الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الصبر سبيل الفلاح  
سورة العنكبوت   الآيات 1 - 30


سورة العنكبوت مكيّة تركّز على قضية الثبات على المبدأ والصبر على البلاء والفتن وعاقبته (الم*أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) استهلها بالحروف المقطعة وهي هنا ثلاثة عدّها آية، وقلت إن هذه الحروف فيها معنى التحدي والإعجاز، ودللتُ على ذلك بذكر القرآن لفظاً أو معنى عقبها، إلا في هذه السورة فإن القرآن لم يُذكر إلا قرب آخرها، وهو الموضع الوحيد ولا يمنع ذلك من أن هذه الحروف تضمنت معنى التحدي والإعجاز، يقول أظن الناس أنهم بقولهم آمنا بالله يتركون دون اختبار يبين حقيقة ما قالوا، أهم مؤمنون حقا؟! ليس الأمر كما يظنون فإن الإيمان دعوى والدعوى لابد لها من دليل يثبتها، ومهما كان الدليل ضعيفاً كانت الدعوى ضعيفة، لذلك جاء الإبتلاء يبيّن زيف المخادعين وصدق المؤمنين وكان في الغالب على قدر منزلة المبتلى، وهذا ما أشار إليه في قوله:(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ولقد اختبرنا الذين من قبلهم أي أهل مكة لنظهر فضلهم ونعلي قدرهم، بظهور ثباتهم على المبدأ ووقوفهم إلى جانبه ونصرتهم له، فيظهر ذلك للجميع ويكون العلم اللدنيّ علماً ظاهراً للعيان يعترف به كل من رأى حالهم واطلع على أسرارهم، فتيقن من صدق إيمان المؤمنين وكذب المنافقين (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ) ثم أضرب عن قضية المؤمنين الثابتين على الحق الناصرين له إلى قضية أخرى ظهر فيها قوم يعملون المعاصي صغيرها وكبيرها، يتحدون الله ظانين أنهم يوقعونه في المشقة والعنت وأنه يعجز عن محاسبتهم فينجون من عذابه، قَبُحَ حكمهم الذي يحكمونه، فهم لا يُعجزون الله ولا ينجون من عقابه إن ماتوا على كفرهم وضلالهم، ثم ذكر قضيةً تزيد المؤمن إيماناً وتقوي يقينه فقال:(مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من كان يأمل لقاء الله يوم القيامة ليثيبه على طاعته ويكرمه بجنته فليعلم أن الأجل الذي ضربه الله لذلك لآت قريباً، وهو السميع لأقوال عباده العليم بأفعالهم، لا يخفى عليه شيء منها ولا يفوته شيء منها، وسيجازي عليها، في ذلك اليوم يظهر صلاح الصالحين وزيف المخادعين، أشار إلى ذلك بقوله:(وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) من جاهد نفسه بحملها على الطاعة والإبتعاد عن المعصية وجاهد أعداءه كل بحسبه، فإنما يجاهد لنفسه لأن فائدة ذلك تعود عليه بالدرجة الأولى، فحين يستقيم على المنهج ويثبت على الطريق السوي ويعمل الصالحات ويجتنب السيئات تستقيم نفسه ويتناغم مع الكون، وحين يرد عدوه وينصر صديقه يقف مع الحق يدافع عنه ينشره وينصره، فهو المستفيد لأن الله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وهو غني عن المخلوقات كلها فلا تزيده طاعتهم ولا تنقصه معصيتهم، من فوائد الآيات:

  • 1- النهي عن إعانة أهل الضلال.
  • 2- الأمر بالتمسك بتوحيد الله والبعد عن الشرك.
  • 3- إبتلاء المؤمنين واختبارهم سنة إلهية.
  • 4- غنى الله عن طاعة عباده.

ولما ذكر المجاهدين وكانوا أحد رجلين ناسب أن يذكر الصالحين إشادةً بهم وإشارةً إلى فضلهم وتنفيراً عن الإتصاف بالخلق الآخر فقال:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون) والذين آمنوا وصبروا على البلاء على الطاعة وعن المعصية، وعملوا الأعمال الصالحات التي تنفع العاملين أو غيرهم أو تدفع عنهم وعن غيرهم، وعدهم بوعدين، أما الأول فستر الذنوب السيئة ليغفرها لهم في الآخرة، وأما الثاني فمجازاتهم بخير عمل عملوه في الدنيا، وهو هنا يقسم بأنه سيثيبهم في الآخرة بأحسن الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا، ولما كان الوالدان أقرب الناس إلى الولد والأحق ببره، ناسب أن يذكرهما بالوصية وما أجملها من وصية (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما ويحسن إليهما، وإن جاهداه أي بذلا الجهد في السعي لإفساد دينه ليجعلاه يشرك بالله ما لا وجود له ولا حقيقة ولا صفة من صفات الألوهية، كما وقع لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مع أمه، فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إلى الله وحده رجوعكم يوم القيامة، الإنسان ووالديه فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا ويجازيكم عليه، أما ما كان من أم سعد فإنها أقسمت أن لا تأكل ولا تشرب حتى تموت، فيعيّر بها ابنها أو يرجع عن دينه الذي دخله مع النبي صلى الله عليه وسلم، فصامت يوماً أو يومين ثم قال لها يا أم والله لو كان لك مائة نفس ورأيتها تخرج نفساً نفساً ما رجعت عن الدين الذي دخلت فيه، فإن شئت فكلي وإن شئت فدعي (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) لما وعد المؤمنين قبل آية بستر الذنوب وحُسن الجزاء كرر ذلك فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلهم في الصالحين يوم القيامة فنحشرهم معهم ونثيبهم كثوابهم، ثم ذكر طائفة من الناس تريد أن تجعل الأمور لمصلحتها العاجلة، وتنتهز الفرص لتكسب فقال:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ*وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) ومن الناس طائفة تقول ومعنى ذلك أنها لا تحقق ذلك من نفسها، تدعي دون دليل والدليل فإذا آذاه الكفار على إيمانه جعل عذابهم له كعذاب الله فارتد عن الإيمان موافقةً للكفار، ولإن حصل نصر من ربك لك أيها الرسول ليقولن إنا كنا معكم أيها المؤمنون على الإيمان، أوليس الله أعلم بما في صدور الناس، يكذب على الله ويحاول أن ينافق عليه والله لا يخفى عليه ما فيها من الكفر والإيمان، فكيف ينبؤون الله بما في قلوبهم وهو أعلم بما فيها منهم، ثم بيّن أنه لابد أن يظهر الذين آمنوا به حقاً وصدقاً وثبتوا على ذلك، والمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر فيكشف الجميع للجميع ويجعل الناس كل الناس يعرفون بعضهم بعضا في الحقيقة والواقع دون أي خفاء، فعلم الله يكون بإطلاع الناس عليه وإظهاره لهم، ثم تحدث القرآن عن طائفة أظهرت شيئاً وأضمرت غيره، واستترت بالدين لتحقق مآربها ومطامعها فقال وليعلمن الله الذين آمنوا به حقاً أكان سرهم كعلانيتهم، وليعلمن المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يضمرون، يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر، ثم ذكر طائفةً تحسن الفساد للناس وتحضهم عليه وتعدهم أن تتحمل تبعة ذلك عنهم فقال:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) وقال الذين كفروا للذين آمنوا بالله وحده اتبعوا ديننا وما نحن عليه ونحمل نحن عنكم ذنوبكم، فنجازى عليها دونكم، وليسوا بحاملين شيئاً من ذنوبهم وإنهم لكاذبون في قولهم هذا (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) ولما كان نفي حملهم بخطايا غيرهم قد يفهم منه أن الكفار الداعين إلى ضلالتهم لا يأثمون إثماً زائداً بسبب ذلك القول الذي وقع، فبين أنهم سيحملون آثام الداعين لهم في باطلهم ويتحملون إثم الذنوب التي اقترفوها في مكة، وليحملن ذنوب من اتبع دعوتهم دون أن ينقص من ذنوب التابعين لهم شيئاً، وليسألن الله يوم القيامة الجميع عما كانوا يختلقون في الدنيا من الأباطيل، وبعد أن أقام الدليل العقلي على أن من اختار الكفر اختاره بملء إرادته دون أن يتأثر بأي ظرف خارجي، وأقام الأدلة المقنعة على ذلك، ناسب ان يذكر دليلاً من التاريخ في قصة نبي الله نوح عليه السلام(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) يقسم الله أنه بعث نوحاً رسولاً إلى قومه فمكث فيهم تسع مائة وخمسين عاماً، يدعوهم إلى توحيد الله، فكذبوه واستمروا على كفرهم فأخذهم الطوفان وهم ظالمون بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله فأهلكوا بالغرق، من فوائد الآيات:
  • 1- الأعمال الصالحة يكفر الله بها الذنوب.
  • 2- وجوب البر بالأبوين أمر من أصول الدين.
  • 3- الإيمان بالله يقتضي الصبر على الأذى في سبيله.
  • 4- من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

(فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) فأنقذ الله نوحاً ومن معه في السفينة من الغرق والموت وجعل السفينة عبرةً للناس يعتبرون بها أبد الدهر، ولما كان إبراهيم أبا الأنبياء وابن نوح ناسب أن يتبع قصة إبراهيم بقصة نوح فقال:(وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) اذكر أيها الرسول قصة إبراهيم حين قال لقومه اعبدوا الله وحده واتقوا عقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ذلكم المأمور به خير لكم إن كنتم تعلمون فاحرصوا على ذلك تفلحوا، ولما كان قوم إبراهيم فريقان منهم من يعبد الكوكب ومنهم من يعبد الأصنام، ناسب أن يفصّل فقال إن ما تعبدون أيها المشركون أصناماً لا تدفع ولا تنفع ولا تضر، وتختلقون الكذب حين تزعمون إستحقاقها للعبادة، إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فيرزقونكم، فاطلبوا عند الله الرزق فهو الرزاق، واعبدوه وحده واشكروا له ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة إليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء لا إلى أصنامكم، ثم وعظهم فقال:(وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وإن تكذبوا أيها المشركون رسول الله إبراهيم بما جاء به من الوحي المتلو فقد كذّب أمم من قبلك منهم قوم نوح وعاد وثمود، والفرض على الرسول أن يبلغ الرسالة بلاغاً واضحاً، وقد فعل ما أمره ربه به، فبلغكم ما طلب الله منه تبليغه، وهذا يكفي في نجاته من المسؤولية الجزائية، ثم ذكر لهم الدليل الذي يثبت ألوهيته وعجز أصنامهم فقال:(أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أكذبوا ولم يروا كيف بدأ الله الخلق ابتداءً من العدم ثم يعيده بعد فنائه، إن ذلك على الله سهل فهو قادرٌ لا يعجزه شيء، ثم نقلهم إلى الطبيعة القريبة (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لفت نظرهم إلى دليل من التاريخ ماثل للعيان، يكفي النظر فيه للإقتناع والتسليم، قل لهؤلاء المكذبين بالبعث أيها الرسول سيروا في الأرض فتأملوا كيف بدأ الله الخلق ثم الله يحيي الناس بعد موتهم الحياة الثانية فيبعثهم للحساب والجزاء ثواباً أو عقاباً إن الله لا يعجزه عن بعث الناس شيء كما لم يعجز عن خلقهم أولاً، ومن تمام قدرته وكمال عزته (يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ*وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) يعذب من يشاء من خلقه بعدله ويرحم من يشاء من خلقه بفضله، وإليه وحده لا إلى غيره ترجعون يوم القيامة للحساب حين يبعثكم من قبوركم أحياء، ولستم بفائتين ربكم ولا منفلتين من عقابه أين كنتم وحيث أقمتم، أفي الأرض أم في السماء ليس لكم من دون الله وليٌ يتولى أمركم وليس لكم من دون الله نصير يرفع عنكم عذابه، ثم ختم الآيات بحكمة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) والذين كفروا بآيات الله وبلقاء الله يوم القيامة، أولئك لا حظ لهم في الآخرة برحمة الله، لأن رحمة الله لا تنال الكافرين، ونتيجة ذلك لن يدخلوا الجنة أبدا لكفرهم، وأولئك لهم عذاب موجع ينتظرهم في الآخرة، من فوائد الآيات:
  • 1- الأصنام لا تخلق ولا تملك رزقاً فلا تستحق العبادة.
  • 2- طلب الرزق إنما يكون من الله الذي يملكه.
  • 3- بدء الخلق دليل على البعث لأن الذي بدأ يقدر على إعادة ما بدأ.
  • 4- دخول الجنة محرّم على من مات على كفره.

فما كان جواب قومه وبما قابلوا إحسانه؟! إنهم الناس أنفسهم في كل وقت وفي كل مكان (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) قريباً من جواب قوم نوحٍ نوحاً، فما كان جواب قوم إبراهيم له بعدما أمرهم به من عبادة الله وحده وترك عبادة غيره من الأوثان، إلا أن قالوا اقتلوه أو ارموه في النار إنتصاراً لآلهتكم فسلمه الله من النار وقصّ هذه القصة على محمد صلى الله عليه وسلم عسى أن يعتبر قومه بما حل بمن قبلهم فينتفعون، وهنا تجرد إبراهيم لمواجهة قومه يخبرهم بالحقيقة كاملةً وقصها القرآن ليبين ضعف حجة المشركين وعجزهم وقلة حيلتهم، فبيّن السبب الذي دفع قومه إلى عبادة الأصنام فقال:(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ) قال إبراهيم عليه السلام لقومه إنما اتخذتم أصناماً آلهةً تعبدونها للتعارف والتواد على عبادتها في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة ينقطع ذلك التواد بينكم فيتبرأ بعضكم من بعض عند معاينة العذاب، ويلعن بعضكم بعضاً ومقركم الذي تأوون إليه النار وليس لكم من ناصرين يمنعونكم من عذاب الله لا أصنامكم التي كنتم تعبدونها ولا غيرها، فالكل عاجز بين يدي الله لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، لا يدفع ولا ينفع، وبعد هذا الجدال وطول المقال لم يؤمن من قومه إلا قريب له هو لوط عليه السلام، فآمن له لوط ويئس إبراهيم من إيمان قومه به (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) قال لهم إني مهاجر إلى ربي إلى أرض الشام المباركة، فربي هو العزيز الذي لا يغلب ولا يغالب، لا يُذل من هاجر إليه، الحكيم في تقديره وتدبيره، ولما أخلص مع الله وآمن بالرسالة التي أرسل بها أكرمه الله غاية الإكرام وسجّل ذلك القرآن وحياً يتلى (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) الولد الصالح يسعد الأب لأنه يحب ابنه أكثر من نفسه، لذلك أعطى الله إبراهيم ولداً وولد ولد، إسحاق ويعقوب، وصيّر في أولاده النبوة والكتب المنزلة من عند الله، وأعطاه الله ثواب صبره على الحق في الدنيا بصلاح الأولاد والثناء الحسن في الآخرة، ليجزى جزاء الصالحين لا ينقص ما أعطاه في الدنيا ما أعد له من الجزاء الكريم في الآخرة. ولماّ وفّى الحديث عن إبراهيم ناسب أن يذكر أقرب الناس إليه، فيبين صلاحه ويشيد بتقواه ويشير إلى مقدار ما آتاه الله من علم وورع فقال:(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ*أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ*قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) اذكر أيها الرسول لوطاً حين قال لقومه إنكم لتأتون الذنب القبيح ما سبقكم إلى الإتيان به أحد من العالمين قبلكم، فأنتم أول من ابتدع هذا الذنب الذي تأباه الفطر السليمة، ولما كان في ذلك نوع خفاء ناسب أن يضع الأمور في موضعها ويبين الذنب على حقيقته وما فيه من قبح وفساد فطرة فقال أئنكم لتأتون الذكران في أدبارهم لقضاء شهوتكم، وتقطعون الطريق على المسافرين فلا يمرون بكم خشية ما ترتكبونه من الفاحشة، وفي ذلك إشارة ضمنية إلى تعطيل النسل وعدم إنجاب الأولاد، وتأتون في ناديكم المنكر، في مجالسكم الخاصة تمارسون أفعال منكرة كالعري وإيذاء من يمر بكم بالقول والفعل، ذنوبٌ ومعاصي وسيئات تعجز الجبال عن حملها، فما كان جواب قومه له بعد نهيه لهم عن هذه الأفعال القبيحة إلا أن قالوا له أئتنا بعذاب الله الذي تهددنا به إن كنت صادقاً فيما تدعيه، قال لوط عليه السلام داعياً ربه بعد تعنت قومه وطلبهم إنزال العذاب عليهم استخفافاً به وتكذيباً له، قال رب انصرني على القوم المفسدين في الأرض بما ينشرون من الكفر والمعاصي المستقبحة، من فوائد الآيات:
  • 1- عناية الله بعباده الصالحين سبب ينجيهم من مكر أعدائهم.
  • 2- فضل الهجرة إلى الله.
  • 3- عظم منزلة إبراهيم وآله عند الله.
  • 4- تعجيل بعض الأجر في الدنيا لا يعني نقص الثواب في الآخرة.
  • 5- قبح تعاطي المنكرات في المجالس العامة.

ولما أوشك الله أن ينزل بقوم لوط العذاب بعد أن قامت عليهم الحجة، ناسب أن يرسل إلى إبراهيم رسولاً يبلغه بذلك ليطمئن على قريبه وصديقه، فماذا كان من أمر الرسول وبماذا جاء إبراهيم، ما الذي أخبره به الرسول، أشياء لابد لها من تفسير، فاللهم وفقنا لنفهمها ونعبر عنها بعبارة واضحة مفهومة.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة