الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

لمن يضاعف الأجر؟  
سورة القصص   الآيات 51 - 88


بعد أن أكمل القرآن قصة موسى إلى منتهاها، وعلّق عليها بما يفيد أن أصل الدين واحد وأن الأنبياء يكملون الرسائل حتى صدق في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون ما أجمله لولا هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين"، وهنا يقيم الحجة على العرب بما أرسل من رسل إلى الأمم السابقة، ويبيّن لهم فضل الإيمان وعاقبة الكفر فيقول:(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ولقد وصلنا للمشركين واليهود من بني إسرائيل القول بقصص الأمم السابقة، وما حل بهم من عذاب لما كذبوا رسل الله رجاء أن يتعظوا فيؤمنوا، حتى لا يصيبهم ما أصاب غيرهم مستفيدين من قولهم السعيد من وعظ بغيره، فهل كانوا كذلك؟ (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ*وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ*أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) الذين ثبتوا على الإيمان بالتوراة قبل نزول القرآن، فحكموها ورضوا بحكمها، ولما نزل القرآن آمنوا بما أخبرتهم عنه التوراة فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكلما قرئ عليهم القرآن آمنوا به وازدادوا إيمانا، ويقولون آمنا به إنه الحق الذي لا مرية فيه المنزل من ربنا، إنا كنا من قبل هذا القرآن مسلمين لإيماننا بما جاء به الرسل من قبله، أولئك الموصوفون بما ذكر يعطيهم الله ثواب عملهم مرتين بسبب صبرهم على الإيمان بكتابهم وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بعث، ويدفعون بحسنات أعمالهم الصالحة ما اكتسبوه من الآثام وينفقون من رزق الله في وجوه الخير ما يقوي إيمانهم ويثبّت يقينهم (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ*إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) وإذا سمع هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب الباطل من القول أعرضوا عنه غير ملتفتين إليه، وقالوا مخاطبين أصحابه لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم، سلمتم منا من الشتم والأذى، لا نبتغي مصاحبة أصحاب الجهل لما فيهم من الضرر على الدين والدنيا. ولما ذكر ذلك ناسب أن يتحدث عن رجل أضاع فرصة عمره، هو نقيض أولئك، تمسّك بالباطل وأعرض عن الحق، عرض عليه النبي الإسلام فأعرض وتمسّك بملة عبد المطلب مع أن ملة عبد المطلب تنفع عبد المطلب ولا تنفعه، فحزن الرسول عليه وتمنى أن لو قد آمن فقال له رب العزة إنك أيها الرسول لا تهدي من أحببت مثل أبي طالب وغيره توفقه للإيمان، ولكن الله وحده هو الذي يوفق من يشاء للهداية، لأنه الأعلم بمن سبق في علمه أنه يكون من المهتدين إلى الصراط المستقيم، ولما ذكر حديث أبي طالب وما تمسك به من مراقبة الناس بدل مراقبة الله واتباع الهوى بدل اتباع المنهج الذي جاء به محمد، ناسب ان يذكر وهماً من نوع آخر توهمه أهل مكة فدعاهم إلى الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن وهمهم يجب أن يكون على خلافه، أنظر أيها القارئ كيف يرد القرآن الباطل ويصوّب المسار ويسدده (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) قال المشركون من أهل مكة معتذرين عن اتباع الإسلام والإيمان به، إن نتبع هذا الإسلام الذي جئت به ينتزعنا أعداؤنا من أرضنا بسرعة، أبعد هذا غباء!! ألم يطعمكم الله من جوع وأنتم مشركون؟ وأمّنكم من خوف وأنتم تعبدون غيره؟ وجعل لكم الأمن والأمان أئذا صرتم أولياء وآمنتم بخاتم رسله أيترككم؟! أشار إلى ذلك بهذا السؤال اللطيف، أولم نمكّن لهؤلاء المشركين حرماً آمناً يحرم فيه سفك الدماء والظلم، يأمنون فيه من إغارة غيرهم عليهم، يجلب إليه خيرات الدنيا من كل شيء رزقاً من عند الله ساقه إليهم، ولكن معظمهم لا يعلمون ما أنعم الله عليهم فيشكرونه، ثم بيّن عظيم قدرته وشدة بأسه فقال:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ*وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) وما أكثر القرى التي كفرت بنعم الله عليها، فأسرفت في الذنوب والمعاصي، فأرسل الله عليها عذاباً أهلكها به، فتلك مساكنهم مندثرة يمر الناس عليها، لم تسكن من بعد أهلها إلا قليلاً من بعض العابرين، وكان الله وحده هو الوارث لها لأنه وارث السموات والأرض وما فيهما، فاعتبر أيها القارئ بكتاب الله بما حل بمن قبلك واحذر أن تقع فيما وقع فيه فتكون عاقبتك كعاقبته، ثم بيّن أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولاً، لم يكن ربك ليهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يقيم الحجة على أهلها، كما بعثك أنت في أم القرى، لأن الله ما كان ليهلك القوم ما لم يفسدوا في الأرض أو يساعدوا عليه، إنما يهلكهم إن كانوا ظالمين بالكفر وارتكاب المعاصي، من فوائد الآيات:

  • 1- فضل من آمن من أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم.
  • 2- خطر الترف على الفرد والمجتمع.
  • 3- اتباع الحق وسيلة للأمن، لا مبعث خوف.
  • 4- من رحمة الله أنه لا يهلك الناس إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل.
ثم انتقلت الآيات تبين للناس حقيقةً طالما كانوا غافلين عنها لا يأبهون بها ولا يلتفتون إليها فقال:(وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ) ولما اعتذر المشركون عن اتباع الحق بما يلاقونه من مصاعب الحرب وانقطاع التجارة، أجابهم الله بقوله وما أعطاكم ربكم من شيء أي شيء فهو مما تتمتعون به أي تستأنسون وينشرح صدركم له، وتتزينون في الحياة الدنيا، وما عند الله من الثواب العظيم في الآخرة خير وأبقى مما في الدنيا من متاع وزينة، أتعلمون ذلك فلا تعقلون!! فتؤثرون ما هو باق على ما هو فانٍ، ثم عقد مقارنةً بين الباقي والفاني، بين ما عند الله وما عند الناس فقال:(أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أفمن وعدناه في الآخرة الجنة وما فيها من نعيم مقيم كمن أعطيناه ما يتمتع به من مال وزينة في الحياة الدنيا، ثم يكون يوم القيامة من المحضرين إلى جهنم، ويوم القيامة تسقط الأقنعة ويظهر الناس على حقيقتهم، يخادع بعضهم بعضاً ويحاول أن يستفيد كل من صاحبه، أشار إلى هول الموقف فقال:(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ*قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) يوم يناديهم ربهم سبحانه وتعالى قائلاً أين شركائي الذين كنتم تعبدونهم من دوني، وتزعمون أنهم شركائي، قال الذين وجب عليهم العذاب من الدعاة إلى الكفر الذين أَضللناهم كما ضللنا، تبرأنا إليك منهم ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون الشياطين (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ*وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ*فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ) جميع أهل الموقف كل يحاول أن ينجو بنفسه، بعيداً حتى لا يسأل الشفاعة ولا غيرها، ويقال لهم نادوا شركاءكم لينقذوكم مما أنتم فيه من الخزي، فنادوا شركاءهم فلم يجيبوا نداءهم، وشاهدوا العذاب المعد لهم فودوا لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق، سؤال ثانٍ يطرحه الله على المشركين قائلاً ماذا أجبتم الرسل الذين بعثتهم إليكم؟ نسوا الجواب من هول الموقف وشدة الخوف والعذاب محيط بهم من كل جانب، أشار إلى هذا المعنى بعبارةٍ مختصرة فخفي عليهم ما يحتجون به فلم يذكروا شيئاً ولا سأل بعضهم بعضاً لما أصابهم من هول الصدمة، ما جعلهم يوقنون أنهم سائرون إلى العذاب، وهنا جاء الوقت المناسب للدعوة بعد أن أراهم أهوال يوم القيامة رأي عين ما يرقق قلوبهم ويجعلهم يخضعون، فبيّن حال الناس في ذلك الموقف ونبّه بالقسيم على قسيمه (فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) فأما من تاب من هؤلاء المشركين من كفره وآمن بالله إله واحداً لا شريك له، وآمن بالرسل وعمل عملاً صالحاً فعسى أن يكون من الفائزين بما يطلبونه، الناجين مما يرهبونه، وترك القسيم من لم يتب ولم يؤمن ولم يعمل صالحاً لتذهب به النفس كل مذهب، ثم انتقل إلى بيان أن الإنسان في هذه الحياة مخيّر في أشياء ومجبر في أشياء فقال:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ*وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ*وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وربك أيها الرسول يخلق ما يشاء ويصطفي من يشاء لطاعته ونبوته، ليس للمشركين الإختيار حتى يعترضوا على الله مما يعبدون معه من الشركاء، وربك يعلم ما تخفي صدورهم وما يعلنونه، لا يخفى عليه شيء من ذلك وسيجازيهم عليه، فهو الله لا معبود بحق غيره، له وحده الحمد في الدنيا وله الحمد في الآخرة، وله القضاء النافذ الذي لا مرد له وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء، من فوائد الايات:
  • 1- العاقل يؤثر الباقي على الفاني.
  • 2- التوبة تجب ما قبلها.
  • 3- الإختيار لله لا لعباده، فليس لعباده أن يعترضوا عليه، وهذا في الأمور الجبلية كالطول والقصر، والبياض والسمار، ولون العينين، ومن هو الأب والأم.
  • 4- إحاطة علم الله بما ظهر وما خفي من أعمال عباده.
  • 5- الأمور التكليفية للإنسان فيها اختيار وهو ما يسمى بالكسب يكتسبه الإنسان بإرادته وسعيه واجتهاده إلى تحقيق رغبته، وأحياناً بنيته، ولهذا قالوا نية المؤمن خير من عمله، فالمؤمن ينوي عبادة الله ما حيّ، فيثيبه الله بالجنة بسبب نيته.
ثم عدد لهم نعمه التي يرونها وينكرونها على طريق الحوار، ليلزمهم الحجة ويثبت لهم بالدليل تقصيرهم وعجزهم عن شكره (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ*قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ*وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين أخبروني إن صيّر الله عليكم الليل دائماً مستمراً لا انقطاع له إلى يوم القيامة، من معبود غير الله يأتيكم بضياء مثل ضياء النهار؟! أفلا تسمعون هذه الحجج وتعلمون أن الله لا إله غيره يأتيكم بذلك، قل لهم أيها الرسول أخبروني إن صيّر الله عليكم النهار دائماً مستمراً إلى يوم القيامة، من معبود غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه لتستريحوا من عناء العمل في النهار أفلا تبصرون هذه الآيات وتعلمون أن لا إله إلا الله يأتيكم بذلك كله، ثم خلص إلى النتيجة مؤداها أن الله من أول الأمر ابتدأكم بالنعمة فجعل لكم الليل مظلماً لتسكنوا فيه بعدما عانيتم من عمل في النهار، وجعل لكم النهار مضيئاً لتسعوا إلى طلب الرزق فيه ولعلكم تشكرون نعم الله عليكم التي يجب عليكم شكرها وتأدية حقها فأنتم الآن في دار العمل فبماذا تجيبون إن سألكم يوم القيامة هذا السؤال المحرج الذي لا جواب عليه (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ*وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) يوم يناديهم ربهم سبحانه أين شركائي الذين كنتم تعبدونهم من دوني وتزعمون أنهم شركائي، وأحضر الله من كل أمة نبيها يشهد عليها بما كانت عليه من الكفر والتكذيب فقال للمكذبين من تلك الأمم أعطوا حججكم وأدلتكم على ما كنتم عليه من الكفر والتكذيب، فانقطعت حججهم وأيقنوا أن الحق الذي لا مرية فيه لله، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء له سبحانه وتعالى، ثم ذكر قصة من التاريخ الغابر تصوّر حب الإنسان للمال ورغبته فيه وحرصه عليه وسعيه إليه، يفضله على نفسه وأهله ويجهد في تحصيله بجميع الطرق السهل والصعب منها، إنه قارون مثال للرجل الذي لا يشبع من المال فقال:(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ*وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) لما ذكر أن فرعون علا في الأرض بسبب السلطان، ذكر طغيان قارون بسبب المال فقال إن قارون كان من قوم موسى فتكبر عليهم، وأعطيناه من كنوز الأموال ما إن مفاتح خزائنه ليثقل حملها على الجماعة القوية حين قال له قومه لا تفرح فرح البطر، إن الله لا يحب الفرحين فرح البطر، بل يبغضهم ويعاقبهم على ذلك، واطلب بالمال الذي أعطاك الله الثواب في الدار الآخرة بأن تنفقه في وجوه الخير ولا تنس نصيبك من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك من النعم من غير اسراف ولا مخيلة، وأحسن التعامل مع ربك ومع عباده كما أحسن الله إليك، ولا تطلب الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وترك الطاعات، إن الله لا يحب المفسدين في الأرض، من فوائد الآيات:
  • 1- تعاقب الليل والنهار نعمة من نعم الله يجب شكرها.
  • 2- الطغيان كما يكون بالرئاسة والملك يكون بالمال.
  • 3- الفرح بطراً معصيةٌ يمقتها الله.
  • 4- ضرورة النصح لمن يخاف عليه الفتنة.
  • 5- بغض الله للمفسدين في الأرض.
فماذا كان رد قارون، هل انتفع بالنصيحة أو تمسك بباطله؟ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ*فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ*فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ*وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) قال قارون إنما أعطيت هذه الأموال لعلم عندي وقدرة، فأنا أستحقها لذلك، فرد عليه القرآن رداً مفحماً كأنه قال أكذب ولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هو أشد قوة منه وأكثر جمعاً للأموال، فما نفعتهم قوتهم ولا أموالهم، فإن الله لا يسأل يوم القيامة المجرمين عن أموالهم لعلمه بها، وإنما يسألهم ليوبخهم ويلزمهم الحجة، ثم إن قارون خرج من بيته يرافقه ماله وسلطانه وزينته، مُظهراً أبّهته، نظر إليه الناس ولما كان بعضهم يطمع في زينة الحياة الدنيا من أصحاب قارون تمنى أن لو أعطاه الله من زينة الدنيا ما أعطى قارون، وقالها كلمة إنسان لا يعرف العواقب ولا ينظر فيها إن قارون لذو نصيب وافٍ كبير، وقال الذين أعطوا العلم حين رأوا قارون في زينته وسمعوا ما تمناه أصحابه، قالوا لهم ويلكم ثواب الله في الآخرة وما أعد من النعيم لمن آمن به وعمل عملاً صالحاً خيرٌ مما أعطي قارون من زهرة الدنيا، ولا يوفق الله لنوال هذه الدنيا والعمل بما تقتضيه إلا الصابرون الذين يصبرون على إيثار ما عند الله من ثواب على ما في الدنيا من متاعٍ زائل، وفي غمرة خلاف الناس في أمر قارون وثروته والتفكير في قيمة المال أهو خير أم الفوز بالجنة، تكرّم الله على عباده فأراهم أن لا شيء يعدل الفوز بالجنة، وأن الدنيا إلى زوال، وسجلها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ودرساً لا ينسى فخسف الأرض بقارون وبيته ومن فيها إنتقاماً منه على بغيه، وما صح ولا استقام أن يكون لقارون جماعة ينصرونه من دون الله ولا كان قادراً على نصرة نفسه بنفسه، وهنا علم المغرورون بالحقيقة التي غابت عنهم لأول وهلة وأصبح الذين تمنوا مكانه في المال والزينة قبل الخسف به يقولون متحسرين معتبرين، ألم تعلم أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويضيقه على من يشاء منهم، ولولا أن الله منّ علينا بنعمة الإيمان وأرانا الحق واضحاً ونبهنا بما حل بغيرنا فلم يعاقبنا بما قلنا لخسف بنا مثلما خسف بقارون، إنه لا يفوز الكافرون لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن مصيرهم ومآلهم الخسران فيهما. وعقّب القرآن على القصة فوضع القاعدة التي يجب مراعاتها والإهتمام بها وأن يجعلها المؤمن نصب عينيه وفي سمعه كلمات خالدات (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) تلك الدار الآخرة نجعلها دار نعيم وتكريم للذين لا يريدون تكبراً في الأرض عن الإيمان بالحق واتباعه، ولا يريدون فساداً فيها بشغل الناس في التوافه عن الحقائق وبالهوى عن المال والعمل، والعاقبة المحمودة هي بما في الجنة من نعيم وما يحل فيها من رضى الله للمتقين الذين امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، هكذا وضع الميزان القسط للحياة الدنيا وبيّن ما يصلحها وما يفسدها في كلمات من نور، ترسم الطريق الأمثل لحياة سعيدة في الدنيا والآخرة (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من جاء بالحسنة يوم القيامة من صلاة وزكاة وصيام وغيره فله جزاءً خير من تلك الحسنة، حيث تضاعف له إلى عشر أمثالها، ومن جاء يوم القيامة بالسيئة من كفر وأكل مال ربا وزنا وغير ذلك من الأعمال القاصرة على الفاعل والمتعدية إلى غيره، فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلاّ مثلما عملوا دون زيادة جزاءً وفاقاً، حكم حكمه الله يظهر أثره في الآخرة فهل من معتبر؟؟!! من فوائد الآيات:
  • 1- كل ما في الإنسان من خير ونعم فهو من الله خلقاً وتقديراً.
  • 2- أهل العلم هم أهل الحكمة والنجاة من الفتن لأن العلم يوجه صاحبه إلى الصواب.
  • 3- التعالي على خلق الله والكبر في الأرض ونشر الفساد عاقبته الخسران.
  • 4- سعة رحمة الله وعدله بمضاعفة الحسنات للمؤمنين وعدم مضاعفة السيئات للكافر.
وهنا تبلغ السورة نهايتها فيعرض على النبي بلاءً فهل ينجح فيه؟ مكة أحب البقاع إلى الله وأحب البقاع إلى رسول الله، ولولا أن قومه أخرجوه منها ما خرج، خرج والشوق يحدوه أن يعود إليها، يعيش فيها، يتفيأ ظلالها، يأنس في ربوعها بما خصه الله من الوحي، بضع وثمانين سورةً قرآنية وذكريات كثيرة يوشك أن يتركها في مكة ويمضي إلى أرض جديدة لا يدرى ما يكون فيها ولا ما ينتظره، فترى الله يأخذ بيده، يبدد خوفه ويطمئن قلبه ويهدئ من روعه (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) إن الذي أنزل عليك القرآن وفرض عليك تبليغه والعمل بما فيه لمرجعك إلى مكة فاتحاً منتصراً أيها الرسول، وأمره أن يقول للمشركين وإن لم يسمعوا ربي أعلم بمن جاء بالهدى ومن هو في ضلال واضح عن الهدى والحق، يقولها لنفسه ولمن يلاقيه، يعترف بفضل الله ويشكر نعمته ويقوي الإيمان في نفسه أن دعوته حق وأن القرآن حق وأن الدين حق ولابد للحق أن ينتصر، فكما ابتدأه بالنعمة لابد أن يتمها عليه، أشار إلى النعمة الأولى (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ) ما كنت أيها الرسول تأمل قبل البعثة أن يلقي الله إليك القرآن وحيا متلواً، لكن رحمة الله إقتضت إنزاله عليك فلا تكونن معيناً للكافرين على ما هم فيه من الضلال بالركون إليهم والخوف منهم وترك تبليغ آيات القرآن، وحذاري حذاري أن تترك القرآن الذي أكرمك الله به وترجع إلى ما كان عليه العرب من الضياع (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ولا يصرفنك هؤلاء المشركون عن الوحي المتلو بعد إنزاله عليك فتترك تلاوته وتبليغه إلى الناس، وتصبر على ذلك وتتحمل المشاق في سبيل إيصال الرسالة إلى الناس كافة، وادع الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده والعمل بشرعه، ولا تكونن من المشركين الذين يعبدون مع الله غيره أو يتركون الله ويعبدون غيره، بل كن مع الموحدين الذين لا يعبدون إلا الله وحده، وأكد على هذا المعنى في الآية الأخيرة ولا تعبد مع الله معبوداً غيره، فإنه لا معبود بحق غيره، كل شيء هالك إلا ذاته، له البقاء المطلق، له وحده الحكم يحكم بما يشاء وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء. هكذا انتهت سورة القصص، في دعوة عامة إلى نشر الفضيلة وإقامة العدل وسوق الناس إلى الدين الحنيف، تطهر قلوبهم عن كل وصف يباعد بينهم وبين الإيمان، وعن كل عمل يبعدهم عن المنهج، ترسّخ في أنفسهم الإيمان بالله إلهاً واحدا وباليوم الآخر الذي يفصل فيه القضاء، وبالنبوة التي تصلح العلاقات الإنسانية فتقيم المجتمع على أساس راسخ من الإيمان بالله والعمل الصالح، فاللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة