رفع البلاء، وإذا أذاقهم رحمة كفروا به فقال:(وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ*لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وإذا أصاب المشركين شدة من مرض أو فقر أو قحط دعوا ربهم وحده راجعين إليه بالتضرع والإلتجاء أن يصرف عنهم ما أصابهم، ثم إذا رحمهم بكشف ما أصابهم إذا جماعةٌ منهم يرجعون إلى إشراكهم مع الله غيره في الدعاء، إذا كفروا بنعم الله ومنها نعمة كشف الضر وتمتعوا بما بين أيديهم في هذه الحياة فسوف يرون يوم القيامة بأعينهم أنهم كانوا في ضلال واضح، وفي الآية تهديد عظيم لا يقدر قدره، ما الذي دعاهم إلى الشرك بالله ولا حجة لهم يستفهمهم على سبيل التهكم فيقول:(أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) فما أنزل الله عليهم حجةً يحتجون بها من وحي متلو أو غير متلو على شركهم بالله، وليس معهم كتاب يقرر لهم صحة ما هم عليه من الكفر، لكنه الإنسان متقلب المزاج ذو أحوال مختلفة، يفرح بالحسنة ويجزع للسيئة، حقيقة بينها في قوله:(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) وإذا أصاب الله الناس نعمةً من نعمه كالصحة والغنى فرحوا بها فرحاً بطروا وتكبروا على خلق الله، وإن يصبهم ما يسوؤهم من مرض أو فقر بسبب ما كسبته أيديهم من المعاصي إذا هم ييأسون من رحمة الله ويقنطون من زوال ما يسوؤهم، يفكرون في ذلك دون أن يتبصروا بأن النعم في هذه الحياة نعم إبتلائية ليست تكريماً ولا ثواباً ولكنها ابتلاء، فمن صبر على البلاء أثابه الله، ومن طلب العون من الله أعانه الله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أولم يعلموا علماً يقينياً مدركاً بالحس أن الله يوسع الرزق على من يشاء من عباده إمتحاناً لهم أيشكرون، ويضيقه إبتلاء لهم أيصبرون أم يسخطون، إن في توسيع الرزق لبعض وتضييقه على بعض لدلالات للمؤمنين على لطف الله ورحمته، ولما كان شكر الله لا يتحقق إلا ببذل بعض ما أنعم الله به على الإنسان ناسب أن يبين حقاً في المال لبعض الأصناف من الناس، فذكر ثلاثة منهم فقال:(فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فأعطِ –أيها المسلم- صاحب القرابة ما يستحقه من البر والصلة، وأعطِ المحتاج ما يدفع به حاجته، وأعط القريب الذي انقطعت به السبيل عن بلده، ذلك الإعطاء في تلك الوجوه خير للذين يريدون به وجه الله، الذين يقدمون هذه المعونة والحقوق لأصحابها هم الفائزون لنيل ما يطلبونه من الجنة وبسلامتهم مما يرهبونه من العذاب. ولما كان إعطاء المال تارة يكون على سبيل القربة، وتارةً على سبيل الطمع، ناسب أن يؤكد على القربة ويحذر من الطمع فقال:(وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) ولما بين ما يتقرب به إلى الله بيّن ما يراد به غير وجه الله، وإن ما يراد به مقصد دنيوي رخيص فقال وما دفعتم من أموال إلى أحد الناس بغية أن يردها إليكم بزيادة فلا ينمو أجره عند الله، وما أعطيتم من أموالكم إلى من يدفع بها حاجة تريدون بذلك وجه الله لا تريدون منزلة ولا مثوبة من الناس، فأولئك هم الذين يضاعف لهم الأجر عند الله، وهذه مقارنه بين الربا والزكاة، فالزكاة سبيل لمضاعفة الأجر وإصلاح الحياة، والتخفيف عن المحتاج، والربا أكل لأموال الناس بالباطل وهدم للمجتمع من داخله وتفريق لجماعات المسلمين، من هنا كان الأول مرغباً فيه والثاني محرماً، وإذا تعامل الناس في الربا فسدت العلاقة بينهم وتحولوا إلى ماديين يبحثون عن المادة ويسعون إليها ويهتمون بتحصيلها، ثم ذكر حقيقة بها صلاح المجتمع واستقامة أمره، وباختلالها تفسد العلاقة بين الناس فقال:(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الله وحده هو الذي انفرد بخلقكم ثم رزقكم ثم إماتتكم ثم إحياءكم للبعث، فهو وحده الذي فعل كل شيء فبأي وجه تتجهون إلى غيره؟! وبأي صفةٍ تعبدون غيره؟! هل من أصنامكم التي تعبدونها من دونه من يفعل شيئاً من ذلك؟ تنزّه الله وتقدّس عما يقول ويعتقد المشركون، هذه الحقيقة هي أن المعطي والمانع والضار والنافع الله، هو المستحق وحده للعبادة والتوحيد، وما دام غيره لم يفعل شيئاً فلا يستحق شيئاً، وهذه الحقيقة تفسّر لنا أسباب انتشار الفساد في البر والبحر، وتبيّن لنا كيف يمكن أن نتخلص منه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ظهر الفساد في البر والبحر في معايش الناس من غش إلى سرقة، إلى غير ذلك من أنواع الفساد لنقصها في الأنفس، فالقتل عم البلاد وكاد أن يأتي على جميع العباد، أمراض وأوبئة وأسلحة وظلم بسبب ما عملوا من المعاصي والسيئات، ظهر ذلك ليذيقهم الله بعض جزاء أعمالهم السيئة في الحياة الدنيا رجاء أن يرجعوا إليه بالتوبة والإنابة، فإن الإنسان إذا ما مسه البلاء تذكر الله فاحتمى به فأجاب الله دعاءه، من فوائد الآيات:
  • 1- فرح البطر عند النعمة، والقنوط من الرحمة عند النقمة صفتان من صفات الكفار.
  • 2- إعطاء الحقوق لأهلها سبب الفلاح.
  • 3- محق الربا ومضاعفة أجر الإنفاق في سبيل الله.
  • 4- أثر الذنوب في انتشار الأوبئة وخراب البيئة مشاهدٌ.
وهذه الأشياء لا تشاهد إلا إذا ضرب الإنسان في الأرض وتنقل بين أجزائها، أبصر الأمور على حقيقتها (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) قل –أيها الرسول- لهؤلاء المشركين سيروا في الأرض فتأملوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلكم، فقد كانت عاقبتهم عاقبةً سيئة، كان معظمهم مشركين بالله يعبدون معه غيره فأهلكوا بسبب إشراكهم، مهما يكن من أمر (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ*مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ*لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) توجه بكليّتك –أيها الرسول- ووجه وجهك لدين الإسلام المستقيم الصالح في نفسه المصلح لغيره، الدين الذي لا اعوجاج فيه من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا راد له، في ذلك اليوم يتفرق الناس فريق إلى الجنة منعمون وفريق في النار معذبون، هناك في ذلك الموقف العظيم يلقى كل إنسان جزاء عمله، فالذي كفر بالله فضرر كفره عائد عليه، وعقوبته محيطة به وهي الخلود في النار، ومن عمل صالحاً يبتغي به وجه الله فلأنفسهم يهيؤون دخول الجنة، والتنعم بما فيها خالدين أبدا، ليجزي الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات التي ترضي ربهم، إنه سبحانه لا يحب الكافرين به وبرسله، بل يمقتهم أشد المقت وسيعذبهم يوم القيامة، ويعود القرآن على بدء فيذكر آية كونية تقرب البعيد وتسهل الحياة وتقوّم السلوك (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أن يبعث الرياح تبشّر العباد بقرب نزول المطر، وليذيقكم -أيها الناس- من رحمته بما يحصل لكم بعد المطر من خصب ورخاء، ولتجري السفن في البحر بمشيئته، ولتطلبوا من فضله بالتجارة في البحر ولعلكم تشكرون نعم الله عليكم فيزيدكم منها (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) ولقد بعثنا من قبلك -أيها الرسول- رسلاً إلى أممهم فجاؤوهم بالحجج الواضحة والبراهين الدالة على صدقهم، فكذبوا بما جاءتهم به رسلهم، فانتقمنا من الذين ارتكبوا السيئات فأهلكناهم بعذابنا وأنجينا الرسل والمؤمنين بالله من الهلاك، ونصرهم حق أوجبناه على أنفسنا، لنعلّم الناس أن يكافؤوا المجدّ المحسن ويعاقبوا المسيء كل بقدر حسناته أو سيئاته (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) الله هو الذي يسوق الرياح ويبعثها فتثير تلك الرياح السحاب وتحركه فيمده في السماء كيف يشاء من قلةً أو كثرة، ويصيره قطعاً فترى أيها الناظر المطر يخرج من وسطه، فإذا أصاب بالمطر من يشاء من عباده إذا هم يُسرّون برحمة الله لهم بإنزال المطر الذي يعقبه إنبات الأرض بما يحتاجونه لأنفسهم ودوابهم بعد أن كانوا في أمس الحاجة إلى شيء من ذلك، وقد كانوا من قبل أن ينزّل عليهم الله المطر لآيسين من نزوله عليهم، هكذا الإنسان دائماً يخاف على نفسه وقوت عياله، ثم إن القرآن لفت النظر إلى عظيم النعمة بإنزال المطر فقال:(فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فانظر –أيها الرسول- إلى آثار المطر الذي ينزّله الله رحمةً لعباده، كيف يحيي الله الأرض بما ينبته عليها من أنواع النبات بعد جفافها ويبسها، إن الذي أحيا تلك الأرض الجافة لهو باعث الأموات أحياءً وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، من فوائد الآيات:
  • 1- نعم عديدة تستدعي أن يُشكر اللهُ عليها منها إرسال الرياح وإنزال المطر وجريان السفن في البحر.
  • 2- إهلاك المجرمين ونصر المؤمنين سنة إلهية.
  • 3- إنبات الأرض بعد جفافها دليل على البعث.
(وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ*فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ*وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) ولئن بعثنا على زروعهم ونباتهم ريحاً تفسده عليهم فرأوا زرعهم مصفر الألوان بعد أن كانت مخضرة لظلوا من بعد مشاهدتهم لها يكفرون بنعم الله السابقة على كثرتها، فكما أنك لا تستطيع إسماع الموتى ولا تستطيع إسماع الصم وقد ابتعدوا عنك ليتأكد سماعهم، فكذلك لا تستطيع أن تهدي من أشبه هؤلاء بالإعراض وعدم الإنتفاع، وما أنت بموفقٍ من ضل عن الطريق المستقيم إلى سلوك سبيل الرشاد، لا تسمع سماعاً ينتفع به إلا من يؤمن بآيات الله، لأنه هو الذي ينتفع بما تقوله فهم منقادون لأمرنا خاضعون له، ثم بين أطوار خلق الإنسان وتدرجه بين الضعف والقوة فقال:(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) الله الذي خلقكم أيها الناس من ماء مهين ذا مهنة ووظيفة تلقّح البويضة وتكون معها إنساناً سوياً، ثم جعل من بعد ضعف طفولتكم قوة الرجولة، ثم جعل من بعد قوة الرجولة ضعف الشيخوخة والهرم، يخلق ما يشاء من ضعف وقوة وهو العليم بكل شيء لا يخفى عليه شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، تمضي الحياة ويتقلب الإنسان فيها بين القوة والضعف، والعسر واليسر، والرخاء والشدة، إلى أن تنتهي حياته ويحين وقت الحساب، إلى ذلك أشار بقوله:(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ*وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ*فَيَوْمَئِذٍ لّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) يوم تقوم القيامة يحلف المجرمون ما مكثوا في قبورهم إلا ساعةً، كما صُرفوا عن معرفة قدر ما لبثوا في قبورهم، كانوا يُصرفون في الدنيا عن الحق، وقال الذين أعطاهم الله العلم من الأنبياء والملائكة لقد مكثتم فيما كتبه الله في سابق علمه من يوم خلقكم إلى يوم بعثكم الذي أنكرتموه، ولكنكم كنتم لا تعلمون أن البعث واقع فكفرتم به، فيوم يبعث الله الخلائق للحساب والجزاء لا ينفع الظالمين ما يختلقونه من أعذار ولا يُطلب منهم إرضاء الله بالتوبة والإنابة إليه لفوات وقت ذلك، ثم بيّن مقدار ما حواه القرآن من الأمثلة التي تبيّن الواقع وتشرح الغيب وتسلط الضوء على الحقائق، وكيف أعرضوا عنها وكلفوا رسول الله شططا، وأوقعوه في العنت والمشقة (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ*كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ*فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن عنايةً بهم من كل مثل ليتضح لهم الحق من الباطل، ولئن جئتهم أيها الرسول بحجة على صدقك ليقولن الذين كفروا بالله ما أنتم إلا مبطلون فيما جئتم به. مثل هذا الختم ختم الله على قلوب هؤلاء الذين إذا جئتهم بآية لا يؤمنون بها، يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون أن ما جئتهم به حق، فاصبر أيها الرسول على تكذيب قومك لك، إن وعد الله حق وهو وعد الله لك بالنصر والتمكين ثابت لا مرية فيه، ولا يدفعنك الذين لا يوقنون بأنهم مبعوثون إلى الإستعجال وترك الصبر، من فوائد الآيات:
  • 1- يأس الكافرين من رحمة الله عند نزول البلاء.
  • 2- هداية التوفيق بيد الله وليست بيد الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • 3- مراحل العمر عبرة لمن يعتبر.
  • 4- الختم على القلوب سببه الذنوب.
وقد تمت سورة الروم، وبعد فآن لنا أن نعتبر بما حوته من حكم وأحكام، وما بينته من آداب ولطائف، نسأل الله أن يفقهنا في دينه ويمد لنا حتى نلقاه وهو راض عنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة